العنوان الرفاه.. والعلمانية.. واتفرج يا سلام!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 19
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 27-يناير-1998
معالم على الطريق
الرفاه.. والعلمانية.. واتفرج يا سلام!
بقلم: د. توفيق الواعي
لا بد من أعمال مفضوحة لتقدم الباطل خطوات إلى الهاوية، ولا بد من
أفعال وقحة لتعجل بالفساد إلى الجحيم، ولا بد من مظالم صارخة حتى يخر السقف على
المفترين.
قد يرى الناس عصابات تُسمى محاكم، ومظالم تُسمى دساتير، وأكاذيب يُطلق
عليها قوانين، وقد ينظرون إلى الشعوب تُباع في أسواق النخاسة، والأمم يُنادى عليها
في المزاد العلني، والأحرار في الشعوب يُقرنون في الأصفاد، واتفرج يا سلام على
أحكام الزمان.
قد نشاهد ديمقراطيات "أرجوزية" وديمقراطيين استئصاليين،
وانتخابات هزلية، وأحزاباً صورية، ومناصب كاريكاتيرية، وزعامات ورقية تُدار بأيدٍ
خفية، واتفرج يا سلام على أحكام الزمان.
قد تطالع علمانية عسكرية قراءتها دموية، وألفاظها استئصالية، وأفلامها
منفعية، وكتبها شيطانية، وهوايتها إبليسية، وتطلعاتها شهوانية، وأحلامها عصفورية،
وعلمانيين دساسين، مداحين مرتزقة يحملون البخور ليطيبوا الجيف النتنة، والمساحيق
ليزينوا الجثث المتعفنة، والأقلام لمديح العقول الخربة، والجهالات المتسلطة
والعمالات الوقحة.
ويدقون الطبول للحرب القذرة وللمعركة الخاسرة، واتفرج يا سلام على
أعمال اللئام.
قد تقرأ صحافة الزور فترى الخراب الثقافي، والتدمير الفكري، والسفه
العقلي يسرع بسحب الظلام الكثيفة، ويقبل برعود الهلاك الماحقة، تزين الشهوات
الحرام، وترغب في الفساد والضلال ونشاهد وسائل الإعلام المرئي والمسموع فتعجب لما
تمليه من ضياع وما توحي به من هدم، وما تؤصله من رذائل، تعمل على تقسيم الأمة
وتمزيق الشعب، وتجاهد للتحريض والفتنة، كلما هدأت عاصفة جاءتها بريح سموم، وكلما
خبت هزة حولتها إلى زلزال مدمر، وكلما نجت الأمة من نكبة جاءتها بكارثة، وكلما
ذهبت غيوم جاءتها برعود، وكلما التفتت إلى تنمية أفزعتها لتهلك الحرث والنسل،
وكلما ظهر رواد أو مبدعون لاحقتهم بالأكاذيب والافتراءات والإفك وحصدتهم بمناجل
الفساد والمفسدين.. واتفرج يا سلام على عجائب الأيام.
كنت موقناً تماماً أن حزب الرفاه الإسلامي يقدم كل يوم برهان حله
وحيثيات الشك به، لأنه قام بإصلاحات أذهلت القاصي والداني، وبدأ في انطلاقة الأمة
نحو القرن الحادي والعشرين، وأطلق ماردها الاقتصادي والسكاني، والتفت إلى ما في
الأمة من إمكانات فريدة ولكنها مهدرة، وطاقات عظيمة ولكنها ضائعة، وأراد أن يعطي
للأمة هويتها التي فقدتها وريادتها التي تنكبتها.
فاز في أعظم البلديات، وكانت مدناً خربة مهلهلة، فإذا بها عامرة، يفيض
خيرها وتعظم حصيلتها، وتكثر أموالها وتزداد خدماتها، وتصبح أعظم المدن نظافة، بعد
أن كانت أقذرها، وأغناها بعد أن كانت أفقرها، وأكثرها خدمة للجماهير، بعد أن كانت
حملاً ثقيلاً على أهلها، وكلاً باهظاً على سكانها، فهامت بالرفاه الجماهير،
وتمايلت له طرباً، وصفقت له حباً، وهتفت له تقديراً، وانتخبته ثقة، واختارته
قائداً، فتنبهت قوى العلمانية، وتحركت الفلول الأتاتوركية إلى الفارس القادم
والبطل الوافد، ولم يتوقف الفارس الشجاع، بل قفز دستورياً إلى الحكم ونادته
الأوضاع المنهارة في البلاد، وقدمته الفئات المطحونة في الشعب، فتحمل التبعة
واستلم الأمانة والبلاد تترنح والاقتصاد يئن، والأيدي العاملة المنهوبة تتوجع،
وثبت للعواصف ثبات الجبال، وجالد الأزمات وفرج الكروب، فرفع المرتبات للعاملين إلى
الضعف، ولم يحدث ذلك في تاريخ أمة، وأوقف الديون ومنع الفساد والإهدار للمال
العام، وكون الفرق العاملة في الاقتصاد، والتفت إلى ما في الأمة من خيرات، واستدعى
ما عندها من إمكانات، وقدم الكوادر وأطلق الإبداعات فسرى الدم في الجسد الهامد،
وخفقت الروح في الجثة المهدمة، وانتشت الأعضاء وتحرك المارد، وكادت أن تؤتي جهود
الإصلاح أكلها.
فإذا بالقوى الخفية والمنظورة، والمستترة والظاهرة، وقد استكملت
حيثيات استئصال الرفاه، وتوافرت أسباب القضاء عليه، لأنه بذلك سيكون خطراً على
الكثيرين داخلياً وخارجيا، وسيؤدي ذلك إلى كشف أشياء كثيرة وتوضيح أمور عديدة، فلا
بد إذن أن يعمل على وأد ذلك الحزب، وتشريد كوادره ﴿قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ
مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]، وحل حزب
الرفاه الإسلامي على هذه الشاكلة يعطينا بضعة علامات على الطريق منها:
1. أن الجماهير في كثير من بلاد العالم الثالث لا
شأن لها ولا اعتبار لرأيها أو رغبتها وأنها تقاد إلى رغبات أناس قد لا تعرفهم أو
تدري ماهيتهم!
2. أن الإصلاح الذي تقدمه أحزاب إصلاحية أو إسلامية
وتأييد الجماهير العريضة لها قد يكون ذلك شهادة وفاة لتلك الأحزاب أو الهيئات التي
تكون على تلك الشاكلة.
3. أن طريق الإصلاح ما زال محفوفاً بالمخاطر والصعاب
الكثيرة وأن الأوضاع الداخلية والخارجية الفاسدة والمتربصة ما زالت في عنفوانها،
ويجب أخذ الحيطة وتدبير الأمور بحكمة ودربة ودراسة.
4. أن الديمقراطيات التي تحكم بلادنا ديمقراطيات
معسكرة وديكتاتورية، يملكها ثلة لا يُعرف لأحد حقيقتها أو نيتها، وأنها مستعدة في
سبيل مصالحها للتضحية بأي شيء.
5. أن غالبية هذه الهزات الكبيرة التي يُراد لها أن
تحدث في الأمة يقصد بها الفتنة والحروب الداخلية وإهلاك الشعوب بعضها بعضاً حتى
يتدخل الأجنبي وتتفتت الأمة من داخلها، ولهذا دعا نجم الدين أربكان مؤيديه إلى
التزام الهدوء وعدم الاستجابة لأي استفزازات محتملة، وبهذا يظهر لكل ذي عينين: من
الذي يخلق الإرهاب في الأمم ومن الذي يقود الإرهاب الفكري والأمني.
6. مهما يكن من أمر الرفاه أو غيره فإن الباطل لا
يمكن أن يسود أبد الدهر، ولا بد من الاعتماد على الشعوب مهما صعب ذلك في التغيير
أو طالت الشقة، وبعدت الغايات، والبقاء دائماً للأصلح، وليس هذا زمن القهر وسيادة
الجهالة والعمالة، والمسلمون قادمون إن شاء الله، ويومها سيتفرج الناس على فرسان
الزمان، ورجال العصر والأوان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل