العنوان الرفاه قادم«5» REFAH PARTISI GELDI.. ديناميكية الرفاه
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 06-فبراير-1996
في صباح الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي كان «۹۰» ألف فتى وفتاة
يجوبون شوارع إسطنبول لتبليغ الناخبين برسالة الرفاه في الانتخابات، فمن أهم فوز الرفاه في الانتخابات هو تواجده بين الجماهير، وخصوصًا طبقات الطلبة والشباب والنساء، وهذا الانتشار الجماهيري أعطى حيوية مميزة لحزب الرفاه عن باقي الأحزاب الأخرى، حيث تفتقر تلك الأحزاب للتواجد بين طبقة الطلبة والشباب بشكل واسع.
حزب الرفاه لديه ٥ ملايين عضو ومنتسب، بينهم مليون امرأة، وإذا عرفنا أن عدد سكان تركيا يقارب ٦٢ مليون تقريبًا منهم ٣٦ يحق لهم الانتخاب، ولذلك فإن حزب الرفاه يشكل 8.5% من تعداد سكان تركيا، ولهذا فإنه من السهولة بمكان أن يصل حزب الرفاه لعمق المجتمع التركي، ولمختلف طبقاته، ويعتبر حزب الرفاه أكبر حزب في العالم تقريبًا إذا ما قورن بالحزب الشيوعي السابق، والذي كان عدد أعضاؤه تقارب هذا العدد.
وبالرغم من كثرة المنتمين لهذا الحزب إلا أن قيادة حزب الرفاه حرصت في هذه الانتخابات على التركيز على أبناء الدعوة الذين صمدوا أثناء المحنة، واستبعدوا الانتهازيين من قوائم المرشحين، كما أنه يوجد في كل شارع ممثل مرتبط بالتنظيم لفرع الحزب في الحي، ويغطي نشاطات الحزب فعاليات مختلفة من المجتمع، ويوجه لهم خطابًا خاصًّا كالأطباء، والمعلمين، والمهندسين، والصناع، والتجار، والإعلاميين وغيرهم.
ويتميز الرفاه عن غيره من الأحزاب أنه يتعامل مباشرة مع الجمهور، حيث يتم حوار كل شهر مع القاعدة الجماهيرية في كل منطقة، عدا الحوار الشهري الذي تقوم به بلدية كل مدينة، مما يجعل العلاقة مستمرة مع هموم المواطنين الأتراك، أضف إلى ذلك برامج الخدمات الاجتماعية المختلفة والتي يقوم بها منتسبو الحزب بشكل تطوعي، وفي المقابل فإن المتطوعين أيضا يشكلون دعمًا هامًّا لفعاليات الحزب وبرامجه، فعلى سبيل المثال عندما أراد الحزب أن يغطي نفقات ملصقات الحزب وشعاراته، قام المتطوعون بالتبرع بـ «٤٠٠.٠٠٠» بوستر ولصقه، مما أوجد في كل شارع شعاراً إعلاميًّا للرفاه.
الرفاه في الخارج
لا يتوقف تواجد الرفاه في تركيا فحسب، بل إن غالبية المهاجرين الأتراك في أوروبا- وخصوصًا ألمانيا- ينشط بينهم حزب الرفاه بشكل ملحوظ، وهو يوجه لهم مجموعة من الأنشطة الإعلامية، عدا ما تقوم به مجموعات «مللي كروش» الموالية للرفاه من اتصال بهؤلاء في الخارج عبر مراكز الجالية التركية والصحف الصادرة عنها، وقد انعكس ذلك على نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث حصل حزب الرفاه في نتائج «الجمرك»- وهم الناخبون الذين صوتوا في المنافذ التركية المختلفة- على «٣٠٨٠٤» أصوات من مجموع «۸۰۹۳۳» صوتًا، أي بنسبة ٣٨% في حين حصل حزبا الوطن الأم «ANAP» والطريق القويم «DYP» كل منهما على ١٥%، وإذا أضيف إليهما أصوات اليسار التركي المتمثل في الحزب الديمقراطي «DSP» على ۱۱%، فإننا نجد أن حزب الرفاه يتساوى تقريبًا مع الأحزاب الثلاث العلمانية الرئيسية، وهذا يعني أن نسبة عالية من المهاجرين يرون في الرفاه الحزب القادر على حل مشاكل تركيا، بل إن ذلك قد يعكس بشكل غير مباشر تخوف الدول الغربية من نشاطات الجالية التركية فيها، إذ إنها تعكس بصورة صادقة عن الاتجاه الإسلامي الذي يقوده الرفاه.
مرونة آلية الحزب
يتشكل الحزب من أمانة عامة يرأسها البروفيسور أربكان، وعضوية تسعة أعضاء آخرين، جميعهم نجحوا في الانتخابات التي عقدت في ديسمبر الماضي، فهم الأستاذ أوغوزهان آسيل ترك «الأمين العام للحزب»، وكان وزير الداخلية في حكومة ١٩٧٤م، ويمثل منطقة «مالاتيا»، والأستاذ أحمد تك دال «نائب الأستاذ أربكان، ومسؤول الشؤون التنظيمية في الحزب وممثل عن أنقرة»، والأستاذ رضا أولوجاك «مسؤول الشؤون الانتخابية، وممثلٌ عن أنقرة»، والأستاذ شوكت قازان «النائب الأول للمجموعة البرلمانية للحزب، ومسؤول العلاقات الشعبية، ووزير العدل في وزارة ١٩٧٤م، وهو يمثل دائرة كوجالي»، والأستاذ فهيم أداك «مسؤول الإدارات
المحلية وهي البلديات»، وكان وزيرًا للعمل في حكومة ١٩٧٤م، ويمثل دائرة ماردين، والأستاذ رجائي كوتان «مسؤول الشؤون الإعلامية»، وكان وزيرًا للإعمار والإسكان، وهو ممثل دائرة «مالاتيا»، والسيد عبد الله كول «مسؤول العلاقات الخارجية وممثل لدائرة قيصري»، والأستاذ عبد اللطيف شَنَر «نائب ثان لرئيس مجموعة حزب الرفاه في البرلمان»، ويمثل دائرة سواس، والأستاذ موسى دميرجي «مسؤول العلاقات الاجتماعية»، وممثل عن دائرة سواس.
ويتفرع من أمانة الحزب لجان عامة وفرعية، وتقوم كل محافظة بإدارة شؤونها بمفردها، وتقوم هذه اللجان برفع تقارير دورية للأمانة العامة باستمرار، ولهذا فإن ميكانيكية حركة الحزب حرة جدًّا، وتعطي مساحة واسعة لتحرك القيادات الفرعية بين الجماهير، وتطبيق برنامج الحزب.
الحزب والمرأة
عندما تتجول في شوارع إسطنبول ستجد الفارق بين إسطنبول السبعينيات
والثمانينيات والتسعينيات، حيث ينتشر الحجاب بشكل ملفت للنظر بين مختلف أعمار النساء في تركيا ولا شك، ولهذا فإن للتيار الإسلامي بعمومه تأثيرًا واضحًا في صحوة المرأة التركية تجاه الإسلام، فإن الحزب يؤمن بقيمة المرأة كعنصر أساسي في تشكيلات الحزب، ودور المرأة في قيادة التيار في تركيا حيث ينتسب للحزب مليون امرأة، وقامت النساء في الحزب بأنشطة اجتماعية ذات فعالية كبيرة، كما كانت لهؤلاء النساء مساهمات فعالة في الجانب الترويجي لأفكار الحزب والمرشحين، وقد قامت النساء بحملات توعية اجتماعية، ونشاطات خاصة بمحو الأمية وتعليم النساء، وتشجيع المهن المنزلية والتصنيعية للمرأة التركية، وقد تم الاحتفال منذ أشهر مضت في مهرجان نسائي ضخم بارتداء أشهر عارضتين تركيتين للأزياء للحجاب، مما أثار غضب وسائل الإعلام العلمانية التركية في حينها.
واتهمت الأحزاب العلمانية حزب الرفاه باستغلال المرأة في الأغراض الانتخابية والسياسية، وتعللت في أن الحزب لم يرشح أية امرأة للانتخابات، وتم إبعاد إحدى القيادات النسائية «سيبل أرسلان» من عملها كرئيسة للنشاط النسائي في حزب الرفاه؛ لأنها تعارض سياسة عدم إعطاء حقوق كافية للمرأة في برامج الحزب، إلا أن حزب الرفاه يؤكد بأن عملية الترشيح تمت بشكل قانوني في أطر الحزب، وانتخب هؤلاء من جميع أعضاء الحزب بما فيهم النساء، ويعلل قادة الحزب عدم ترشيح أية امرأة بأن الدستور التركي يمنع تواجد أية امرأة ترتدي الحجاب في البرلمان التركي، مما جعل النساء في الحزب ينحزن لحجابهن دون المقعد البرلماني، ويؤكد الرفاه بأن المرأة لا تخدم الحزب عندما تنشط انتخابيًّا، ويضربون مثالًا على ذلك في سيرة المرأة في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- فالمرأة التي جاهدت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المعارك والجهاد كانت تقوم بدور هام ومحدد لها، ولم يقل أحد أنها كانت تقوم بالخدمة للرجال.
ويؤمن حزب الرفاه بأهمية دور المرأة في البيت؛ حيث إنها تؤدي رسالة هامة، وهي بناء الإنسان في المجتمع التركي.
تمتاز الرسالة الإعلامية للرفاه بمجموعة من البرامج والشعارات، كما أنها تستخدم الرسالة الإعلامية للحزب، خصوصًا أثناء الانتخابات الأخيرة.... خطابًا جماهيريًّا مبسطًا يعتمد على ما أسموه بـ «شعارات الرحمة والشفقة»، و استمدوا لذلك مجموعة من الأدلة الإعلامية والمطبوعات تتناسب مع مجهود كل طبقة، كما أن الحزب استعان بوكالات خاصة للدعاية والإعلان للإعلان عن برامجه، ويقوم الحزب بإدارة سياسية إعلامية ناجحة تعتمد على التخصص والبرامج التقنية، والوسائل المتاحة لمؤيدي الحزب كالقنوات الفضائية «القناة ٧»، وصحفه الخاصة «مللي جازت»، و«شفق»، وبعض الصحف المؤيدة مثل جريدة «زمان»، وغيرها، كما أنه استخدم لأول مرة نظام "Outine" بين فروعه المختلفة أثناء الانتخابات عبر شبكة الإنترنت، وذلك لإيصال المعلومات واستقبالها بين المركز الرئيسي وفروعه المختلفة، وقام حزب الرفاه بتكليف شركة خاصة لمتابعة ما يعرض في القنوات التليفزيونية المختلفة، وتسجيل الملاحظات، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، كما أن حزب الرفاه قام بإيجاد شبكة اتصال مع الأتراك في الخارج لتنسيق معلوماته الخاصة، وما ينشر عن حزب الرفاه في الخارج.
تطبيقات عملية ناجحة
مما ساعد حزب الرفاه هو حيوية ديناميكية برنامجه العملي، فبالرغم من
الإنجازات العملية التاريخية لحزب السلامة، إلا أن تجربة «البلديات» التي يقودها الرفاه في تركيا كانت تجربة حية وعملية، أقنعت الشعب التركي بنظريات الحزب في علاج مشكلات تركيا القائمة، حيث استطاعت البلديات في حل مجموعة من مشكلات الإسكان والاتصالات والمواصلات والبريد والنقل والمشاريع، والمياه والتنمية الخاصة بالمدن والسياحة وغيرها.
فعلى سبيل المثال في بلدية إسطنبول التي يعمل بها ۳۰ ألف موظف بميزانية لا تقل عن ۱۰۰ مليار دولار، استطاعت البلدية أن تحل مشكلة المياه المزمنة في إسطنبول باستكمال مشروع أوزال المائي، والذي غطى احتياجات إسطنبول اليومية، كما أن بلدية إسطنبول استطاعت أن تبني مساكن خاصة للطبقات الفقيرة، وتؤجرها لهم بأسعار زهيدة، مما حل جزءًا من مشكلات السكن، أضف إلى ذلك انخفاض أسعار الخبز واللحوم والبقول والخضار والفواكه؛ لأن بلدية الرفاه قامت بتخفيض الأسعار إلى ما يقارب الثلثين باستحداث أفران خاصة بها، وأماكن لبيع المواد الغذائية بأسعار مناسبة، عدا المشاريع الأخرى والتي كانت تكلف البلديات السابقة مبالغ هائلة، كان الرفاهيون في البلديات يحصلون عليها بتكلفة أقل مما أوجد ثقة لدى الشعب التركي بإخلاص، وصدق وأمانة ونزاهة حزب الرفاه، وقد حصلت بلدية إسطنبول على المركز الأول لبلديات العالم في المؤتمر الذي عقد في اليابان عام ١٩٩٤م.
مشاريع مساندة
التيار الإسلامي في تركيا في عمومه ينطق في استراتيجية واحدة، وهي عودة الإسلام إلى تركيا، ولهذا فإن آلاف المؤسسات الإسلامية العاملة في مجالات النشاطات المختلفة: الإعلام، والاقتصاد، والتعليم، والتدريب، والصناعة...... كل هذه المؤسسات تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر سياسة حزب الرفاه.
عندما التقيت المدير الإعلامي لمحطة «القناة 7» السيد مصطفى جرك أكد لي بأن هذه المحطة هي للمسلمين، وليست لحزب الرفاه، ولكن لا شك أنها تخدم السياسة العامة لحزب الرفاه، فالمسلمون لم يكن لهم محطة تبث من خلالها البرامج الثقافية والإسلامية والحضارية الهادفة، حيث إن جميع القنوات تخدم أهدافًا خاصة تصطدم مع الإسلام، وهذه المحطة الفضائية- والتي تبث داخل تركيا، وأوروبا، والبلقان، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط، والخليج العربي- قامت بمجهودات ناجحة وطيبة في رعاية الإسلام، وإن لم يكن الهدف فيها الجانب الإسلامي فقط، وهي تعتبر اليوم خامس محطة داخل تركيا تغطي احتياجاتها بنفسها، وستبدأ المحطة خلال أيام ببث نشرات بالعربية والإنجليزية، وهم يختمون القرآن كل شهر مرة واحدة، واستطاعت هذه المحطة أن تصنع إعلامًا هادفًا وموضوعيًّا، وهم يستشيرون مجموعة من أهل الرأي الشرعي فيما يعرض في قناتهم باستمرار، واستطاعت هذه القناة أن تبث الرسالة الإعلامية لحزب الرفاه بشكل موضوعي.
كما أن هناك مجموعة لا تقل عن «٢٥٠٠٠» رجل أعمال في منطقة «الماسايد»- وهي الغرف التجارية التركية- مؤيدين لحزب الرفاه، وقد استطاعت هذه المجموعة أن تحصل على ثلث المقاعد في الغرفة التجارية التركية، وللرفاه علاقة متميزة مع هذه الطبقة من رجال الأعمال، والتي تدير الآن الشركات الصناعية والمالية والتجارية.
وهناك عشرات المدارس المتخصصة بالتعليم تضم بين جنباتها عشرات الآلاف من الطلاب المؤيدين للرفاه، أضف إلى ذلك عشرات دور النشر، والتي تؤمن للرفاه نشر الأفكار الإسلامية، وخصوصا الكتب التي تكشف الماسونية واليهودية في تركيا، وقد التقيت بأحد رؤساء هذه الدور، وقدم لي مجموعة من الكتب والتي تختص فقط بكشف الماسونية والماسونيين في تركيا.
إلا أن ما يميز الحزب هو برنامجه الاقتصادي الذي أسماه بـ «النظام الاقتصادي العادل»، وهذا ما سنتناوله في العدد القادم إن شاء الله.