; الرسول في رمَضَان | مجلة المجتمع

العنوان الرسول في رمَضَان

الكاتب الشيخ محمد الأباصيري خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 266

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

الرسول في رمَضَان

بقلم: الشيخ محمد الأباصيري

شهر رمضان شهر اقترن في نفس رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام بكل معاني الخير ففيه اختاره الله ليكون رسولا إلى الناس كافة، فبينما هو في غار حراء مختليا يبغى صفاء السريرة، والاهتداء إلى طريق الحق إذ ظهر له جبريل عليه السلام وقال: أبشر يا محمد! أنا جبريل وأنت رسول الله إلى هذه الأمة، ثم قال له: اقرأ قال: ما أنا بقارئ فأخذه فضمه حتى بلغ من الجهد، ثم أرسله وقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ فأخذه فضمه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال: اقرأ. قال ما أنا بقارئ، فأخذه فضمه الثالثة ثـم أرسله وقال: اقرأ فقال الرسول: كيف أقرأ؟ فقال جبريل:- ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقرأ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق:1-5)،

 قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الآيات فسرت في نفسه سريان الأمل، وأشرقت في قلبه إشراق الضياء. وأحس بنور الإيمان يوضح معالم الطريق لإنقاذ الإنسانية من ظلماتها، وتهيئتها للحياة العزيزة الكريمة، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، (الشورى:52-53)

وتقديرا للكتاب الكريم الذي بدأ نزوله في شهر رمضان جعل رسول الله شعار رمضان في كل عام هـــو الاحتفال بمولد هذا الكتاب الذي ختم الله به الشرائع وأتم به مكارم الأخلاق وكان هذا الاحتفال يتجلى في مفاجأة الله بكلامه وفى مدارسة كتابه فكان رسول الله وجبريل يتدارسان القرآن في رمضان من كل عام، وقد نوه الله بهذه الصلة الوثيقة بين شهر رمضان وبين القرآن الكريم، وجعلها أولى المناقب والمزايا التي اختص بها هذا الشهر العظيم فقال جلت حكمته:

- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (البقرة: ١٨٥) وكان ذلك إيماء للمسلمين بأن يجعلوا حظ رمضان من القرآن دراسة وتلاوة أوفر الحظوظ.

 وفي السنة الثانية من الهجرة أضاف الله تعالى إلى شهر رمضان منزلة أخرى هي فرض صيام فتوفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات.

 وقد كان الرسول العظيم يستعد لاستقبال رمضان بمجرد هلال شهر رجب.. قال أنس ابن مالك رضی الله عنه: «كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، وكان يكتفي في إثبات رمضان بشهادة العدل الواحد عن ابن عباس رضي الله عنه:- جاء أعرابي إلى رسول الله فقال: إني رأيت هلال رمضان قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟

قال: نعم, قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما، رواه البخاري ومسلم.

 وكان رسول الله إذا رأى هلال رمضان قال: هلال رشد وخير آمنت بالذي خلقك وكان يبشر أصحابه بقدوم رمضان فيقول: قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم- رواه أحمـد والنسائي والبيهقي.

 وكان- عليه الصلاة والسلام- يحافظ على نظافة الفم في الصيام، روى أبو داود والترمذي عن عامر بن ربيعه أنه قال:- «رأيته صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائـم ما لا أعد ولا أحصى».

وكان يفطر بمجرد غياب الشمس روى الشيخان عن عبد الله بن أبي أدننى قال: كنا مع رسول الله سفر في شهر رمضان فلما غابـت الشمس قال: يا بلال انزل فاجدح لنا قال يا رسول الله إن عليك نهارًا قال: انزل فاجدح لنا قال: فنزل فجدح فأتى به نشرب اللبن ثم قال بيده:- إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم- والجدح خلط الشيء بغيره والمراد خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوي، والسويق هو القمح أو الشعير المقلي المطحون وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن النبي قال:- «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر- وكان يفطر قبل أن يصلي المغرب على رطبات فإن لم تكن فعلى تمرات فان لم تكن حسا حسوات من ماء»

وكان يدعو الله عند الفطر ويقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى، (وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر بن العاص) «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد، وكان عبد الله إذا أفطر يقول: اللهم إنی أسألك - برحمتك

التي وسعت كل شيء ـ أن تغفر لي» وكان - صلى الله عليه وسلم يتسحر ويقول لأصحابه:- «تسحروا فإن في السحور بركة»– (رواه البخاري ومسلم) وكان يؤخر السحور فعن زيد بن ثابت رضی الله عنه قال: «تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة قال أنس قلت كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين أية» (رواه البخاري ومسلم)

 وكان- عليه الصلاة والسلام- يصوم في السفر ويفطر قال أبن عباس رضی الله عنه- صام رسول الله في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء فطر وعن أبي سعيد رضى الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر ولا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم

 وقد كان عليه الصلاة والسلام يرشد بحاله في شهر رمضان إلى البذل والعطاء فقد كان أجود ما يكون في رمضان حتى أنه كان فيه أجود بالخير من الريح المرسلة، وما زكاة الفطر في أخر رمضان إلا الحلقة الختامية المعبرة من تحويل فضيلة الصبر إلى فضيلة الشكر اتباعا لإرشاد القرآن الكريم حين يقول:- ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

وكما كانت الرسل تتدفق من الباب الإنساني جودًا واسما وسخاء كبيرًا يسد حاجة المحتاج وينفس كربة المأزوم كانت تتدفق من الباب الإلهي قياما وتسبيحا وتكبـيرا وتمجيدا امتثالا لقول الله تعالـي: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ (البقرة:185)

وتضرعا وابتهالا، ودعاء وسؤالا امتثالا لروح الآية الكريمة ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة: ١٨٦)ـ وما الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إلا نهاية الشوط في هذا الطريق إقبالا على الله وانقطاعا إليه، فكان عليه السلام يخرج من منزله عند الإقامة لصلاة الفجر، فيصلي الفجر في المسجد، ثم يخلو بنفسه في المحل الذي أعده لاعتكافه، وكان المقصود من هذا جمع القلب على الله بالخلوة، والتنعم بذكر الله، والاعراض عما عداه، قالت عائشة- رضي الله عنها- كان النبي اذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وقالت: كان رسول الله إذا دخل العشر الأخيرة من رمضان شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله-

وشد المئزر كناية عن التشمير للعبادة، واعتزال النساء ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (البقرة: ۱۸۷)

وكان من خصوصيات الرسول- صلى الله عليه وسلم- في أخر شهر رمضان أن يواصل الصوم أن يصل صوم النهار بإمساك الليل مع صوم النهار الذي بعده، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال إياكم والوصال - قالها ثلاث مرات - قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: «انكم لستم في ذلك مثلي، أنى أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكتفوا من الأعمال ما تطيقون.»- (رواه البخاري ومسلم)-

 

والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام- يطعمني ربي ويسقيني ما يغذيه الله به من معارف، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب، وتنعيم الأرواح، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مدة من الزما كما قيل:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها

                    عن الشراب وتلهيها عن الزاد

 لها بوجهك نور يستضاء به

                      ومن حديثك في اعقابها حادي

 وقد كان الرسول يسير السرايا في رمضان، لاستطلاع أخبار العدو، وكانت غزوة بدر بقيادته في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وهي السنة التي فرض الله فيها الصيام وكانت غزوة الفتح رمضان سنة ثمان من الهجرة تحرك الجيش الإسلامي في الثامن منه، وسقط الشرك في عشرين منه.

 وأرشد رسول الإسلام المسلمين إلى تحفظ الصائم من الأعمال التي تخدش صومه، كي تحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: (البقرة: ١٨٤)- روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».– (رواه الجماعة إلا مسلم) وعنه قال: - «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر».– (رواه النسائي وابن ماجه)

هذا رسول الإسلام في شهر رمضان.. يقدر لكتاب يقدر لكتاب الله أعظم ما يكون التقدير، وعابد لله أحسن ما تكون العبادة، وجواد أكرم ما يكون الجود، ومتصل بربه أنفع ما يكون الاتصال، ومجاهد في سبيل الله أصدق ما يكون الجهاد، وصابر ومحتمل أقوى ما يكون الصبر والاحتمال، وقد قال الله تعالى:

 - ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. (الأحزاب: ۲۱)

فلتكن لنا برسول الله قدوة نهتدي بها إلى سواء السبيل، ولنستمسك بكتاب الله وسنة رسوله، ففي ذلك خير الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :