; الرسول صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان الرسول صلى الله عليه وسلم

الكاتب علي عزت بيجو فيتش

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994

مشاهدات 68

نشر في العدد 1112

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 16-أغسطس-1994

في مثل هذا اليوم، قبل أكثر من 1400 عام، ولد نبي الإسلام، رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه المناسبة فرصة سانحة لنستذكر بعض الوقائع من حياته الخصبة، لأننا نجد فيه خير قدوة لحياتنا الشخصية، كما يقول القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).

صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

ولد رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في عائلة عريقة النسب من بني هاشم من أبوين فقيرين في قبيلة قريش. ما من مسلم لم يسمع بتلك القصص المؤثرة عن وفاة أمه آمنة منذ نعومة أظفاره، تلك الأم الحنون الكريمة الناعمة، وعن حياة محمد صلى الله عليه وسلم اليتيم الصغير، ثم عن حب جده عبد المطلب له، وعن عمه أبي طالب الذي ترعرع في بيته ونشأ في كنفه، وكانت عيوننا تذرف دمعًا عند سماعنا في الصغر عن بعض هذه القصص من حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك بقيت تلك القصص في خلدنا أقوى وأجمل ذكرياتنا في طفولتنا.

وتواصلت مع هذه الانطباعات من الصغر والشباب انطباعات جديدة، وجعلت كلًّا منا يتصور في مخيلته صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب ما يراه ويتخيله.

إننا نراه صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة.. نراه زوجًا مرحًا سعيدًا مع خديجة، وزاهدًا غارقًا في التأمل في غار حراء، وتاجرًا ناجحًا يرحل مع القافلة إلى الشام، وفارسًا مقدامًا في غزوة بدر، ثم دبلوماسيًا بارعًا في مفاوضات صلح الحديبية، ورجلًا رؤوفًا يبكي على قبر صديقه، وفوق كل ذلك تراه مؤمنًا صلبًا ومستبصرًا، يبعث رسله في الجهات الأربع من العالم المعروف آنذاك، لأنه كان يؤمن إيمانًا لا يتزعزع بعالمية رسالته.

اجتمعت كل هذه الخصائص والقدرات والقوى البشرية، التي عادة ما يلغي بعضها بعضًا في إنسان واحد، وتكاملت واتحدت في هذه الشخصية، شخصية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الإسلام هو انسجام وتوافق القوى المتناقضة- قوى الجسد وقوى الروح- فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد جسد أكمل صورة للعلم الذي جاء به والرسالة التي بلغها إلى العالمين، وعندما يتحدث القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، مبرزًا أنه رجل ومؤكدًا الجانب البشري في شخصيته، فإنه لا يحط من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه يرفع ويعلي فيه قدر الإنسان.

النبي صلى الله عليه وسلم وخوارق العادات

ولم يكن هناك شيء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يحدث خارقًا للعادة باستثناء نزول القرآن، ولا كان الأمر يستدعي ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس على الأرض بكل ما هم عليه من الصفات وكان يشعر بالخوف والرجاء والألم، مثلنا تمامًا. إن معركة أحد التي شارف فيها الجيش الإسلامي على الهزيمة وجرح فيها النبي صلى الله عليه وسلم كانت درسًا من الله- سبحانه وتعالى- أنه لا تبديل لسنته، وأن هذه السنن تنطبق على المسلمين بقدر ما تنطبق على الآخرين، وأن أمام المسلمين طريق الجد والجهاد، والعمل المنظم والمثابرة إن أرادوا الوصول إلى النجاح ليس لهم شيء يخصهم قد أعده الله لهم دون سواهم يمكنهم بلوغه دون سلوك طريق العمل والجهاد. ليس هذا درس معركة أحد فقط، بل هذه رسالة الإسلام وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن حياته كانت حياة رجل وإنسان بأروع معاني تلك الكلمة.

حب العمل وبساطة العيش

وفور بلوغه مبلغ الرجال شرع النبي صلى الله عليه وسلم في البحث عن عمل مفيد لأنه كان بلا مال ولم يكن عمه أبو طالب قادرًا على إعانته، لذلك اتجه إلى رعي الغنم والإبل، وأثار حمية واعتراض بعض الأقارب الأغنياء لأن ذلك يخدش في سمعة القبيلة لكون رعي الغنم والإبل من أعمال العبيد وأبناء الفقراء ولكن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يتردد، وواصل عمله باستمتاع لأن رعي الغنم كان يذكره بأيام الطفولة ويقربه إلى الطبيعة واستطاع إمعان النظر والتفكر في العالم حوله.

ونذكر هذه الصفحة من حياته صلى الله عليه وسلم، لأنها تتحدث بجلاء عن جانب من شخصيته وطبيعته، لقد كان رجلًا حرًّا بعيدًا عن الكبرياء والافتخار الكاذب محبًا للحق وجوهر الأمور، وبقي على حاله تلك حتى وفاته، وبعدما تقدمت به السن وانتصر على أعدائه وأصبح زعيمًا أوحد لقومه وحاكمًا دون منازع على شبه الجزيرة العربية، ظل ذلك راعي الغنم الفقير الذي كان يرعى في أطراف مكة، كما ظل في بيته متواضعًا مثل بيوت عامة الناس، وكان طعامه خبز شعير وحفنة تمرات، وكان يخيط رداءه ونعله بيديه، وفي الوقت نفسه كان يبت في أهم أمور الدولة، فهل يمكن للإنسان أن يعرف كل هذه الخصائص ولا يحب هذا الرجل؟

تأمله في غار حراء ونزول الوحي

وكان من عادته صلى الله عليه وسلم، أن يستخلي في رمضان من كل سنة في غار حراء، ليقضي الشهر في هدوء الغار متعبدًا ومتأملًا في القضايا الكبرى التي كانت تستحوذ على تفكير عظماء الرجال: من أنا؟ ما حقيقة هذا الفضاء الواسع الذي يسميه الإنسان بالكون؟ ما حقيقة الحياة؟ لماذا نموت؟ بأي شيء نؤمن؟ ما الذي علي أن أعمله؟ «لم تجب صخور حراء الصلبة، ولا ظلام رمل الصحراء، ولا السماء الزرقاء الصافية المزدانة بالنجوم، لم يكن أحد يجيب غير روح ذلك الرجل المتأمل ووحي رب العالمين» كما يقول أحد محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واصفًا حالته النفسية قبل نزول الوحي الأول عليه وكما هو معلوم، جاءت الإجابة عن هذه الأسئلة ذات ليلة في شهر رمضان، عندما كان تفكيره وصل إلى ذروته، وبنزول الوحي الأول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1). نزل عليه فيض من رحمة الله وأنار هذا الضياء قلبه، وفي لحظة واحدة أدرك الأمور التي طالما بحثت روحه في شغف عن الإجابة عنها، واستمر نزول الوحي على مدى 23 سنة من حياته، ولكن الشيء الأهم والأمر المصيري كان قد قضي في اللحظة الأولى في غار حراء، وهو أن الإنسان ليس وحيدًا، بل هناك رب خالق السماوات والأرض، وكل ما تلا بعد تلك اللحظة كان امتدادًا لهذه الحقيقة الأساسية، لأنها كانت تتعلق مباشرة بعلاقة الإنسان بخالقه، ولكنها حقيقة وجب عليها أن تحدد وتقيم تلك العلاقة على نمط جديد، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد بلغ 40 من عمره.

ومن المعلوم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب بعد هذا اللقاء الأول مع ملك الوحي إلى زوجه خديجة في حالة من الذهول والارتجاف وكشف لها عن سره، وما كان منها إلا أن هدأته وثبتته وشجعته وكانت أول من آمن برسالته- أي أول مسلمة- وإذا كان للمرأة المسلمة حق ومصدر فخر في استنتاج بعض الأمور المهمة لحياتها من هذه الحقيقة، فكذلك هناك حادثة أخرى تضيء لنا جانبًا من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعد مضي سنوات على وفاة خديجة الأمينة، كانت عائشة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم في مقتبل عمرها- تغار من خديجة لمكانتها في نفس النبي صلى الله عليه وسلم حتى قالت: «ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة، لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط» رواه مسلم.

وقالت أيضًا، فغرت فقلت: «ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها».

ولم تنسَ الأمة فضل خديجة، هذه المرأة التي ارتقت إلى مصاف عظماء البشرية، فوضعتها على رأس أمهات المؤمنين- كل المؤمنين- إلى قيام الساعة.

الإصرار على تبليغ الدعوة

وبعد اللقاء الأول برسول السماء والإثارة الأولى في تلك اللحظات، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم معنى رسالته العالمية التي اختير لحملها وتبليغها، ولم تكن هناك قوة تستطيع أن تثنيه عنها أو الحيلولة دون القيام بها، لم يكن هذا الدين الجديد بكل ما جاء به من التعاليم يعني التغيير الكلي في المعتقدات والعبادات والعادات والأعراف فقط بل كان يعني تغييرًا جذريًّا في العلاقات الأسرية والاجتماعية. من هنا ندرك منشأ المعارضة القبلية العنيفة التي انتهجها صناديد قريش، لأنهم كانوا يتحكمون في عقول وأجسام أبناء قبيلتهم. وتحول الأمر إلى عراك البقاء أو الفناء بين عبادة الأصنام الكاذبة والإيمان بالله الواحد الرحيم القادر.

يروى أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم قد نصحه بعدم تحدي أكابر قومه، لأن ذلك يعرض حياته للمخاطر ويسبب المكاره لأقاربه، نظرًا إلى أن العرف القبلي كان يلزمهم بحمايته والذود عنه، ولم يكن منه إلا أن قال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».

هزمت هذه الكلمات القاطعة الصارمة أبا طالب، ومع ذلك استمرت حمايته لابن أخيه ولم يسلمه لشيء أبدًا، ولكن لم يقدر على تفسير عزمه وعدم تردده في الإجابة، لم يقدر على فهمه لأنه لم يكن مؤمنًا بالرسالة الجديدة، ولو كان مؤمنًا لأدرك أن هناك أمورًا وقيمًا لا تخضع للمقارنة مع أشياء أخرى لأنها خارج جميع الحسابات والأسباب والمصالح، وحتى خارج الحياة والموت.. هناك خالق العالم ولسنا نحن البشر سوى مخلوقاته هو.. هذه هي الحقيقة الأساسية.. الحقيقة البسيطة.. الحقيقة قبل وفوق أي حقيقة أخرى، وفي مقابلها تبقى الأسباب والاعتبارات الأخرى عاجزة ضعيفة.

وتحت تأثير هذا الدين سيتحمل وسيتجاوز النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك العصبة القليلة من أتباعه المؤمنين الخلص كل المحن وكل الامتحانات التي اعترضت طريقهم.

في بداية الأمر كانت الإهانة تقابلهم في طرقات مكة، ثم جاءت المقاطعة الاقتصادية وسنوات الجوع في الشعاب فالطرد من ديارهم والهجرة إلى المدينة، تلت ذلك معركة بدر الفاصلة ومعركة أحد الدموية، وبسبب الفكر السليم الصحيح الذي كان يقودها، كانت كل حركة هذه الجماعة الصغيرة تحدث في الوقت والمكان المناسبين لذلك كانت كل تلك الحركات على انفرادها تسجل صفحة من صحائف التاريخ.

الإسلام.. حياة العرب والبشرية

ومن هنا يقول أحد المفكرين الأوروبيين كان بروز ذلك الرجل بالنسبة للعرب ميلادًا وخروجًا من الظلام إلى النور، وبه فقط أحيت صحراء الجزيرة العربية، مع ذلك الرسول الشجاع نزل هدي من السماء لقوم من الرعاة كانوا عبر تاريخهم يتيهون مجهولين في الفيافي، وجاء برسالة آمنوا بها، وانظروا ما الذي حدث.. لقد عرف العالم كله هؤلاء القوم المجهولين، وما كان صغيرًا أصبح عالمي الحجم، وبعد قرن واحد فقط وصل سكان الجزيرة العربية إلى الأندلس غربًا وإلى الهند شرقًا، وتلألأت الجزيرة بضياء الشجاعة وفكر العباقرة، وأضاءت مناطق شاسعة من العالم المأهول مدة طويلة من زمن التاريخ، فدينهم دين عظيم قادر على بعث الحياة، وتاريخ شعب ما يصبح خصبًا، ويسمو بروح الإنسان بمجرد أن أصبح ذلك الشعب مؤمنًا، وأولئك العرب وذاك محمد وذاك القرن من الزمن.. ألم يكن كل ذلك مجرد شرارة؟ شرارة واحدة أنارت ذلك الشعب في صحراء الرمال القاحلة؟

وقد أكد هذا المفكر بكل وضوح أن الدخول في الإسلام كان يعني الولادة للعرب والخروج من الظلام إلى النور، والدخول في التاريخ من أوسع أبوابه، ولكن هذا هو الشطر الأول من السنة الإلهية، والشطر الثاني المسكوت عنه هو: الابتعاد عن الإسلام يعني العودة إلى الظلام والنزول من على مسرح الحياة، والتاريخ خير شاهد على أن هذه السنة لم تكن تنطبق على العرب دون سواهم، بل بالقدر نفسه هي جارية في الأتراك والفرس والبربر وكافة الشعوب الإسلامية الأخرى، وهذه السنة جارية فينا اليوم أيضًا.

وفي نهاية هذا العرض السريع علينا أن نؤكد أننا عندما نحتفل بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، نحن في حقيقة الأمر لم نحتفل بميلاد رجل عظيم، بل نحتفل بميلاد شعب واحد وشعوب كثيرة أخرى، وفي النهاية نحتفل بميلاد حضارة إسلامية عظيمة.. وفي هذا الجانب تكمن عظمة وأهمية هذا اليوم الشهير.


[*] علي عزت بيجوفيتش - رئيس جمهورية البوسنة والهرسك.

كتبت المقالة في شهر يناير 1981م، وتنشر لأول مرة باللغة العربية ونقلها إلى العربية حسين عمر سباهيتش.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

دعوة للانعتاق

نشر في العدد 329

132

الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

معطيات الهجرة النبوية