العنوان الرسام العالمي ألفونس إيتيان دينيه- زار الجزائر مستكشفاً فاعتنق الإسلام
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 54
الجمعة 10-فبراير-2012
* استقر في صحراء الجزائر وبنى فيها منزلًا من التراب وأعواد القصب
والعرعار ووظف ريشته الرسم يوميات سكان بوسعادة فأبدع لوحات دخل بها العالمية.
* تعلق قلبه بالكعبة المشرفة والمدينة المنورة ومات بعد أداء مناسك الحج.
* كتب قصة إسلامه فقال: لم يكن اعتناقي الإسلام وليد الصدفة بل عن دراية
تامة ودراسة تاريخية عميقة لجميع الديانات.
ما الذي يجعل رجًلا أبصر الحياة في باريس، وترعرع بين جنباتها وامتلأت
روحه بتعاليم المسيحية وشرب من كأس فرنسا الاستعمارية حتى ثمل، أن يخلع رداء
أجداده ويتخلى عن مسيحيته، ويرتمي في أحضان الإسلام؟ هذا الاتجاه الذي بدد ظلمات
الكفر والضلال من حياته، حتى صار كل من يقرأ عنه يتمنى أن ينزله الله منزلته وأن
يلقي في قلبه نور الإيمان الذي ألقاه في قلب الرسام العالمي ألفونس إيتيان دينيه،
الذي غير اسمه بعد اعتناقه الإسلام إلى ناصر الدين دينيه الفنان الذي تعتز الجزائر
بأنه ألقى عصا الترحال بها، وعرف طريق الحق فيها، وضم ترابها رفاته.
ولد الرسام العالمي ألفونس إيتيان دينيه عام ١٨٦١م في باريس، كان أبوه
محاميًا شهيرًا، وأمه لويز ماري بوشيه ابنة محام شهير أيضًا، تفتقت موهبة «ألفونس»
في سن صغيرة، وتبينت ملامح مستقبله وهو لا يزال في الصف الثانوي، ولذلك كان متوقعًا
أن ينتسب إلى مدرسة الفنون الجميلة بباريس وأتيح له التعلم على يد رسامين مشهورين
من أمثال طوني روبير، و«جالان»، و«بوجرو». بعد تخرجه رسم الأم كلوتيد، وهي فلاحة
ريفية مسنة تعتمر قبعة بيضاء كانت هذه اللوحة أول ما جادت به أنامله وتم عرضها في
معرض باريس سنة ١٨٨٢م. ولاقت استحسانا كبيرا، وبعدها بسنة رسم لوحة صخرة صاموا
التي حاز بها على لوحة شرفية ورحلة قصيرة إلى الجزائر، وفي عام ١٨٨٤م فاز بوسام
قصر الصناعة، واستفاد من منحة على شكل رحلة استكشافية طويلة الأمد إلى الجزائر،
ومن هنا بدأت رحلة ألفونس من الضلال إلى رحاب الإيمان.
في الجزائر في
عام ١٨٨٩م وطأت قدما ألفونس دينيه أرض الجزائر، وبالضبط مدينة بوسعادة الواقعة على
بعد ٢٤٢ كلم جنوب العاصمة، بعد أن حاز على الوسام الفضي في المعرض العالمي بباريس،
وفي هذه السنة كان قد مر ٥٩ عامًا على وقوع الجزائر تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي
الذي بدأ عام ۱۸۳۰م وعاث في
ثرواتها فسادًا وبطشًا، حينما نزل «ألفونس» في «بوسعادة» تعرف على شاب من المدينة
يدعى سليمان إبراهيم باعمر، يجيد الفرنسية، وهو ما يسر التواصل بينهما، وقرب
المسافة بينهما ووطد علاقتهما حتى صارا لا يفترقان، وأثناء ذلك مكن سليمان صديقه ألفونس
من تعلم اللغة العربية واللهجة الجزائرية وعرفه على عادات الجزائريين وتقاليدهم،
وجاب به الصحراء بطولها وعرضها حتى ملكت الصحراء الجزائرية وبوسعادة، قلبه وعقله فاستقر
بها عام ١٩٠٤م، وبنى فيها منزلًا من التراب وأعواد القصب والعرعار، ووظف ريشته
الرسم يوميات سكان بوسعادة فأبدع لوحات غاية في الجمال والروعة دخل بها العالمية
من أوسع أبوبها
اعتناقه الإسلام
أمضى ألفونس، أربعة عقود في بوسعادة، وذاب في عاداتها وتقاليدها وتعلم
من أهلها خصالاً حميدة، عرف بعدها أن هذه الخصال إنما هي مستمدة من الإسلام، فانبرى
لدراسته دراسة عميقة وكان له في صديقه سليمان، الذي كان يتحلى بأخلاق عالية وذا
طوية حسنة السند القوي في فهم كل ما استشكل عليه أو غاب عنه، وبعد أن تشربت روحه
المعاني السمحة للإسلام قرر أن يعتنقه عام ١٩١٣م، حيث نطق الشهادتين أمام مفتي
الجزائر، وقال حينها قولته الشهيرة: لم يكن اعتناقي الإسلام وليد الصدفة بل عن
دراية تامة ودراسة تاريخية عميقة طويلة الأمد الجميع الديانات، وغير ألفونس دينيه
اسمه إلى ناصر الدين دينيه.
لوحاته الإيمانية
ألقى إسلام ألفونس بظلاله على لوحاته الفنية التي تلونت بلون حياته
الجديدة التي أثارها الإسلام بنوره، ومن بين هذه اللوحات لوحة تحمل عنوان صلاة
الفجر تصور الترابط الأسري في الجزائر، حيث يقف الجد والأب والحفيد في صف واحد
رافعين أيديهم مكبرين، وقبل أن يكتب له الله زيارة البقاع المقدسة عام ١٩٢٩م وقد
شغف بها حبا قبل أن يراها، رسم لوحتين عام ١٩١٤م الأولى بعنوان الصلاة حول الكعبة
المشرفة في مكة المكرمة والثانية بعنوان منظر عام لمكة المكرمة، وهما محفوظتان في
الجمعية القومية للفنون الجميلة بباريس.
إعجابه بسيد الخلق وزيارته
قرأ ناصر الدين دينيه السيرة النبوية فأعجب أيما إعجاب بسيرة الرسول ﷺ وسجل هذا الإعجاب في كتاب ألفه برفقة صديقه سليمان إبراهيم، حمل عنوان محمد رسول الله، نشر مترجمًا عام ١٩٥٦ بعد وفاته بـ ٢٧ عامًا بلغ حب ناصر الدين للرسول ﷺ مبلغاً كبيًرا، واشتاقت نفسه لزيارة قبره غير أنه وجد نفسه في مواجهة مشكلة منع
الأوروبيين حديثي الإسلام من دخول الحرم المكي لعدم الوثوق في إسلامهم، ومع ذلك
ظلت ثقته بالله كبيرة فكتب ترى هل سيتحقق حلمنا وستتحقق معه فريضة الحج؟ هناك
أحاسيس تخالجنا لحظة الانطلاق لكن ثقتنا كبيرة بالله جل جلاله واستطاع أخيراً
تحقيق مراده والوصول إلى بيت الله الحرام بعد أن اقتنعت الحكومة السعودية بنقاء
سريرته ورغبته في زيارة قبر المصطفى الذي تفانى في حبه، وكتب «ناصر الدين» في
كتابه الحج إلى بيت الله الحرام الذي جمع فيه تفاصيل رحلته إلى مكة المكرمة: انفلق
الصبح، ما عساه يحمل لنا من جديد؟ بغتة هل علينا مطوفنا محمد جني، بوجه متهلل
حاملا إلينا بشرى لم تكن بالحسبان، لقد حملت رسائلنا توا إلى مكة، فأقنعت الحكومة
بصفاء سريرتنا، كما أن سعادة وزير الشؤون الخارجية السيد فؤاد باي حمزة، هاتف قائم
مقام جدة للترخيص لنا بالحج، وبدوره قام القائم مقام بإشعار مطوفنا وحمله مسؤولية
إبلاغنا هذا القرار السعيد وعلى الفور نهضنا لوداع نائب القنصل السيد جولت الذي
شاطرنا قلقنا، وهو الآن يقاسمنا فرحتنا كصديق حق.
كان الشوق لزيارة قبر الرسول يلهب خطوات ناصر الدين دينيه الذي انتابه
إحساس غريب لم يخالجه في حياته قط عبر عنه قائلًا: نحس بالهيبة والسكينة حين نفكر
بأن وراء هذا الشباك يرقد في قبره أشرف البرية، الذي حقق أروع نبوءة عرفها العالم،
وكم كان صعبا عليه أن يغادر المكان الطاهر الذي تعلق قلبه به فكتب بقلب ملتاع،
ابتعدنا عن مدينة الرسول ترى هل سيجود لنا الزمان بمشاهدتها مرة أخرى؟ لكننا حملنا
في أذهاننا مشهدين فائقي الروعة: مشهد «القبة الخضراء» التي تتلألأ كجوهرة سماوية
على رأس رسول الله والمشهد البديع له الشباك النحاسي عبر النقوش القرآنية الرائعة
التي نقلت سلام أرواحنا الحار إلى الرسول الكريم شعر ناصر دينيه بدنو أجله فكتب وصيته
قبل أيام قليلة من وفاته وهذا نصها:
- بخصوص جنازتي يجب أن تكون جنازتي إسلامية لأنني - منذ عدة أعوام -
آمنت بالإسلام دينا، وخصصت أعمالي وجهودي الإجلال هذا الدين أن يوارى جثماني في
مقبرة إسلامية بـ "بوسعادة البلد" الذي أنجزت فيه الجزء الكبير من
لوحاتي.
- إذا ما وافتني المنية في مكان آخر يجب نقل جثماني إلى بوسعادة
ومصاريف النقل تؤخذ من تركتي.
- إذا ما وافتني المنية بباريس، ولم يحضر أي مسلم للصلاة على
جنازتي، فيجب أن تكون الجنازة مدنية وحسب، في انتظار إقامة جنازة إسلامية لي به
بوسعادة.
- ينسخ هذا الإقرار كل الترتيبات التي اتخذتها في زمن سابق.
وفاته
قصد الحاج ناصر الدين باريس بعد عودته من البقاع المقدسة، وعكف على
تدوين رحلته للحج بتفاصيلها في كتاب، وما إن أنهاه حتى استبد به مرض خبيث أودى
بحياته في ٢٤ ديسمبر ۱۹۲۹م، ونقل جثمانه
له بوسعادة بناء على وصيته، ودفن بجوار صديقه سليمان إبراهيم، في الأول من يناير ۱۹۳۰م،
وتخليدًا لأعماله الفنية الرائعة ورحلته الإيمانية المؤثرة تم تحويل بيته المتحف
يحمل اسمه حتى اليوم .
المصدران
1.
مقالة للدكتور سيد علي إسماعيل.
2. موقع البشارة الدعوي.