; الرسالتان اللتان كتبهما الأخ أحمد مفتي زادة للحكومة قبل اعتقاله | مجلة المجتمع

العنوان الرسالتان اللتان كتبهما الأخ أحمد مفتي زادة للحكومة قبل اعتقاله

الكاتب أحمد مفتي زادة

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 639

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

• إنني مستعد أن أعمل لإيضاح الحق في القضايا بأية كيفية يريدها رؤساء السلطة.

• أهل السنة في إيران يقضون تحت ضغوط التمييزات الخاطئة والإيذاءات.

• مفتي زادة: إن ثبت أن اتهاماتكم معيبة لأعلنن بكل صراحة رجوعي عن الخطأ.

«المقدمة»

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على رسول الله محمد وآله أجمعين.

أهل شهر ربيع الأول والمسلمون في العالم يستعدون لاستقبال ذكرى أخرى من ذكريات مولد سيدنا محمد، الذي أرسل رحمة للعالمين، صلى الله عليه وسلم، شكرًا لله على هذه النعمة العظمى، وتجديًدا للمبايعة على اتباع تلك «الأسوة الحسنة»، وبهذه المناسبة يحسن بنا نحن أهل السنة في إيران أن نقدم التهاني لجميع الإخوة المسلمين، أما بعد:

فإن هذه هي المرة الثانية التي تقيم الحكومة الإيرانية حفلات فيما تسميه «أسبوع الوحدة»، وعن طريق إقامة هذه الحفلات في إيران، وإرسال المبلغين إلى البلاد الإسلامية كذلك توهم اتحاد الشيعة والسنة في إيران تعاونهم وتناصرهم، ومن ثم أردنا أن نعلمكم أيها الإخوة المسلمون في العالم بأن الحكومة تقيم هذه الحفلات وأهل السنة في إيران يقضون تحت ضغوط التمييزات الخاطئة والإيذاءات والاضطهادات على أيدي الحكومة. ولنقدم إليكم مجموعة أعددناها كوثيقة.

وفي هذه المجموعة تقفون بدءًا على المواقف الأخيرة لقائمة أهل السنة في إيران الأستاذ الأخ أحمد مفتي زادة -الذي يقضي الآن في السجن- وتلاميذه المسلمين الملتزمين تجاه الحكومة، وهذه المواقف تتضمنها رسالتان منه إلى رجال السلطة «أرسلهما قبل اعتقاله بثلاثة أسابيع تقريبًا». ثم تقفون -بقراءة رسالة مطولة من مكتب قرآن في سنندج «مكتب قرآن اسم للمنهج التربوي التعليمي الذي وضعه الأستاذ مفتي زادة للدعوة إلى سبيل ربه وإعلاء كلمته» إلى رجال الحكومة، على مجمل من مجاهدات الأستاذ مفتي زادة ومكتب قرآن و... ثم اعتقاله واعتقال تلاميذه المؤمنين، وكيفية مواجهة السلطات لهم في السجون، وكيفية رد رجال الحكومة وزبانيتهم على اعتراض أسر المعتقلين كذلك، وما في كل من تلك المواجهات من المخالفات الكثيرة للشريعة.

وتطلعون بعد ذلك على عدد من البيانات التي أصدرها مكتب قرآن بشأن هذه الحوادث، وأخيرًا على رسالة من الرسالات التي كتبها السجناء إلى المدعي العام، كل ذلك كي تكونوا على علم بما يجري لأهل السنة في إيران وبأسلوب تسير عليه الحكومة في خطوات متتابعة.

وفي الختام نسترعي انتباهكم إلى أن تلك الأقوال المدوية الجوفاء التي تقال ولا يعمل بها أصلًا تصدر من الحكومة، في حين يقضي في السجون أكثر من مائة وخمسين شابًا مؤمنًا من أشد أهل السنة في إيران التزامًا بالكتاب والسنة. وأعجب من ذلك أنه صدر الحكم على كثير منهم بالنفي والسجن في المنفى، في نفس الوقت الذي تقيم فيه الحكومة تلك الحفلات. نسأل الله تعالى أن يوفق إخوتنا المسلمين لأداء واجبهم تجاه هذا الواقع المرير، بإعلان هذه المطالب لجميع المسلمين في العالم والعمل على رد مكائد الحكومة الطاغية الباغية و...

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (الشورى: ١٣).

أيها السادة العلماء، يا مسئولي السلطة الإيرانية! لقد قلت الكثير وكتبت الكثير، لكنني قلق سائل نفسي: ألم أؤد واجبي في مجال «الدعوة إلى سبيل ربي بالحكمة والموعظة الحسنة» حق الأداء، حيث لم أدجوى؟ ومعاذ الله من أن أكون قد آلوت جهدًا في أداء هذا الواجب العظيم الرفيع.

أيًّا كان، فالقلق من مستقبل الأمة الإسلامية المصابة بالتفرق -لا في إيران فحسب بل في كل العالم- بعيد المدى جدًّا. إن ما يجري اليوم، باعث لظهور وتصاعد العداوة بين المسلمين، ورغبة وإعراض غير العارفين الحق من الباطل عن الإسلام، خاصة إذا لاحظنا أن الأعداء الشرقيين والغربيين بالمرصاد، وأن عداوتهم السرية والعلنية في غليان دائم.

إن القلق أيام حكم النظام الشاهنشاهي من أن يتيح سقوطه الفجائي ولعملاء آخرين أكثر جناية وأشد عداوة للإسلام والمسلمين، فرصته الوصول إلى السلطان، إزالة تحمس شعب إيران المؤمن الذي لم يدع الفرصة لأولئك الانتهازيين.

لكن اليوم وصانعي الثورة أنفسهم يتناثرون على الأرض كأوراق الشجر الهائجة في اصطدامهم ببعضهم البعض، وفي المعركة مع الآخرين، وآثار أقدام أولئك الانتهازيين الذين تدخلوا في كل مجالات السلطة متوسلين بالنفاق.

في الماضي كان هؤلاء الانتهازيون المنافقون يسببون بتدخلهم في أجهزة الحكم وارتكاب الفواحش نفرة الناس من نظام واحد فقط «ليصلوا هم أنفسهم عن طريق توهينه ثم إسقاطه إلى الحكم»، ولكن اليوم وقد ظهروا بمظهر قوي، وتدخلوا في الأمر، كبعض من تلك القوى لا يسببون النفرة من نظام واحد فحسب، بل من الدين رأسًا، بل من أسسه أيضًا لاحلوا صفارة الإنذار المفرغة في أن يهين القرآن علينا، ويعد الاستمساك به لغوًا وبلا فائدة، أشخاص يظهرون بذلك المظهر بل ويحملون ألقاب العلماء الدينية. ويصل بهم الأمر في مدينة «كامياران» إلى أن يداهموا جماعة زاوية تدريس القرآن داخل المسجد، ويرفسوا القرآن ويقذفوه، ويطرحوا مصليًا على الأرض بحيث لا يفيق من الإغماء إلا بعد ساعات، ويجلدوا ويجرحوا معلمي القرآن وتلاميذهم.

أيها السادة! إنني لا أخاطبكم في هذه الرسالة باعتباركم «أصحاب المناصب والسلطات»، بل باعتباركم «علماء الدين»، تسميكم بهذا الاسم يجعلكم مسئولين -حسب الاستطاعة- أمام خير وشر نظام الحكم، وأمام الإسلام وشعب إیران، بل والآخرين.

أيها السادة! يعلم الله العليم الخبير بما في الصدور أنه لم ينقص ذلك الحب الجم الذي كان لكم في قلبي في الأيام السابقة على انتصار الثورة إلا حب الله والنصح لدينه والتفقه بمبادئه، ليس به حاجة دنيوية، ولا منافسة ومداوة، ولا أي انتظار إلا أن تكونوا ملتزمين بدين الله، ومقيمين إياه بلا خطأ ولا نقص -حسب استطاعتكم- ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى: ١٥).

أليس من المؤسف أن يبغضكم -وأنتم علماء الدين- مسلم يرجو أن يكون حبه وبغضه إلا ابتغاء وجه الله، «وطبيعي أن لا يكون حبكم وبغضكم أنتم -أيضًا- إلا لذلكم».. «أوليس مؤسفًا أن أقترح أنا مرات ومرات لإزالة الخلاف ورفع الإبهام كل الطرق المختلفة -من المناظر العلنية بمرأى من الناس ومسمع إلى الابتهال- ولا يفعل من جانبكم أنتم إلا إدامة الاتهامات غير المواجهة؟».

أيها السادة! إن كلامي الموجه إليكم، المعرب عن بغضي لكم إما حق وإما باطل؛ فإن كان حقًّا أفليس شائنًا جدًّا أن توجهوا التهم وتسخطوا الله أكثر من ذي قبل، بدل أن تصلحوا عيوبكم حرصًا على السلطة الدنيوية الزائلة بعد أيام معدودات؟ وإن كان باطلًا أفلسنا جميعًا مؤمنين بالدين، فنصحح أخطاءنا وانحرافاتنا وفق موازينه المسلم بها؟ أفلا يسألنا عن تهاوننا بالوسائل الدينية والهدايات الربانية لإزالة الخلافات ومن ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن: 2- ٤) وهدانا للطريقة القويمة بقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ﴾ (الشورى: 10).

أيها السادة! كنت قد سجلت في الرسالة التي كنت قد كتبتها لصديقي القديم قبل الثورة المرحوم الدكتور «باهنر» «ثم أرسلتها مع توضيحات إلى السيد مهدوي كنى» أن التنقص السريع لصانعي الثورة يهيئ المجال لنظام حكم أمريكي أو قد يكون روسي. واليوم أيضًا أعتقد -نظرًا إلى الظروف التي قد سادت الموقف حتى اليوم- أنه بعيد أن يكون لمجموع القوى غير العملية بعد سقوط دولتكم قوة تبلغ خمسًا بالمائة مما هو لازم لسد مسدكم.

فعلى هذا أظن أن قلقي أنا من الظروف التي قد يكون معظمها حصيلة دسائس أعداء لكم ماكرين يريدون بإيجادها إسقاط الدولة والقيام مقامكم، قد يكون أكثر من قلقكم أنتم أنفسكم، وإن لم يكن أكثر فلا أشك أنه أبعد مدى وأشد خلوصًا؛ إذ لا يعلم غالبًا ذوو السلطان بالظروف المبدلة الذاهبة بهم إلى الزوال إلا مؤخرًا. «كان هكذا أبدًا وسيكون هكذا أبدًا»، ولكن الذين ليسوا مبتلين بمشقة القيادة والحكم، وليس بهم هوى إليه وميل، وإنما الشعور بالمسئولية أمام عباد الله ودينه هو الذي يعنيهم بالأمر، يكون إدراك حقائق الأمر عليهم يسيرًا.

أيها السادة! يشهد الله أني أذكركم بكل ما أراه سببًا لسير هذا النظام إلى الزوال، والله عليم خبير بأني: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ (هود: ٨٨). وهذه الأسباب تنحصر في شيئين: الأول: السعي لإدامة السلطة وإكراه أهل السنة على التشيع بغير الأساليب الإسلامية، والثاني: إجراءات وبرامج تتنافى مع «الفقه الجعفري» أيضًا.

فأما بشأن المسألة الثانية فرفع الإبهام يسير؛ لأن الفقه الجعفري مدون، ومباحثه مشروحة مبسوطة، ولا حاجة إلى بذل الجهد والتأمل الكثير.

وأما بشأن المسألة الأولى، التي هي أساس البلاء وأصل المشكلة الثانية أيضًا، فإن كانت روايات وآراء كل منا محل نظر للآخر، فنستطيع أن نطيع الأمر الرباني، ونرد أمرنا إلى كتاب الله الذي هو الميزان الوحيد في الآخرة، في المحاسبة وتبيين درجات الطاعة والعصيان، والمرجع الموثوق به الأخير في الدنيا أيضًا لإزالة الخلاف «إذ بين في كثير من الآيات أن الكتب الإلهية كانت في كل عهد للحكم فيما اختلف فيه المنتسبون إلى الدين»: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ (الجاثية: 26- 29).

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (الشورى: ١٠) وإن کنتم متأخرين ببعض روايات كتب «كالكافي في الأصول» و«البحار» ولم توافقوا أهل السنة في الاعتقاد بأن هذا القرآن هو الذي أنزله الله بعينه، فنستطيع -بصرف النظر عن الأدلة القاطعة من الكتاب ومن السنة- أن نحتكم إلى المجموعة المسماة بــ«نهج البلاغة» التي فيها عشرات، بل مئات، من الحملات المعارضة للأقوال المريبة ليندفع أي ريب يختلج، وأية وسوسة تحيك في الصدر بشأن القرآن.

فتفكروا مثلًا في هذه الجملات من قول سيدنا علي رضي الله عنه: «كفى بالكتاب حجيجًا وخصيمًا»، و«عليكم بكتاب الله؛ فإنه الحبل المتين والنور المبين، والشفاء النافع، والرأي الناقع، والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق، لا يعوج فيقام، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الرد، ولوج السمع، من قال به صدق ومن عمل به سبق»، و «واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغثوا فيه أهواءكم» و«فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين»، و «ونورًا لا تطفأ مصابيحه، وسراجًا لا يخبو توقده، وبحرًا لا يدرك قعره، ومنهاجًا لا يضل نهجه، وشعاعًا لا يظلم ضوؤه، وفرقانًا لا يخمد برهانه، وتبيانًا لا يهدم أركانه، و...».

وأما بشأن الاتهامات التي توجهونها إلي، فأقول لكم في كمال الخلاص والتواضع، وبدون أن يكون بي قصد الجدال ونية الاعتراض: إن كنتم ترون أن اتهاماتكم صادقة، وأنكم تجدون -حقًّا- في أعمالي وأقوالي، زيغًا عن طريق الدين، أو خصلة من النفاق، أو أمارة على المؤامرة واتباع أعداء الدين، أو أثرًا من آثار الشقاق والخلافات بين المسلمين، فأقيموا دليلكم مرة واحدة في حوار مباشر مواجه متزن مكشوف بدل تلك الأقوال والكتابات الكثيرة المبهمة الصادرة عن جهة واحدة، وتلك الاتهامات الكلية الفاقدة للدليل، «وإن كنتم راغبين عن أن يعلم أهل السنة بهذا الأمر، فليكن بحضرة أهل إحدى المدن الشيعية، وإن كنتم راغبين -أيضًا- عن أن يطلع على أمركم العامة من التشيع كذلك فيحضره أشخاص تثقون بهم». وإن كنتم تميلون إلى الاحتياط فاكتبوا، فورب الآخرة والأولى إن ثبت أن اتهاماتكم معيبة لأعلنن بكل صراحة رجوعي عن الخطأ. وأما إن کنتم أنفسكم ترون أن اتهاماتكم باطلة، فمؤسف أن تغفلوا عن عقاب الله وأنتم تسمون علماء الدين.

وأما بشأن عزمكم على ترويج التشيع، فأضيف كلمة قلتها مرارًا: احضروا فلناقضي القضية عن طريق الأساليب الإسلامية لتبليغ الدين، التي يجب أن تكون مكشوفة مبينة للحق، مبنية على أسس تطابق الظاهر والباطن. ورب الدين، إن ثبت أن المذهب الشيعي أحكم من مذهب السنة، لأسعين في تبليغه وترويجه بكل إمكانياتي، فإنكم إن كنتم واثقين بحقانية المذهب الشيعي، فغير لائق بكم أن تتوسلوا بوسائل لا دينية كالإكراه، والاتهام الباطل، واعتقال ونفي وتسريح الموظفين، ونهب ما في مدارس القرآن، وإغلاق أبوابها و... و... ومستفيدين من الأسلوب الفاسد الذي يتخذه أولئك الذين يعتقدون بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، والحال أن الله عز وجل يقول للمؤمنين الذين أخرجهم الكفار المجرمون من ديارهم وأموالهم، وصدوهم عن المسجد الحرام: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا (المائدة: ٢)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة: ٨)، ويقول عن الذين اتخذوا طريق الكفر وسبيل الكفار، ولكنهم لم يقاتلوا المؤمنين ولم يفعلوا ما فعل الآخرون: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: ٨).

أيها السادة، لقد اقترحت بالصراحة أي طريق مشروع ومنطقي قد علمت أنه يصلح لتمييز الحق من الباطل وإزالة الخلاف، فإن كنتم واجدين طريقًا معروفًا مقبولًا غير ما اقترحت، فأرونيه أقبله بكل رحابة صدر، لكنني أذكركم بالله، وبدين الله، وبنفس التشيع الذي تحبونه وتريدون أن تروجوه أن احذروا من التوسل بالوسائل غير المشروعة للوصول إلى الغاية. ولا يكن غائبًا عن أنظاركم أن أسلوبكم الحالي إن تكن حصيلته العاجلة خسارة للمسلمين جميعًا، ففي الأجل ينتهي بخسران التشيع نفسه؛ لأن أهل التشيع أنفسهم، سوف يتساءلون يومًا ما: لماذا يكون مسلم متبع للسنة مستعدًّا أن يناظر علماء المفتية بأي طريقة مشروعة، ويقبل أن يكون الحكم من الشيعة أنفسهم، ولكن مئات من العلماء يمتنعون عن المناظرة المباشرة المكشوفة مع مسلم واحد متبع للسنة».

أرجو أن أكون قد قلت ما كنت أريد أن أقوله بصراحة وصفاء وإخلاص نصحًا لدين الله وللمسلمين، فأطمئن أنا إن أديت واجبي، وتتخذون أنتم بنفس ذلك الإخلاص والصفاء القرارات التي يكون فيها خير المسلمين وصلاحهم وسير الدين إلى الأمام.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء: ١٣٥).

﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (غافر: ٤٤). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

کرمافتان- أحمد مفتي زادة

13/ 10/ 1403هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قائد الثورة الإمام الخميني

تتمة وتابع للرسالات التي بعثتها إليكم في الثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والثامن والعشرين من شهر شوال الماضي، وإظهارًا للفرح بما تضمنه بيانكم الأخير من الإيجابية في مسائل کردستان -على أن كونه مفيدًا أو غير مفيد، متفرع عن نوعية النية التنفيذية- ورجاء كذلك أن يكون تنفيذ مضمون بيانكم في اتجاهه إيجابيًّا وسببًا لشفاء الشعب الكردي المنكوب من بعض الأمة، وإحياء للأخوة بين الإخوة المسلمين، أرى من واجبي الديني التذكير بما يلي:

1- أن مجموعة المسئولين الحكوميين الحاليين في كردستان لا تملك -نظرًا للغاية التي بعثها على حمل المسئولية- استطاعة تنفيذ البيان في اتجاهه الإيجابي «يشهد على هذا ما صار إليه البيان الصادر في فصل الخريف قبل الماضي»، فإن الاضطرابات التي تمثل جانبًا منها الأحداث الأخيرة، إنما نشأت من الطريقة التي تسير عليها هذه المجموعة، أو من النيات التي تلتزم المجموعة بالسير خلفها، وهذه النيات آخذة في اتجاه مضاد لخير الشعب ومصلحته تمامًا. فإن يكن مقررًا أن يتخذ بشأن البيان إجراء إسلامي جاد، يجب -للوصول إلى ذلك- وضع حد لهذه المشكلة، ولعل بعث مجموعة من الأشخاص المؤمنين الناصحين للشعب والثورة يكون نافعًا في هذا المجال.

2- إن الظلم والتمييز الخاطئ اللذين يحملان على أهل السنة لا يختصان بكردستان، بل يعمان المناطق السنية بأسرها. يدل على هذا الواقع المرير إقرار المجلة الرسمية الناطقة باسم «جهاد سازندكي» المؤسسة السياسية الاجتماعية الوحيدة للسلطة بالمهمة المنوطة بهذه المؤسسة بشأن مشروع صرف متبعي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مذهبهم «حيث نشرت خبرًا عن نجاحها في صرف تسعة أشخاص عن مذهبهم إلى التشيع- المترجم». وكذلك اعتقال عدد من المسلمين الملتزمين في بلوجستان وغيرها؛ لأنهم لا يستسلمون لإرادة السلطات المحاربة للسنة. وحدث هذا في نفس الحين الذي اعتقل فيه عشرات من منتسبي «مكتب قرآن» في كثير من مدن وقصبات کردستان بنفس السبب.

3- لما علمت بعد انتصار الثورة بشهور أن السلطة ليس لديها استعداد لتأسيس «مجلس الشورى الإسلامية الأعلى» مؤلفًا من جميع العلماء المسلمين في العالم، وجعل إيران نقطة ارتكاز العالم الإسلامي، ودفع الثورة إلى الأمام لتعم جميع البلاد، حصرت كل مساعي زمانًا طويلًا في أن يكون الدستور في بعض المسائل الأساسية على الأقل مطابقًا للشريعة الإسلامية، وغير موقع الشقاق بين الأخوين السني والشيعي. ولما لم يقبلوا هذا الاقتراح الصغير أيضًا، وفوق ذلك ظهر سوء نيات بعض السادة في حق أهل السنة، من بيانات بعض الممثلين في مجلس الخبراء (منها تصريح السيد خامنة أي بأنه لا يمكن أن يصادق على قانون يتضمن الاعتراف بتساوي الحقوق بين السني والشيعي، أعلنت -امتثالًا لأمر الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ... لشعب إيران: أن الدستور لا يطابق الشريعة الإسلامية، وذكرت السادة في أطروحة إصلاحية أعددتها بأنه يجب أن يكونوا معنيين في أصول وفصول القانون المختلفة بالمطابقة إيجابًا وسلبًا مع الموازين الشرعية لا الدستور، وكتبت فيها أدلة الاقتراح أيضًا. وإن معظم الاتهامات والافتراءات والعداوة والحقد من أكثر رؤساء النظام إنما لأني قلت قول الحق عن الدستور، في حين أنكم أكدتم على هذا الأمر بأسلوب أشد في هذه الأيام الأخيرة، حتى أنكم رأيتم الذين يستندون إلى الدستور بدل الاستمساك بالشريعة مستحقين للازدراء والمعاقبة الشديدة. وإنه لمثير للعجب أن يكون إعلان الحق في قضية مبررًا لنسبة الكفر والنفاق وتوجيه أنواع الافتراء إلي وإلى آلاف المسلمين من متبعي السنة، ولكن ذلك الحق نفسه يعلن بتعبير أشد من جانبكم، دون أن يعترض السادة المدافعون عن الدستور بكلمة واحدة!

وكان السعي لتأسيس «مجلس الشورى المركزي للسنة» أيضًا، مسببًا عن الوقوف على تلك النية، التي نشأ عنها ذلك الدستور المثير للشقاق، كما كانت بعد ذلك منشأ لأحداث ظهرت في مجالات مختلفة. ويعلم الله العليم الخبير الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (طه: ٧) أنه لم يكن لي من غاية من تأسيس «الشورى المركزية للسنة» إلا ما قد أعلنته مرارًا كتابة ومقالًا، وهو على الأقل أن يرفع الظلم والتمييز الخاطئ والأذى عن أهل السنة، وعلى الأكثر أن يقع ما كنت أرجوه من الثورة أيامها الأولى. أعني تأسيس مجلس الشورى الإسلامية الأعلى، الذي يستطيع أن يكون سببًا لحل معضلة الخلافات المذهبية وإزالة وإحياء وحدة الأمة. ويعلم أيضًا: ما افتروه من التهم وما أقوه من قلوب الآخرين كذلك من الوساوس و«هو سريع الحساب»، وأحكم الحاكمين، و﴿كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (الإسراء: ٩٦). وأرجو أن يأتي الله بيوم تصرحون فيه أنتم أيضًا بالحق في هذه القضية كذلك، التي هي السبب الثاني لعداوة وافتراءات السادة بوضوح تام، كما صرحتم بالحق في القضية الأولى بأشد أسلوب.

4- أن لا يكون إصلاح الدستور، وجعله مطابقًا للشريعة الإسلامية اليوم في النية، فمروا على الأقل المجموعة المقترح بعثها في البند الأول من هذه الرسالة أن تحقق حول الإجرامات والجنايات التي ارتكبها رجال السلطة في حق أهل السنة «وقد أشرنا في الرسالات المتعددة قبل اليوم إلى نماذج منها» تحقيقًا عامًّا لكل المناطق علنيًّا صريحًا، كما هو الشأن في نظام الحكم الإسلامي، ولا ريب أن توقع إقامة النظام الإسلامي بكل جوانبها المختلفة من هذه السلطة عن قريب، مع ما هي مبتلاة به من المعاجز والمعضلات والاضطرابات المختلفة، وغفلة عن الواقع. ولكن لا مانع من التوقع، أولًا: أن يكون دستور سائر القوانين في البلاد مطابقة للشريعة الإسلامية في احترام أصل «إلزام بما هو التزام» وغير مفرقة بين الإخوة، وثانيًا: أن لا يرتكب الظلم والجناية في حق أهل السنة في العمل، ويحقق حول القضية إن أرتكب وبلغ صوت الاعتراض سمع أصحاب السلطان، لا أن يريدوا أن يكرهوا المعترض على الصمت عن طريق الافتراء والبهتان والاعتقال والنفي والتسريح من الدوائر والنهب، وسائر الأساليب الجائرة.

وفي الختام، أعلن القضية التي أعلنتها مرارًا بعبارات مختلفة، أعلنها هذه المرة أيضًا بهذه العبارة:

إنني مستعد أن أعمل لإيضاح الحق في القضايا، بأية كيفية يريدها رؤساء السلطة، من المناظر العلنية بمنأى من الناس ومسمع، إلى المحاورة بحضرة أشخاص موثوق بهم من أولئك الرؤساء، وإلى كتابة المسائل، وإلى الابتهال. وأعلن مرة أخرى: أنني لا أجد ذنبًا يكون سببًا لعداوة السادة معي ومع سائر المسلمين غير المستسلمين لهم من أهل السنة، إلا القضيتين اللتين أشير إليهما قبل «١- الاعتقاد بعدم مطابقة الدستور للموازين الإسلامية، الذي صرحتم به أنتم أيضًا بآخره.

٢- الاعتراض على إجراءات رجال السلطة الجائرة في حق متبعي السنة». وإن كان لنا ذنب آخر غير هذين فإننا نشكر السادة كثيرًا أن يعلنوه بوضوح ومع الدليل، لنشاركهم نحن أيضًا في إعلان الحق للجميع. وإلا فليخافوا من المصير الذي صار إليه سائر الظالمين في هذه الحياة الدنيا، ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (الدخان: ٢٩) ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (فصلت: ١٦).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

طهران- أحمد مفتي زادة

5/ 11/ 1403هـ

الرابط المختصر :