العنوان الرحلة إلى اليَوم الأسود: من أين بدأت؟: وكيف نتصدى لها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979
مشاهدات 85
نشر في العدد 440
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 10-أبريل-1979
- المعاهدة ليست نهاية الحقد الصليبي- اليهودي
- المعاهدة أحقر صفقة خاسرة في التاريخ
- من المستفيد من السلام المزيف؟
- كيف استقبل المسلمون المعاهدة؟
- كيف استقبل اليهود المعاهدة؟
- كيف نتصدى لهذه المعاهدة السوداء؟
في الساعة العاشرة ليلًا بتوقيت الكويت من يوم الإثنين ٢٧- ٤- ١٣٩٩هـ الموافق ٢٦- ٣- ۱۹۷۹م، كانت نهاية فصل مهم من المسرحية، التي تفانى كارتر في إخراجها والإعداد لها بكل ما أوتي من قوة ومهارة، وقدرة على جميع المستويات.
وإننا عندما نسمي هذا فصلًا من مسرحية، فإننا نعني أن هذه المسرحية لم تنته بعد، وإنما هناك فصول أخرى ربما نشهدها نحن، وربما يشهدها أبناؤنا من بعدنا، وذلك لأن الحقد الصليبي اليهودي لم يصل إلى مبتغاه بعد؛ فإن أهدافه بعيدة بعيدة، تتمثل في القضاء على كل مسلم، وعلى كل مظهر من مظاهر الإسلام بصورة كلية قاطعة باترة.
كانت نهاية هذا الفصل المسرحي عملية بيع وشراء بكل ما تحمل الكلمة من معنى ووضوح، البائع هو السادات، والمشتري هو كارتر وبيجن معًا، والبضاعة المباعة كثيرة خطيرة نعدد بعضها فقط، وهي العقيدة والكرامة، وكل القيم العليا، والفكر الإسلامي النظيف، والأرض الإسلامية التي تشمل فلسطين، وغيرها، وما عليها من بشر وشجر و... و...
لقد كنا نسمع بمثل تلك الصفقات الرهيبة، ونقرأ في كتب التاريخ إبان عصر العبيد والإقطاع، ولقد عشنا حتى رأينا ذلك عيانًا وحقيقة، بل إن هذا أدهى وأمر، وذلك لأن السادات لا يملك ما باع أبدًا، وأن المشتري لم يدفع الثمن، وذلك لأن هذه البضاعة المباعة -إذا جاز هذا التعبير- لا يمكن أن تقوم بمال أو ذهب أو غير ذلك.
ولقد أطلق المخرج المسرحي الأمريكي على عملية البيع الحقيرة هذه اسم السلام؛ ليموه ويخدع العالم كله، وأطلق على صانعيها اسم أبطال السلام، ولكن الحقيقة أنها عملية استسلام حقير وضيع قام بها أذلة وأبالسة.
وحتى تتضح الصورة، وحتى لا نظلم أحدًا نتساءل: من المستفيد من هذا السلام المزيف أو الاستسلام؟
إننا حتى نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال، يجب أن ننظر إلى حالة الناس في بلدي المعاهدة حين توقيعها، على الأقل حالة المسلمين في مصر وفي فلسطين المحتلة وفي غيرهما من بلاد المسلمين، ثم حالة أعداء المسلمين من يهود وصليبيين في فلسطين المحتلة وفي غيرها، إذ إن حالتهم تنبئ عن المستفيد من هذا المسمى بالسلام.
- ماذا في مصر؟
في مصر الإجراءات الأمنية على أشدها، العساكر والبنادق في كل مكان، والمخابرات بين الناس يلتقطون أخبارهم ويحصون أنفاسهم، وحواجز أمنية تدقق في أوراق كل من يدخل القاهرة أو الإسكندرية أو غيرهما، وتتفحص الوجوه والأشخاص، وموعد سفر السادات في رحلته المشئومة للتوقيع على المعاهدة كان سرًّا مكتومًا، ومفاجأة لم يعلم بها أحد، ومظاهرات في الجامعات والشوارع، وصحف حائطية في كل الجامعات المصرية تدين هذه المعاهدة وهذا السلام المزعوم، وترد بذلك على الصحف الرسمية أبواق السلطة التي فاحت رائحة الكذب والنفاق منها، ثم إغلاق جامعة الإسكندرية، والإرهاب الشديد على الطلاب والعمال وباقي فئات الشعب، ونواب في مجلس الشعب عارضوا المعاهدة معارضة تامة وجملة وتفصيلًا، إلا أن الحكومة وأبواقها عتمت على معارضتهم هذه تعتيمًا شديدًا، وادعت أن جميع أعضاء مجلس الشعب مؤيدون الأمر الذي جعلهم بعدما طرد بعضهم من مجلس الشعب طردًا قذرًا أن يقيموا دعوى قضائية على رئيس تحرير الأهرام «الجمال».
- ماذا في فلسطين المحتلة؟
إن المسلمين في فلسطين المحتلة في حداد وحزن وألم؛ فالبنادق اليهودية متجهة إليهم والأصابع على الزناد، ورجال الأمن اليهود -بكل ما في اللؤم والخوف والحذر من معنى- يشكون في كل كيس مرمي على قارعة الطريق، وفي كل سيارة واقفة جانب الرصيف، إنهم يشكون في كل شيء، حتى في وقع أقدامهم وحفيف ثيابهم؛ فقد يكون هناك قنبلة تنفجر بين حين وآخر، المسلمون في الأرض المحتلة يتأججون غضبًا ونارًا، اعتصموا في المسجد الأقصى وفي جبل المكبر متسلحين بالعصي والحجارة؛ ليمنعوا اليهود من تدنيس مسرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الرغم من التهديدات "الإسرائيلية" بطردهم من أراضيهم وتحويلهم إلى لاجئين في الخيام.
- ماذا عن المسلمين في المشارق والمغارب؟
والمسلمون في جميع العالم في مشارق الأرض ومغاربها يقطرون غضبًا، ويبكون دمًا، قد أعلنوا عن غضبهم بالإضراب، والمظاهرات، والاحتجاجات، والمؤتمرات، والتصميم الأكيد على الجهاد في سبيل الله -تعالى-، حتى أن أصواتهم قد عكرت على السادات وبيجن وكارتر صفو لحظة توقيع معاهدة الاستسلام في واشنطن، الأمر الذي جعل السادات يحذف من خطابه في تلك المناسبة ما يتعلق بالفلسطينيين.
وكيف لا يكون المسلمون كذلك، وفلسطين مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد صارت أرضًا يهودية باعتراف ما يسمى بأكبر دولة عربية، وأن رئيس هذه الدولة أيضًا قد أكد ما ادعاه بيجن من أن القدس يجب أن تبقى موحدة إلى الأبد.
هذا هو ما يسمى بالسلام الذليل الحقير الماكر في مصر وفي بلاد المسلمين.
- وماذا عن اليهود؟
وأما اليهود، فإنهم الآن في عرس وهرج ومرج وفرح لا حد له، ولم يعرفوه من قبل أبدًا.
ولقد اعتبر بيجن هذا اليوم أحد أفضل ثلاثة أيام في حياته المجرمة كلها.
اليهود في كل مكان، وفي فلسطين المحتلة في عيد سعيد أضاءت الأسهم النارية سماءهم، وعزفت الفرق الموسيقية ألحانها ليرقصوا، ونقل التلفزيون مباشرة على الهواء من واشنطن توقيع كل من السادات وبيجن وكارتر للمعاهدة الاستسلامية، وتجمع مئات الألوف من اليهود أمام شاشات تلفزيونية ضخمة في ساحات المدن الرئيسية؛ ليروا التوقيع لينتشوا بالنصر الحقيقي الذي حققه لهم السادات.
- هل هذا سلام أو استسلام؟
كان ذلك حال المسلمين، وكان هذا حال اليهود، فهل نسمي هذا سلامًا أو استسلاما؟ إنه استسلام حاکم فرد مستبد ذليل، يعشق التبعية للقوة، ويقف صاغرًا أمامها كل الصغار منذ يفاعة أظفاره، لا يعرف شيئًا ما اسمه.. النبوغ أو الكبرياء أو الشجاعة، كل ما يعرفه هو أنه يعرف تمامًا متى يسكت، ومتى يختفي، ومتى يمكنه العودة ثانية، الأمر الذي أبقاه في ظل السياسة الناصرية إلى آخر أيامها الصفراء، إنها صفات ثعابين ماكرة.
- متى بدأ هذا الاستسلام الرخيص؟
إن هذا الاستسلام لم يبدأ عندما وقع السادات معاهدته، ولم يبدأ عندما ذهب السادات إلى الكنيسة ليلقي خطابه، ولم يبدأ عندما استلم السادات حكم مصر!!
إنه بدأ قبل ذلك بكثير كثير.. إنه بدأ يوم أن سقطت خلافة المسلمين في إستانبول على يد يهود الدونمة.
إنه بدأ يوم أن نبذنا الدين الإسلامي وراء ظهورنا، واستعضنا عنه قومية استوردناه من الغرب الصليبي، واشتراكية، وشيوعية، ورأسمالية، ورجعية، وتقدمية، وآلاف الأسماء الغريبة التي لم تزدنا إلا فرقة وانقسامًا.
إنه بدأ يوم دخلت الجيوش العربية عام ١٩٤٨م معلنة تحرير فلسطين، ولكنها في الحقيقة دخلت لتكبح جماح المسلمين المجاهدين ضد اليهود، حتى هددوهم تهديدًا حقيقيًّا، ففشلت مخططاتهم الصهيونية في الاستيلاء على فلسطين إلا أن الجيوش العربية احتوت هؤلاء المجاهدين، وأخذت راية الجهاد منهم، وضمتهم تحت لوائها، ثم سلمت أكثر فلسطين تسليمًا ذليلًا مباشرًا، أو بعد حرب مسرحية بأسلحة فاسدة.
إن هذا الاستسلام بدأ يوم انفصل المسلمون عن دينهم كمحرك أول وأخير لهم، وحركتهم الشهوات شهوة الفرج والنساء، وشهوة البطن والفراخ، وغير ذلك من الشهوات البهيمية.
إنه بدأ يوم امتد العدو الصهيوني بعد حرب عام ١٩٥٦م وحرب ١٩٦٧م وحرب ۱۹۷۳م.
إنه بدأ يوم أن بدأت الضغوط الرهيبة العقائدية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والنفسية، على المسلمين بعامة، وعلى مصر بخاصة، وقضى على حركة الإخوان المسلمين ورجالاتها في مصر على يد عبد الناصر، بعد أن أثبتت أنها الخطر الحقيقي أمام أعداء هذه الأمة.
كل هذا الإعداد الدقيق من أجل هذا اليوم، يوم الاستسلام، يوم البيع.
ولكن وبعد هذا كله إن شعب مصر لم يوقع على المعاهدة، وإنما وقعها السادات باسمه شخصيًّا، إنه شعب مسلم مؤمن، وسوف يظل مجاهدًا إلى أن ينصره الله -تعالى- على فرعونه الجديد، كما نصره على فراعينه القدماء.
- والآن ما العمل؟
والآن ما العمل أمام هذا الاستسلام؟
هل نسكت ونصبر؟ هل نتظاهر ونحطم؟ هل نطالب بمؤتمر جنيف تحت مظلة الأمم المتحدة وقراراتها؟ هل نقبل بإعطاء "إسرائيل" شبرًا واحدًا من فلسطين المسلمة، وحتى لو أعادت أعادت لنا القدس والأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧؟ وأي فرق بين أرض إسلامية احتلت قبل هذا التاريخ أو بعده؟ وإن كل من يفرق ثم يفرط بحبة رمل واحدة من فلسطين، فإنه لا يختلف كثيرًا عن السادات.
إننا يجب أن نؤمن إيمانًا مطلقًا عميقًا قويًّا بأن فلسطين كلها إسلامية إسلامية لا يجوز التفريط بأي شيء منها أبدًا مهما كانت الظروف والأوضاع.
وأن نؤمن أن تحرير فلسطين في عنق كل مسلم مهما كان مكانه ومركزه.
ويجب أن لا نقف عند هذا الإيمان الراسخ، وهذه الحقيقة التي لا تقبل الجدل مطلقًا، وإنما يجب أن نتبع ذلك بإعداد إیماني عقائدي فكري نفسي، فلا بد لكل عمل مهما كان من إعداد، حتى أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- حتى أعده الله -تعالى- في غار حراء ما لا يقل عن خمس وعشرين عامًا قبل بعثته، ولم يقف إعداده بعد البعثة، فما بالنا نحن نريد أن ندخل مرحلة العمل دون إعداد، ولعل هذا من أهم أسباب فشلنا كأفراد وجماعات.
وبعد هذا الإعداد المعنوي يأتي دور الإعداد المادي، وهو أبسط بكثير من الإعداد المعنوي السابق الذكر.
عند ذلك نستطيع أن نحرر فلسطين كلها، وأن نعيدها إسلامية كما كانت.
«كريستوفر رن» المحرر في «نيويورك تايمز» استطاع أن يخرج بنتيجة رهيبة، بعد أن زار القاهرة أخيرًا، وتجول بين الناس واختلط بهم، وهذه النتيجة هي أن المواطن المصري ينتظر أن تتحقق له على الفور الأمور الآتية:
- الحصول على الفراخ.
- حل أزمة الشقق.
- الرخاء المادي.
وأمريكا هي التي ستحل ذلك ثمنًا للاستسلام المصري.
نعم، عند ذلك لا يهتم الشعب المسلم بهذه الأمور التافهة جدًّا إذا ما قورنت بالإيمان، والكرامة، والشرف، وغير ذلك من المثل العليا.
وعند ذلك أخيرًا يدرك كارتر خطأ اعتقاده أن التهديدات الإسلامية العربية، وموجة العنف ضد الاستسلام، وغيره من المؤامرات الصليبية واليهودية، ليست موجة عابرة مرحلية مؤقتة، وزوبعة في فنجان سرعان ما تنتهي، كما قال ذلك في مقابلة له مع صحيفة «نيويورك تايمز» عشية توقيع اتفاقية السلام.
عندها سيدرك كارتر أن رد الفعل الإسلامي ضد المؤامرات هو حقيقة مخيفة، تعني ما تقول بكل ما يحمله من معنى، حقيقة مخيفة لا تبقى ولا تذر، حتى تسترجع الحقوق الإسلامية وترد الصاع صاعين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل