الاثنين 17-ديسمبر-1973
للأستاذ: عبد الحليم عويس
الرحلة الفاصلة بين الهدى والضلال
مع خلع الثياب المخيطة.. تخلع أثواب الرذيلة
إنها رحلة فاضلة
﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ (سورة البقرة: الآية 197).
● أن الضلال العقلي، والجدليات العقيمة، ومرحلة التذبذب بين اليقين والشـك.. إن هذه كلها يجب أن تنتهي عند مكان الإحرام.. (الميقات).
فمع خلع الثوب المقيد بالخيوط.. يجب أن تخلع أثواب الرذيلة الفكرية والنفسية والجسدية المقيدة بخيوط الأرض.. من أوزار الشك، وفلسفات الهدم والحيوانية، ومذاهب الإنسان العابث القاصر المحدود. هنا.. في هذا المكان يجب أن يوضع الحجر الأساس في ركن العقيدة الاخــير..
ويجب أن يتحدد الاتجاه الجديد لمسيرة الإنسان.. لقد كانت الحياة موزعة بين الأرض والسماء، بين الارتفاع والهبوط ، بين الشك واليقين. لكن هنا.. ومن هنا، ويجب أن يكون ذلك وإلى الأبد، لا مكان إلا للسماء، ولا مجال إلا للارتفاع، ولا طريق إلا طريق اليقين.
● أن لا رفث، ولا فسوق ولا جدال.. بدءًا من هنا... من الميقات، فالطريق القديم الحافل بالرفث والفسوق والجدال يجب أن يتوقف، وإلا فإن رحلة التيه والجـدل والتذبذب والغربة عن الحقيقة لازالت مستمرة.. ومسيطرة.
● ليس الميقات.. المكان الفاصل بين الرحلة الطويلة الحافلة بمظاهر الضياع وحسب.. بل هو أيضا «الزمان» المحدد للفاصل بين الرحلتين، رحلة الغربة والتيه، ورحلة الحقيقة واليقين.. إنه الفاصل بين مرحلة ﴿وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ الْحَجِّ﴾ (سورة البقرة: الآية 198) .
ومرحلة ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ( سورة البقرة: الآية 198)
● المجد منذ الآن.. ومن هذا المكان.. لله وحده
وعلى الشيطان «الجمرات الثلاث».. والخذلان!!
● المجد لله في النفس وفي الضمير وفي القلب وفي الجسد. التجرد الكامل له وحده.. له دون المال، وله دون الأهل والولد، وله دون الغرائز والأرضيات!
● المجد لله.. إلى الوقوف بأعلى مكان.. وبعد الوقوف بأعلى مكان.. وبدءًا من هنا وانتهاء بانتهاء رحلة الحياة!!
● المجد لله منذ الآن فوق كل شيء وبعد كل شيء.. والطريق منذ الآن هو طريق الله.. وسحقًا لحياة الرفث والفسوق والجدال.. أجل.. سحقًا لحياة الفحش في القول والعمل.. وسحقًا لحياة الهبوط، والسقوط والفسق والفجور.. وسحقًا لحياة الصراع الفكري.. والجدلي.. ومهاترات العقول العمياء. سحقًا للرفث والفسوق والجدال.. والطريق منذ الآن... ومن الميقات الزمني والمكاني هو طريق الله.. هو الخروج من كل أدران الحياة.
● «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه » صدق رسول الله « - صلى الله عليه وسلم-«.
● يا لها من رحلة فاصلة ، ويا لها من بداية جديدة، ومن ميلاد جديد للإنسان.. ولحقيقة الإنسان.. ولفطرة الإنسان !!
الشهادة بالتوحيد هي بداية الطريق إلى الحقيقة..
والصلاة والزكاة والصيام.. والحج.. هي الطريق.
والحج من بين معالم الطريق الخالد هو المعلم المتوج لكل معالم الطريق.. هو الركن الذي تشترك فيه كل أمـة التوحيد؛ لإعزاز التوحيد، ولرفع لواء التوحيد. «لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك».
وفي الحج اجتماع جديد ومتجدد إلى ما شاء الله للأمة الإسلامية من أقصى الأرض إلى أقصاها، إنه اجتماع الحقيقة، واجتماع حماة الحقيقة، وليس اجتماع المزورين والمزيفين وتجار الحروب، وأكلة لحوم البشر في المجالس الدولية الكاذبة.
● هنا أمة واحدة.. هي الأمة الوسط الشهيرة علـى الناس.
● هنا أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصاحبة الرسالة الإلهية الأخيرة إلى الناس.. كل الناس.
● هنا أمة الجهاد بالكلمة والسيف والصاروخ.
● هنا خلاصة الأمة التي بيضت- ذات يوم- صفحة التاريخ، وصنعت للإنسان الحضارة النموذجية الحقيقية بالتأسي والاقتداء.
● وفي الحج.. تجديد لمعنى هذه الأمة التائهة المفككة المتجاهلة لرسالتها.. الخائنة لأمانة الله.
● هو مطالبة متجددة لها بأداء الامانة التي وضعها الله في أعناقها .
● وهو توحيد لها- باسم الله- مادامت متفرقة، ومصره على تفرقتها.
● وهو تذكير لها بهذا التوحيد، وهو أيضًا تعليم لها بأن الطريق إلى توحيدها ليس غير طريق الله.
● طريق «لبيك اللهم لبيك» «لا شريك لك لبيك»!!
يا لها من رحلة فاصلة، ويا لها من بداية جديدة، ومن ميلاد جديد للإنسان، ولحقيقة الإنسان ولفطرة الإنسان.
إن مؤهلات الدخول في طريق «المجد لله».. واذكروه كما هداكم» معروفة.. ولا يمكن الدخول بدونها.
● وتتفق الأمة المؤمنة ممثلة في فقهائها وعلمائها على أن هذه المؤهلات هي:
ا - الإسلام.. فلا مجال هنا للتائهين عن حقيقة الحقائق.
۲ - البلوغ.. فالصغار أقل من الولوج فيه.
3- العقل.. فللمجانين أماکن أخرى غير هذا المكان.. وأيضًا لأشباههم مـن السكارى والذاهلين .
٤ ـ الحرية: وهي شرط للقدرة على الأداء، ووجوب هذا الأداء، فناقص الحرية ليس في مكان المسؤولية.. لكن إن أتيح له الدخول.. فلا ضير وإذا أصبح ذات يوم حرًا.. فلا يكفيه «حج العبيد»، ولا يغنى عنه إلا أن يحج «حج الأحرار» المسؤولين.
5- العلم بالوجوب، للذين قدر عليهم أن يكونوا بعيدين عن بلاد الإسلام، كالأفارقة والزنوج المسلمين الأمريكان الذين لم يؤد المسلمون أمانة الإسلام كاملة نحوهم، وتركوهم يخلطون بين الإسلام والكفر، فذنب هؤلاء على المسلمين... العرب.. أحفاد النبي وورثة القرآن.
6 - الاستطاعة.. في البدن والاستطاعة في الطريق، والاستطاعة في المال، والاستطاعة في كل شيء، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
7- أن تأمن المرأة على كرامتها، بوجود ثقات من النساء معها، أو وجود محرم من زوج، أو والد، أو ولد، أو غيرهم.
فمن تمكن من اجتياز هذه العقبات، وتوفرت فيه هذه المؤهلات.. جاز له.. ووجب عليه « الحج».
وفي الحج ـ كما في سائر عبادات الاسلام- يخضع العقل البشري «للعلم الكلي».. نخضع الجزء للكل.. يستسلم العاجز القاصر المحدود للقادر العليم المحيط ...
فإذا فهم حكمة أمر من الأمور، فهو حسن. وإن عجز عقله عن الفهم فعليه السمع والطاعة وعدم المناقشة، فهنا جندية إسلامية، وهنا أوامر قيادة الأرض العليا والمهيمنة أيضًا على الكون كله.
ولقد قبل عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- الحجر الأسود وقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك».
هذا هو المنهج والطريق. لا جدل، ولا منطق لأرسطو، ولا لأفلاطون، ولا لغيرهمـا .
المنطق لله وحده.. فمن شاء فليكفر، وليبعد عن طريق الحج، وليبق في زمرة الضالين ومن شاء فليؤمن وليفعل ما أمر الله به أن يفعل، وليدخل في باب «واذكروه كما هداكم».
وهذا كله من مؤهلات الرحلة إلى الله.. من شروط الحج الأساسية.
وينضاف إلى ذلك شروط أخرى، لا تبلغ مبلغ هذه الشروط وإن كانت من لوازم الطريق.
إنها ليست كمفتاح الباب، وليست كتذكرة السفر، إلا أنها كاللباس الذي لابد أن تلبسه، وكالطعام الذي لا بد أن تحمله معك، وأنت راكب القطار... أو سائر مع القافلة.. ومن هذه الأدوات اللازمة للرحلة:
● أن تتوب إلى الله توبة نصوحة صادقة.
● أن تزكى هذه التوبة وتدعمها بسلوك عملي، فتتجرد من كل حقوق البشر، بل ومن واجباتهم عليك، فتطلب العفو من الذين أسأت إليهم، وتعفو عن الذين أساءوا إليك .
● وتكتب وصيتك، وتضعها عند من تأمنه، وتوصي أهلك بما تحب أن يكونوا عليه من خوف الله ومراقبته.
● أن تتقرب إلى الله بالصلاة والصدقة، وتتجنب الذنوب صغيرها وكبيرها، وتتجنب الفحش في القول والعمل.
● أن نكثر من التلبية ذكر الله -تعالى- وقراءة القرآن.
وتلك هي أبرز المؤهلات والشروط.. مؤهلاتك وأنت واقف على عتبة الباب.. وأنت متجه بمشاعرك إلى حيث نزل القرآن، وعاش النبي الكريم- عليه السلام-، وحيث انبثقت آخر رسالات السماء.. أما الدخول نفسه.. بدءًا من الإحرام، وما يتطلبه الطريق الطويل إلى الله من أعمال وأقوال، فذلك ما يمكـن الحلقة التالية:
هيا بنا نحاول الولوج في هذه الأرض الطاهرة.. ملبين مهللين مكبرين موحدين ذاكرين الله أبدًا.. وهيا بنا نختار واحدة من أنواع النسك الثلاثة: «التمتع» وذلك بالإهلال بالعمرة في أشهر الحج إلى اليوم الثامن من ذي الحجة ثم نتحلل منها في ذلك اليوم.. أو القران: بأن نحرم بالحج والعمرة معًا أو العمرة ثم ندخل عليها الحج قبل الطواف أو الإفراد أي الإحرام بالحج وحده.. ثم بعد الفراغ منه نحرم بالعمرة.
هيا بناـ كما قلت- نختار واحدة من الطرق الثلاث المعروفة للنسك وهي التمتع والقران والإفراد.. وسوف نختار التمتع؛ لأنه أفضل هذه الأنواع وبالتالي فسنبدأ رحلة النور «بالعمرة».. وفي المرحلة الأولى سنقوم بمعرفة أركان «العمرة» الأساسية، وهي الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، وقيل الترتيب في أداء الأركان، والحلق أو التقصير «وهو رأي الشافعي».
مع العمرة
والعمرة.. كما نرى من ترتيب الأركان تبدأ بالإحرام من ميقات الإحرام المحدد، وبالنسبة للكويت، «أبيار علي»- ذو الحليفة- والإحرام.. يكون بالآتي:
۱ - التنظف، بتقليم الأظافر وإزالة الشعر، وقص الشوارب، والاغتسال، والوضوء.
٢ - التجرد من الثياب واستعمال لباس الإحرام وهو الإزار الذي يلف به النصف الأسفل والأعلى دون الرأس «البشاكير».
3 - صلاة ركعتين لسنة الإحرام.
4- نية نوع النسك الذي سيبدأ به الحج ، فإذا كان «التمتع»- كما اخترنا- فليقل: «لبيك اللهم لبيك عمرة، اللهم إني أريد الإحرام بالعمرة، متمتعًا بها إلى الحج فيسر لي ذلك وتقبله مني. فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني».. وبعد هذه النية يصبــح الحاج في حالة إحرام للعمرة، وعليه أن يتجنب محظورات الإحرام من لبس المخيط، أو الحذاء، أو شم الطيب، أو تغطية الرأس، أو إزالة الشعر، أو تقليم الأظافر، أو قتل الصيد المأكول، أو عقد الزواج، أو مباشرة الزوجة، أو الرفث، أو الفسوق، أو الجدال .
وعند الوقوع في خطأ من هذه الأخطاء فالمعتمر مخير بين الفدية بشاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.. وهذا بخلاف وقوعه في مباشرة الزوجة.. فبه يفسد الحج، ويلزم قضاؤه في السنة التالية- لا قدر الله ذلك-.
ويأتي بعد ذلك «الطواف».. والأفضل للحاج أن يدخل المسجد الحرام من باب السلام، ويقول حين دخوله: «اللهـم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبرًا، وزد من شرفه ممن حجه أو اعتمره تعظيمًا وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًا. اللهم أنت السلام.. فحينا ربنا بالسلام» وغير ذلك من الأدعية.
ثم يشرع بعد ذلك في طواف القدوم- تحية للبيت- ويجزئ عنه طواف العمرة- ثم يقوم بالطواف سبع مرات مبتدئًا من الحجر الأسود، مسرعًا في الأشواط الثلاثة الأولى، ماشيًا- مشيًا عاديًا- في الأربعة الأخيرة. وكما يبدأ بالحجر الأسود يختم طوافه بالحجر الأسود كذلك. ويفضل له جعل ردائه تحت إبطه الأيمن، وإلقاء الطرفين على الكتف الأيسر، ويقول أثناء طوافه: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت».. وإذا هو سار بين الركن اليماني والحجر الأسود قال: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، ويفضل كذلك تقبيل الحجر الأسود أو استلامه باليد أو الإشارة إليه ويمكنه عند ذلك أن يقول: «اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد- صلى الله عليه وسلم-» «وهناك أدعية كثيرة أخرى يفضل الرجوع إليها في مصادرها».. وبعد الانتهاء من السبع مرات.. يسن له صلاة ركعتين سنة الطواف خلف المقام. ثم يذهب للشرب من ماء زمزم. ولا يشترط في الطواف إلا ما يشترط في الصلاة من النية والطهارة وستر العورة كما يشترط فيه الموالاة بين الأشواط إلا للضرورة.
ويبقى الركن الأخير من أركان العمرة، وهو «السعي بين الصفا والمروة».. ويتم بالتردد بين الصفا والمروة سبعة أشواط، بعد الطواف، بحيث لا يفصل بين الأشواط فصلًا واضحًا، ولا بد فيه من النية و المشي للقادر عليه. وعند الاقتراب من الصفا يقول: ﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة:الآية158) وهو يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة. ويفضل له أن يصعد على الصفا حتى يشاهـــد الكعبة، وأن يذكر الله وهو يقوم بالسعي.. كأن يقول: «الله أكبر، ولله الحمـــد الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير إلى آخره» «أو يدعو بغير ذلك فهذه الأدعية ليست لازمة الصياغة» كما يفضل له أن يجعل السعي بعد الطواف مباشرة، وأن يكون الساعي متطهرًا، وأن يهرول وسط الأشواط. وبعد القيام بالسعي على هذا النحو.. تكون العمرة قد انتهت، وتكون المرحلة الأولى من التمتع- أي الحــج والعمرة مع البدء بالعمرة- قد انتهت، وعلى الحاج أن يتحلل من إحرامه بتقصير الشعر.
مع فريضة الحج
من مكة نفسها للمحرم «بالتمتع» البادئ بالعمرة.. من مكة نفسها- وبعد أن يتحلل من عمرته- يبدأ مرة ثانية فيحرم بالحج، ويحظر عليه في هذا الإحرام ما يحظر في الإحرام السابق.. ويعتبر اليوم الثامن من ذي الحجة البداية لرحلة الحج الخالد «وهو يوم التروية».. وبعد ذلك يسن التوجه إلى منى.. والمبيت بها قبل الذهاب إلى عرفات.
فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع من ذي الحجة «يوم عرفة» سار الحاج من منى إلى عرفة. وكل عرفة موقف إلا المكان المعروف «ببطن عرفة».. والوقوف بعرفة يكون قبل غروب الشمس اليوم المذكور، ولا يصح الحج إلا بتحقيق هذا الركن الهام.. بل إن الرسول قال: «الحج عرفة»، ولتحقيق هذا الركن على الوجه الأكمل سنن كثيرة أهمها. الوقوف راكبًا مستقبلًا القبلة أسفل جبل الرحمة عند الصخرات، والإكثار من الدعاء وقراءة القرآن، والجمع بين النهار والليل في الوقوف.
ويسن للحاج أن يكون قد أدى الظهر والعصر جمع تقديم في مسجد نمرة.. وبعد الغروب والانتهاء من الوقوف بعرفة يصلي الحاج المغرب والعشاء جمع تأخير قصرًا.
ثم يسير الحاج إلى المزدلفة ويبيت بها إلى منتصف الليل، ويفضل إلى آخره. ثم يصلي الفجر ويأتي المشعر الحرام «جبل صغير بالمزدلفة» فيصعد عليه ويذكر الله بالتهليل والتكبير والحمد تحقيقًا لقول الله تعالى ﴿فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ﴾ (سورة البقرة:الآية198)0 ثم يتوجه إلى منى.
● والتوجه إلى منى هو بداية أعمال اليوم العاشرـ كما أنه كان بداية اليوم الثامن وبداية رحلة الحج بعد انتهاء رحلة العمرة للمتمتع- والأعمال في منى هي رمي جمرة العقبة، وذلك برمي سبع حصيات متعاقبات في المرمى. ثم نحر الهدي على اسم الله، وحلق شعر الرأس أو قصه، وتقليم الأظافر- وبذلك يتم التحلل الأول- وبهذا التحلل يحل كل شيء إلا النساء.
وإذا تيسر للحاج بعد ذلك الذهاب إلى مكة ليطوف بالبيت العتيق طواف الإفاضة تحقيقًا لقول الله- تعالى-: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (سورة الحج:الآية29). طاف ثم صلى ركعتين وسعى بين الصفا والمروة، وأحل بذلك التحلل الثاني، وبه يحل له النساء.
أما إذا لم يتيسر له الذهاب إلى مكة فيبقى على إحرامه إلى أن يزور مكة ويطوف طواف الإفاضة، ثم يصلي ركعتين، ويسعى بين الصفا والمروة، سعي حج لا عمرة، ثم يتحلل كذلك...!!
● ويلاحظ أنه إذا تيسر للحاج الذهاب إلى مكة لأداء طواف الإفاضة لزم عليه العودة إلى منى والمبيت فيها، وإلا فليس له أن يخرج من منى إذا لـم يكن في استطاعته العودة من مكة إليها للمبيت بها.
● وفي اليوم الحادي عشر.. ترمى الجمرات الثلاث كل يوم إحدى وعشرين حصاة على ثلاث رميات.. وهي تسمى بالترتيب: الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى وجمرة العقبة.
● وفي اليوم الثاني تفعل كما فعلت في اليوم السابق ثم تترك منى قبل الغروب.
● فإن غربت عليك الشمس وأنت بها وجب أن تبيت بها وترمي الجمرات الثلاث- على النحو السابق- وذلك تحقيقًا لقول الله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ﴾ (سورة البقرة:الآية203).
● وبذلك تكون أعمال الحــج قد انتهت بالنسبة للمتمتع!!
إنها الرحلة إلى الله. وإنها إعلان الرفض للشيطان ولمنهج الشيطان، وإنها- كذلك- التعبير العملي عن الرغبة في طريق الله.
إنها الإعلان عن قيادة الوحي للعقل، وعن الخضوع المطلق لله.. ولدين الله.
ولو استوعب المسلمون المنافع التي تحققها هذه الرحلة ولو عاملوا الله بثقة المسلمين الأول.. بعيدًا عن مناهج الشك وعن المناهج المستوردة.. لقادتهم فريضة الحج إلى فريضة الجهاد.. وإلى فريضة الاتحاد وإلى الفرائض الكثيرة التي تفرضها رسالتهم بين الناس.. ولما استطاع اليهود المشردون المبعثرون الأذلاء.. أن يقفوا في وجه أمة متحدة العقل والقلب والضمير.
... أمة تتجه إلى قبلة واحدة، وتصلي في صف واحد، وتصوم في شهر واحد، وتصرخ كلها في موقف واحد.. ولحظة واحدة.. وبمشاعر واحدة: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك!!»
«ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
وحج مبرور بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل