; الرئيس المقبل.. اختيار مصري أم خارجي؟ | مجلة المجتمع

العنوان الرئيس المقبل.. اختيار مصري أم خارجي؟

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010

مشاهدات 55

نشر في العدد 1912

نشر في الصفحة 24

السبت 24-يوليو-2010

هل تملك الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تأثيرًا مهمًا في عملية نقل السلطة المقبلة في مصر؟ هل بإمكان أحدهما أو كليهما ترجيح كفة مرشح رئاسي معين، سواء جاء من الحزب الحاكم أو من خارجه؟

لو كان الحديث عن دولة ديمقراطية يجري الاحتكام فيها لرأي الشعب، لكان من الصعب القول بوجود مثل هذا التأثير، إلا عبر طريق غير مباشرة تؤثر على الناخبين الذين سيدلون بأصواتهم، أما في الدول التي لا تحتكم لرأي الشعب إلا بطريقة الاستفتاءات أو الانتخابات المزورة؛ فإن الأمر يتعلق باختراق النظام السياسي القائم وتوجيهه من الداخل وفق الجهة التي يريدها الخارج.

قليلة هي الأسانيد التي يمكن تقديمها في هذا المجال، فالدول التي يجري فيها التدخل لن تعترف بانتهاك سيادتها الوطنية، والدول المتدخلة حريصة على عدم إظهار نجاحاتها في هذا المجال، لكن بالإمكان اللجوء إلى بعض الشواهد والتصريحات والممارسات:

في تصريح مصري نادر عن حجم النفوذ الأمريكي والصهيوني في مصر قال د. مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري في يناير الماضي في حوار صحفي: «لا أعتقد أنه سيأتي رئيس قادم لمصر وعليه «فيتو» أمريكي ولا حتى اعتراض «إسرائيلي» للأسف»، وكان السؤالان التاليان:

يعني أن أمريكا و«إسرائيل» ستشاركان في اختيار الرئيس؟ والجواب: لن يشاركا، ولكن سيفتحان الأبواب أو يغلقانها، وأعتقد أن الترحيب بالسيد «جمال مبارك» لديهما أكثر من غيره لسبب بسيط؛ أنهما تريان أن «الذي تعرفه خير من الذي لا تعرفه».

لكنهما يعرفان عن «د. البرادعي» أيضًا؟

والجواب: لكنهما لم يجرباه في الداخل، وأيضًا البرادعي قد يأخذ بعض المواقف الحادة تجاههما..

وقد أثارت هذه التصريحات ثائرة الكثيرين خاصة أن الفقي عمل لسنوات سكرتيرًا للرئيس مبارك للمعلومات، وهو وإن ترك الرئاسة فإنه لا يزال ملتصقًا بالنظام، وتساءل الناس: أي سيادة لمصر عندما يخضع رئيسها لموافقة دول أجنبية؟ وما مدى معرفة الأمريكان والصهاينة بجمال مبارك؟ وهل جاءت هذه المعرفة لمجرد أنه ابن الرئيس الذي سيسير على خطى أبيه، أم هي معرفة شخصية مباشرة؟ وهل يشترط في الرئيس المقبل ألا يأخذ أي مواقف حادة تجاه واشنطن وتل أبيب؟

ربما كانت هناك شواهد كثيرة على الهيمنة والنفوذ الأمريكيين باعتبار الولايات المتحدة دولة كبرى لها مصالح حول العالم، وقد استغلت مساعداتها لمصر في تكوين قطاعات من المنتمين لـ«حزب أمريكا»، أما الحديث عن نفوذ «إسرائيلي» فهو مستغرب ومستهجن، لكن في عصور الانحطاط يمكن أن تحدث غرائب كثيرة.

محددات السياسة «الإسرائيلية» تجاه مصر

في 4 سبتمبر ۲۰۰۸م، ألقى «أفي ديختر» وزير الأمن الداخلي الصهيوني آنذاك، محاضرة في معهد أبحاث الأمن القومي، عن الاستراتيجية «الإسرائيلية» في المنطقة العربية، نشرتها الصحف العبرية وهي مليئة بالتفاصيل المهمة.. والمهينة، وقد علق عليها عدد من الكتاب، ويمكن الرجوع إلى نصها الموجود على الإنترنت، ونشير إلى بعض الخلاصات، وفيها يكشف «ديختر» بعض محددات السياسة «الإسرائيلية» تجاه مصر، ومنها:

تعميق وتوطيد العلاقة مع الرئيس المصري والنخبة الحاكمة للحزب الوطني والوزراء والنخب الاقتصادية والإعلامية والثقافية.

تسعى «إسرائيل» لنسج علاقة مع أقوى شخصيتين ستتوليان مقاليد السلطة في مصر بعد رحيل الرئيس الحالي، وتحرص الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إسناد حملة جمال مبارك للفوز بتأييد الرأي العام المصري.

من مصلحة «إسرائيل» الحفاظ على الوضع الراهن ومواجهة أي تطورات لا يحمد عقباها.

كيف نحول دون حدوث تغیر دراماتيكي في مصر؛ سواء بسيطرة الإخوان المسلمين على السلطة، أو حدوث انقلاب عسكري «رغم استبعاده في المدى المنظور»، أو إذا عجز خليفة مبارك في إدارة أمور مصر وحل أزماتها الداخلية البنيوية، فتظهر موجات من الفوضى والاضطرابات، مثل هذا الوضع قد يدفع البلاد للبحث عن خيار أفضل وهو إجراء انتخابات حرة.. في كل الأحوال عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات؛ لأنها ستكون كارثة بالنسبة لـ «إسرائيل» والولايات المتحدة والغرب.

انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة خط أحمر لا يمكن لأية حكومة «إسرائيلية» أن تسمح بتجاوزه، وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف وبكل الوسائل.

تقوم الولايات المتحدة و«إسرائيل» بتدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام، ومن بينها نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجرى جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس وحتى في القاهرة.

أدركت الولايات المتحدة أنه لا بد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية على غرار ما فعلته في تركيا منذ الحرب العالمية الثانية.

لا نزعم أننا حققنا الضمانات التي بمقدورها أن تصد أية احتمالات غير مرغوبة.. نحن حققنا بعض الخطوات على الأرض لكنها ليست خطوات كبيرة وواسعة.

قررنا أن نعظم ونصعد من وتيرة تواجد ونشاط أجهزتنا التي تسهر على أمن الدولة، وترصد التطورات داخل مصر الظاهرة منها والباطنة.

يدرك الأمريكان والصهاينة أن النظام الحالي يحقق لهم أفضل ما يتمنون وأن السلطة في مصر تتركز في يد شخص واحد وأنهم يستطيعون من خلاله تحقيق الكثير مهما كان حجم المعارضة الشعبية.. وهم حريصون على الحفاظ على الوضع الحالي.. وإذا كان لا بد من حدوث تغيير «قدري» فليكن القادم أقرب ما يكون إلى الوضع القائم

هل هناك تهديد حقيقي بتغير النظام في مصر؟ وماذا أعددنا لمواجهته؟.. لا يمكنني أن أتحدث عن ذلك بتوسع، لكني أستطيع أن أقول: نحن ننسق مع الولايات المتحدة، ولكن من جانب آخر نحن نستعد لمواجهة أي طارئ بما فيها العودة إلى شبه جزيرة سيناء إذا استشعرنا أن هذه التحولات خطيرة، وأنها ستحدث انقلابا في السياسة المصرية تجاه «إسرائيل»، سيناء عندما انسحبنا منها ضمنا أن تبقى رهينة؛ هذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية، من بينها السماح لـ«إسرائيل» بالعودة إلى سيناء، وكذلك وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء، وقد تعلمنا من سابقة ١٩٦٧م دروسًا لا تنسى: سيناء مجردة من السلاح ومحظور على الجيش المصري الانتشار فيها؛ هي الضمانة الوحيدة والأقوى لاحتواء أي تهديد افتراضي من مصر.

قاعدة أن «مصر خرجت ولن تعود إلى المواجهة مع إسرائيل» هي الحاكمة لمواقفنا وهو موقف يحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.

قد يقال: إن الصهاينة يلجؤون إلى التهويل لإظهار تفوقهم وإيقاع المزيد من الهزيمة النفسية بنا، وهذا صحيح، لكنه ليس كافيًا لنفي كلام «ديختر»، خاصة إذا كانت الشواهد والتصريحات تؤيده، وقد تحدث أكثر من مسؤول صهيوني عن أهمية النظام المصري الحالي لـ«إسرائيل»:

ففي يناير ۲۰۰٨م، قال رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق «أولمرت» في مقابلة مع «جيروزاليم بوست»: «عندما أفكر في ما يمكن أن تكون الأمور لو أننا نتعامل مع أشخاص غير مبارك، أصلي يوميًا من أجل سعادته وصحته».

وفي سبتمبر ۲۰۰۹م، قال «عاموس جلعاد» رئيس الطاقم السياسي والأمني بوزارة الحرب الصهيونية خلال كلمة بمركز مكافحة الإرهاب التابع لمركز «هرتسيليا»: أعتقد أنه من الأفضل الحفاظ على «الاستقرار» هناك «في مصر» بدلًا من تحويل مصر لديمقراطية غير ملائمة للشرق الأوسط من شأنها إضعاف الدول المستقرة الأخرى.. على القاهرة أن تغلق حدودها تمامًا مع غزة، وحسب علمي ومعرفتي بقادة المؤسسة الأمنية هناك؛ فإنني مقتنع أنهم يستطيعون ذلك.

وفي مايو ۲۰۱۰م، أشار وزير المالية الصهيوني «يوفال شتاينتس» إلى «التعاون الوثيق» الذي يجمع مصر و«إسرائيل» بشأن تشديد الحصار على غزة، ومنع وصول الأسلحة إليها، ونقلت الإذاعة العبرية عنه قوله: إن «العلاقات «الإسرائيلية» المصرية تحسنت بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة».

وقبل أن يغادر السفير «الإسرائيلي» السابق بالقاهرة «شالوم كوهين» أجرى «جرد حساب» رأى من خلاله أن العلاقات السياسية بين الجانبين في أعلى مستوى، مستشهدًا بأن عدد الزيارات «الإسرائيلية» عالية المستوى لمصر خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تجاوزت تلك التي تم القيام بها لبعض الدول الأوربية، أو لدول أخرى تعتبر صديقة جدًا، كما أن التعاون «الإسرائيلي» المصري في المسائل الأمنية بلغ مستوى غير مسبوق، كما صرح «عاموس جلبوع» رئيس الأبحاث السابق في الاستخبارات العسكرية بأن النظام المصري «وفر الأجواء لنا لمواصلة الحملة «على غزة» رغم سقوط المئات من الفلسطينيين، كما أنه منع التحرك لصالح الفلسطينيين خلال الحرب».

يدرك الأمريكان والصهاينة أن النظام الحالي يحقق لهم أفضل ما يتمنون،

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «إيهود أولمرت»: «عندما أفكر فيما يمكن أن تكون الأمور لو أننا نتعامل مع أشخاص غير «مبارك» أصلي يوميًا من أجل سعادته وصحته»

وربما فوق ما يتوقعون، وأن السلطة في مصر تتركز في يد شخص واحد، وأنهم يستطيعون من خلاله تحقيق الكثير مهما كان حجم المعارضة الشعبية بل ومعارضة بعض المسؤولين إن وجدت، وهم حريصون على الحفاظ على الوضع الحالي لأطول مدة ممكنة، وإذا كان لا بد من حدوث تغيير «قدري» في السلطة فليكن القادم أقرب ما يكون إلى الوضع القائم.

كما يدرك الأمريكان والصهاينة أن تعظيم صاحب السلطة والثناء على حكمته على وجه الخصوص مفتاح سحري يفتح الأبواب الموصدة، ولذلك - وعلى سبيل المثال - فحين تطاول «ليبرمان» زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» على «مبارك» قائلًا عنه: «فليذهب إلى الجحيم» لأنه لم يقم بزيارة فلسطين المحتلة، سارع الرئيس «الإسرائيلي» «شيمون بيريز» ورئيس الحكومة آنذاك «إيهود أولمرت» لتقديم الاعتذار، وشدد الأخير على أن «إسرائيل» ترى الرئيس مبارك شريًكا استراتيجيا وصديقًا قريبًا.

علمًا بأن «ليبرمان» سبق وأن تطاول على مصر وقال أمام الكنيست: «علينا ألا نستبعد تفجير سد أسوان الحيوي لمصر.. علينا ألا نسمح للجيش المصري بالوصول لصحراء سيناء، هذه خطوط حمر»، ومع ذلك لم يهتم أحد بتلك التصريحات قدر الاهتمام بتصريحاته بحق مبارك، كما أنه هدد لاحقًا بحرق سورية وقتل الرئيس السوري، واستعمال السلاح النووي ضد غزة.

الاعتماد على «إسرائيل» في الأزمات!

وقد وصلت الحال - ومنذ وقت مبكر من بداية النظام الحالي - أن أصبح النظام يعتمد على «إسرائيل» عند مواجهة الأزمات، مدركًا أن اللجوء لـ«إسرائيل» هو أقصر الطرق إلى أمريكا، ففي بداية الثمانينيات روى الرئيس المصري أمام قضاة مصر أنه اتصل هاتفيًا بشيمون بيريز ليتوسط لدى أمريكا لشحن كمية من الدقيق لمصر، وقد تمت الاستجابة للطلب على الفور، وفي المعركة الأخيرة على رئاسة منظمة اليونسكو والتي نافس فيها وزير الثقافة المصري صرح رئيس الوزراء الصهيوني «نتنياهو» بأنه لن يقف أمام المرشح المصري، ومقابل ذلك أعطت مصر امتيازات كبيرة لـ«إسرائيل»، ونقل الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عن سياسي ألماني كبير قوله: إن مصر أعطت «إسرائيل» تخفيضًا في أسعار الغاز يساوي كل المساعدات الأمريكية التي تحصل عليها من أجل ألا تعارضها في اليونسكو!

وهناك تصريحات لمبارك تظهر إعجابه بالشخصية اليهودية وإدراكه لحجم النفوذ اليهودي في العالم، فقد قال: إنه لا يمكن لأحد في العالم الاستغناء عن اليهود؛ فهم يتحكمون في النظام المصرفي العالمي.

وهاجم من دعا إلى تحرير القدس، وقال: من يريد أن يحرر القدس فليذهب وحده لتحريرها، وفي حديث مع «التلفزيون الإسرائيلي» يقول: «اليهود ناس ممتازون كلمتهم واحدة.. وكنا زمان نتعامل مع التاجر اليهودي بكلمة شفوية من غير ورق».

وقد ذكر «موشيه ساسون» أول سفير «إسرائيلي» بمصر في مذكراته أنه اشتكى للرئيس من البرامج الدينية التي تتعرض بشكل سلبي لليهود، قاطعه مبارك وقال: أنت محق، سأصدر فورًا أمرًا لوزير الإعلام بألا يمسوا أمورًا يهودية في التلفزيون والراديو، هذا الشيء الخطير جدًا سيتوقف، أما السفير «شالوم كوهين»، فقد خصه مبارك بلفتة نادرة؛ إذ قرر توديعه بطريقة شخصية وقال له: «إننا في مصر نحبك»!

الرابط المختصر :