; الرؤى والأحلام في القرآن | مجلة المجتمع

العنوان الرؤى والأحلام في القرآن

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 268

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

الرؤى والأحلام في القرآن

بقلم: أحمَد لطفي عبد اللطيف

 

للروح عالم استأثر الله بعلمه، وكل الذي نعلمه أن هذه الروح تغادر الجسد في حالتين، حالة مؤقتة هي حالة النوم، وحالة نهائية هي حالة الموت حيث لا تعود هذه الروح إلى الجسد في حالتين، حالة مؤقتة هي الدنيا، والآخرة هو عالم البرزخ.

وللروح سبحات عندما تغادر الجسد في حالة النوم يدرك بعضًا منها النائم حين يستيقظ، فيتذكر أنه عمل أشياء وزار بلادًا ربما عرفها من قبل وربما لم يعرفها، ورأى أشخاصًا ربما عرفهم وربما لم يعرفهم.. هذه المشاهدات هي ما يسميه الناس الرؤى والأحلام.

فما معنى أن يرى النائم أنه يقوم بعمل ربما كان راغبًا فيه وربما لم يكن؟

وما معنى أن يزور الإنسان بلادًا وأماكن ربما كان مسرورًا بزيارتها وربما لم يكن؟

وما معنى أن يرى الإنسان أشخاصًا ويحادثهم فيسر بتلك الأحاديث حينًا ويساء حينًا؟

ما معنى كل هذا؟ وهل له صلة بواقع الإنسان؟ أعني بحياته التي يحياها وأعماله التي يقوم بها والأشخاص الذين يتعامل معهم؟

وهل يستطيع الإنسان، والعلماء بخاصة، أن يفسروا لنا هذه الظاهرة؟

وهل نستطيع على هدي من القرآن الكريم، وهو منار الهداية لنا في كل شيء، أن نعرف شيئًا عن هذه الظاهرة؟ أما المشتغلون في تفسير الأحلام، ومعظمهم من علماء النفس، فقد حاولوا أن يجدوا تفسيرًا لهذه الظاهرة، فذهبوا إلى أن مرد هذه الرؤى يعود إلى أسباب نفسية أثرت على الشخص في حياته اليومية فصاغها في منامه رؤى وأحلامًا، وذهب قسم من هؤلاء العلماء إلى أن مردها إلى عوامل ومؤثرات عضوية انتابت الإنسان فترجمت في أثناء نومه إلى هواجس وأحلام.

ولعل ابن سيرين، وهو أشهر مفسري الأحلام المسلمين، أول من أرجع هذه الرؤى إلى عامل نفسي يؤثر على الشخص فيتمثل له في منامه بصورة أو بأخرى، ومن الأمثلة التي رد فيها الرؤيا إلى العامل النفسي رؤيا المؤذن، فقد جاءه رجل في شهر رمضان وقال له: إنني أرى كل ليلة أنني أختم على أفواه الناس وعلى فروجهم، وطلب منه تفسيرًا لما يرى، فقال له ابن سيرين: إنك مؤذن تؤذن الفجر قبل موعده!

لقد أرجع ابن سيرين كما رأينا سبب هذه الرؤيا إلى العامل النفسي والشعوري في تقريع الضمير وشعور الرجل الداخلي بأنه يظلم الناس بتبكيره في الأذان.

هذا ما ذهب إليه من تصدّوا لتفسير الأحلام والرؤى، فما الذي نجده في القرآن الكريم عن هذه الظاهرة؟

نلاحظ أن القرآن الكريم فرق في استعمال اللفظتين، الرؤيا والحلم، فاستعمل الرؤيا لما كان صادقًا واستعمل الحلم لما لم يكن كذلك، وبعبارة أخرى استعمل كلمة الرؤيا لما يمكن تفسيره واستعمل الحلم لما لا تفسير له ولا فائدة وراءه.

 

ورأی كل منهما رؤيا، وعرضا رؤاهما على يوسف لما وجدا فيه من الصلاح والتقوى، ولما توسما فيه من إمكانية التأويل ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. (يوسف: 36).

ويستغل يوسف النبي الداعية هذه الفرصة، وقبل أن يفسر لهما رؤاهما يعرض عليهما دعوته، دعوة التوحيد دعوة جميع الأنبياء، فأعطى- عليه السلام- الدعاة درسًا في اهتبال الفرص لبث الدعوة ونشرها، ثم فسر لهما الرؤيين: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. (يوسف: 41).

وتحققت الرؤيا كما فسرها عليه السلام، وسوف نرى الذي نجا منهما وأصبح مقربًا لدى عزيز مصر يذكر هذه الحادثة ويذكر يوسف عليه السلام عندما تعرض قضية تأويل رؤيا العزيز..

ورؤيا عزیز مصر، لقد رأى عزیز مصر رؤيا عرضها على حاشيته من العلماء ليفسرها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. (يوسف: 43).

وينفي الملأ من حول الملك أن يكون ما رآه الملك رؤيا، وأكدوا أنها «أضغاث أحلام» لا تفسير لها وهنا تذكر الساقي يوسف- عليه السلام- ودل عليه.. وأوّلها يوسف، وصدقت الرؤيا، وقام عليه السلام بإنقاذ مصر من أزمة السنوات السبع العجاف.

ثم رؤيا إبراهيم عليه السلام، وهي رؤيا خطيرة وجليلة، أب يرى في المنام أنه يذبح ابنه، وقد بلغ هذا الابن سنًّا يتعلق فيها الآباء بأبنائهم، ورؤيا الأنبياء حق، فالأنبياء قد عُصموا من الأحلام المختلطة والهواجس الفاسدة، فلا بد من الذبح إذن... فيبلغ الأب ابنه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. (الصافات: 102).

ويطيع الابن النبي الأب النبي، لأنه يعلم أيضًا أن لا بد من تحقيق الرؤيا لأنها من أمر الله، ولا يأمر الله إلا بالعدل والخير، وإن لم يتبين المرء الحكمة في بداية الأمر ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. (الصافات: 102).

ولم يقف المشهد عند مجرد الكلام، فالأنبياء لا يعرفون الإرجاء والتسويف وإنما هم لأمر الله طائعون مُلبُّون ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينُ﴾.(الصافات: 103-105).

وكان الفداء، ونجح إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- في الاختبار ، وأي اختبار؟!

ورؤيا رسول الله محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- في دخول المسجد الحرام وأداء العمرة، فعندما أبلغ الرسول الصحابة برؤياه أيقنوا بأنهم سيدخلون المسجد الحرام لأنهم يعلمون أن رؤيا الرسول حق، لذا كانت دهشتهم كبيرة لصلح الحديبية وعودتهم مع الرسول بلا عمرة، ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أوضح لهم أنه لم يحدد لهم العام الذي سيعتمر فيه، وفي العام القادم سوف يدخلون المسجد الحرام ويعتمرون في أمن وسلام ونزلت آيات الفتح مبشرة لهم بأن بعد العمرة سيكون الفتح المبين.. وسيكون قريبًا ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. (الفتح: 27).

هذا ما ورد في القرآن الكريم عن الرؤى، وقد بينّا أنه حيث وردت في القرآن الرؤيا فهي لما هو صادق ومحقق الوقوع.

أما الأحلام فقد وردت في القرآن الكريم في موضعين لتصف ما يراه الإنسان بأنه أشياء مختلطة، وهواجس كاذبة حدثت لأمر عارض كالإسراف في تناول الطعام أو التفكير المتصل في أمور مختلفة، أو لاضطراب أصاب الإنسان قبل نومه، أو لحُمّى لفحته، أو لنوم مضطرب غير مستقر. وردت في رد أصحاب ملك مصر على رؤياه في البقرات السبع: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾. (يوسف: 44).

ووردت في وصف الكافرين لما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. (الأنبياء: 5).

من هذا العرض يتبين لنا أن ما يراه الإنسان في النوم أنواع ثلاثة:

الأول: الرؤيا النفسية الواضحة ومثالها ما فسره ابن سيرين للمؤذن في رمضان.

الثاني: الرؤيا التنبيئية، وهي التي تنبئ بحوادث ستقع في المستقبل وهذه لا يعلم تأويلها إلا بوحي كما اتضح من الرؤى التي وردت في القرآن الكريم.

وهذان النوعان يحدثان للناس جميعًا، فيعلم تفسير الرؤى النفسية علماء تخصصوا في هذا العلم فيصيبون في تأويلها ويخطئون حسب توفيق الله لهم وحسب علمهم، ولا يعلم تفسير الرؤى التنبيئية إلا بوحي كما قدمنا أو بعد تحققها في عالم الواقع.

الثالث: الأحلام، وهي ما يشاهده الإنسان من أخلاط نتيجة للأحداث اليومية المتشابكة أو لما يلم بالإنسان من أمراض كالحُمّى والتخمة، وهذه لا تفسير لها وإنما يضرب الجاهلون فيها خبط عشواء إرضاء للسذج والغافلين من الناس.

أحمد لطفي عبد اللطيف

 

الرابط المختصر :