; الذين ينطحون بقرونهم جبل الإسلام!! | مجلة المجتمع

العنوان الذين ينطحون بقرونهم جبل الإسلام!!

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1974

مشاهدات 63

نشر في العدد 202

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-مايو-1974

الذين ينطحون بقرونهم جبل الإسلام! بقلم: الأستاذ محمد المجذوب في كتاب «الإنسان.. ذلك المجهول» للطبيب الفيلسوف ألكسيس کاریل اتهام خطير موجه للحضارة الغربية بأنها أفسدت طبيعة الإنسان، فسربت الخلل إلى تركيبه النفسي والعضوي.. فهو يؤكد ما ذهب إليه «س وبيرس» في إحصائه العلمي أن واحداً من كل ۲۲ شخصاً في نيويورك يجب إدخاله مستشفيات الأمراض العقلية.. وذلك علاوة على مئات الألوف ممن لم تشملهم الإحصاءات الرسمية.. ثم ينتهي إلى الحكم بأن هذه الأرقام إنما تدل على مدى استعداد شعور الإنسان المتحضر للعطب.. إلى أن يقول: إن الحياة المصرية تخفي نقصًا جوهريًا، ففي البيئة التي خلقتها تكنولوجيتنا تنمو وظائفنا النوعية نموًا غير متكامل.. فتميل الشخصية البشرية إلى التحلل (١) ثم يجئ نیكسون- رئيس الولايات المتحدة- ليؤكد هذه الحقيقة الرهيبة بقوله: «نحن أقوى أمة في العالم ولكن أمراضاً خفية تلتهمنا من الداخل..» وطبيعي أن وراء هذه الإقرارات العلمية صورة حية لواقع النفس الغربية، التي بلغت قمة الشقاء حين ألقت بكل ثقلها على العقل التكنولوجي وحده. والعقل المؤمن، الذي يعي هذه الحقائق بعقله السليم، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الدهشة والأسى، وهو يستمع إلى هاتيك الصيحات المسعورة تتصاعد من هنا وهناك، في الصحف التي تحللت من المسئولية الخلقية، وفي الجامعات التي تزعم أنها تنطلق من نطاق الشعور بالمسئولية، وعلى ألسنة الحكام، الذين فرضوا أنفسهم- بقوة الحديد- أوصياء على ضمائر شعوبهم.. وكلها متفقة على قلب الوقائع التي أقرت بها تجارب الإنسانية، وصرح بها أساطين الفكر المذعور من الهوة التي شارفتها قوافل بشرية في تيهها المخيف. أجل.. لقد أثبت التحقيق العلمي المحايد- بشهادة المئات من كبار خبرائه- أن الحياة لم تزل هي اللغز المغلق بوجه الإنسان، وأن انصرافه إلى استخدام الجهد الذاتي وحده لم يزده إلا إيغالا في البعد عن أسرارها.. لأنه بذلك حصر طاقاته وراء أسوار المادة، حتى بات سجين الغرور الذي أفسد عليه حياته، فهو منها كالغائص في المستنقع اللثق، كل خطوة يحركها طلباً للخلاص، تدفعه إلى مزيد من الهبوط.. وليس في هذا جديد علينا نحن تلاميذ القرآن الذي نقرأ فيه توجیه الله لنبيه المصطفى- صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾. (سبأ: ٥٠). فكل انفصام للإنسان عن نور الوحي مؤدٍ به إلى الضلال.. وما الضلال سوى جماع الشقاء. وإنه لمن المؤسف المذيب بالنسبة إلينا نحن أهل الإسلام، أن مقدراتنا الفكرية قد سلطت عليها الأيدي الملوثة، التي غسلت أدمغتها في محاضن المبشرين والمستشرقين والشيوعيين، الذين صمموا على تدمير كياننا الروحي، لتجريدنا من كل قدرة على المقاومة، كي نظل مجموعات هائمة من الإمعات الدائرة في أفلاك الأعداء.. فبدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين في الكويت مثلاً يحشد «منتخب» من المختصين في لعبة التضليل، يتبارون أمام جمهور من النظارة لا يملكون سوى حق الاستماع والتصفيق أمام هجمات اللاعبين على دينهم وقيمهم وتراثهم وحضارة أمهم، وقد تقاسم اللاعبون جوانب الحلبة، بحيث لم يدعوا جانباً سليماً من تشويهاتهم، ثم ينفضون وقد حققوا من الأغراض، التي رسمت لهم، ما يستحقون معه تهنئة كل مخدر أعطى ولاءه لغير أمته، وسجل انتماءه لكل مذهب هدام.. وفي هذا الجو الذي خلا للعابثين، فراحوا يجربون سهامهم في كل اتجاه، کالسكران الضرير الذي راح يصول وهو يقول: أنا أعمى ما بشوف، أنا ضراب السيوف، أتيح لنديم البيطار وجلال العظم وشاكر مصطفى وبقية ممثلي السرك أن يقذفوا بكل ما عجزوا عن تفريغه في المناسبات السابقة.. وكان ثمة توقيتاً متعمداً وراء هذا التحدي، يقضي بظهوره متلاحقاً في مختلف الثغرات، كما يحدث عادة في ألغام المخربين، حين يزرعونها في عدد من الأماكن، فما إن يحين موعد انفجار أحدها حتى تتوالى الانفجارات هنا وهناك، لتزيد في البلبلة، وتشتت جهود حراس الأمن، فلا يدرون ما يعملون، ولا أین يبدأون.. ففي دمشق وتونس والمغرب.. تتمات ذات دلالات لسلسلة المتفجرات، تتفاوت أساليبها بعض الشيء ولكنها تتفق في غاياتها البعيدة. وهي خلخلة الصف، وإثارة الشقاق، والإرهاب المخطط لحملة الفكر الإسلامي. أما دمشق فقد وقف سفهاؤها عند الحدود المعهودة من سب الله والإسلام والنبيين، وإن كانت السفاهة هذه المرة قد تجاوزت الرقم القياسي، إذ سجلت هذا السباب على رسم امرأة فاجرة، غطيت سوأتها باسم الله والنبيين، إعراباً عن مدى استخفاف أولئك الأشقياء بمشاعر الأمة، التي لا يريدون لها أن تستجمع قوتها لمقابلة العدو، الذي يجثم على أربعين كيلو من عاصمة الإسلام الثانية.. وفي المغرب يغير ملاحدة الشيوعية على مساجد للمسلمين، في حرم المؤسسات العلمية، فيجعلونها طعاماً للنار، ليشغلوا البلد بفتنة أهلية، لا يعلم مدى أخطارها إلا الله ثم الذين خططوا لها في موسكو أو كوبا أو الصين أو.. وأما في تونس، التي سبق بورقيبها سائر الأقطار العربية، إلى الهجوم على التشريع الإسلامي الوحيد الذي أبقى عليه الاستعمار الصليبي في نطاق الأحوال الشخصية، فألغى تعدد الزوجات، الذي هو الصمام الذي يتنفس من خلاله المضطرون إلى التعدد، حماية لأنفسهم وذراريهم وبيئاتهم من وباء الفجور، ليجرهم برغمهم إلى إفساد الحياة العائلية باتخاذ الخليلات، على طريقة المجتمع الغربي، الذي يتململ من كابوس الكنيسة، التي حرمت عليه التعدد، وفسحت له مجالات الزنى، حتى امتلأت أرضهم بالمواليد غير الشرعيين.. وحتى بدأت ترتفع من داخل المجامع الكنسية نفسها أصوات تنادي بوجوب العودة إلى القانون الفطري، الذي لا سبيل غيره لوقف ذلك الوباء الكاسح.. ولم يكتف ببدعته الجريئة تلك، حتى عمد إلى العبادات فدعا العمال إلى إلغاء الصيام، تحقيقاً للمبدأ اللاديني، الذي يعتبر صوم المسلمين تعطيلاً لعجلة العمل، فيتخذ من ذلك ذريعة للتشهير بهذا الدين، الذي عجز السفهاء عن الإدراك لحكمته، اغترارًا بما أحرزه من تقدم في ميدان الصناعة، أوهمهم أنهم أعلم من الله وأنبيائه بشئون عباده وتقدير حاجاتهم، التي لا يحيط بها غير الذي أبدعها.. ولما رأى نجاح خطواته الأولى في خلخلة الإسلام، وسكوت الشعب المقهور عن معارضته شمر للمرحلة الكبرى، وراح يعلن من على منبر «الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية والوعي القومي» ما لم يجرؤ إعلانه من قبل لامانس وزويمر وماسيتيون.. وبقية العصابة الحاقدة من أساطين المضللين، الذين يسمون أنفسهم بالمبشرين، ومن وراءهم من الصهاينة و قروم المستعمرين.. وأخيرًا.. إن المفكر الإسلامي ليحار، بإزاء هذه الغارات الكثيرة، التي يشنها خصوم الإسلام عليه، أيها أحق بالتفنيد، وأيها أجدر بالازدراء.. فقد- والله- تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد. ولكننا لن نكون معذورين أمام الله إذا لم نقل كلمة الحق في وجوه هؤلاء المعتدين على الحق: والحق عرض الله كل أبية بين النفوس، له حمى ووقاء إن الإطار العام الذي يضم هذه العناصر الباغية، على اختلاف دوافعها الخلفية، من صليبية وشيوعية وباطنية وتبعية سياسية، إنما هو الجهل المطبق بهذا الدين الذي يضربون رؤوسهم بصخرته فيكسرون قرونهم، ويفضحون أنفسهم، ويبقى الإسلام في طريقه زاحفًا إلى القلوب والعقول.. لقد أثبتت ندوة «المنتخب» الهدام في الكويت أن كل ما يملكونه من أفكار لا يزيد عن كونه فتاتًا غير نقي من موائد الحاقدين.. وكان في وسع كل سامع وقارئ لحملاتهم المسعورة أن يعود لما كتبه هؤلاء- من مبشرين ومستشرقين- في الطعن على دين الله فيستغنى بالأصل عن التقليد، وبعمالقة الكفر عن صغاره.. ولقد تكرر ذلك الإفك، وتكرر تفنيده بأقلام المفكرين الإسلاميين، حتى بات من الهوان أن يجد من يصغى إليه في العالم الإسلامي.. اللهم إلا أولئك الذين غسلت أدمغتهم من آثار الإسلام، وانقطعت صلاتهم بمنابع الوحي، فتعطلت أجهزة تفكيرهم، وطمس على بصائرهم، فلهم آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها.. وحسبنا مع ذلك المنتخب ما عرفه القاصي والداني من أنهم ليسوا من هذه الأمة في شيء، لأنهم أعطوا ولاءهم إلى أعدائها، فلا عمل لهم سوى الإجهاز على بقية قيمها، لیتركوها نهبًا لكل غاز، وصدى لكل ناعق.. أما متهم القرآن بالتناقض ومبيح الفطر في نهار رمضان فأمره مختلف، لأنه لا يتكلم باللسان الأكاديمي، الذي غر أولئك السفهاء، بل بلسان السلطة التي يستطيع بها قطع الألسن وتكبيل الأيدي وخنق الأنفاس واغتيال المعارضين.. ولهذا لا نرى بدًّا من وقفة قصيرة على تلك المدعيات الصليبية اليهودية، التي تطوع لنقلها إلى المؤتمر، والتوكيد على أفراده بالتركيز عليها في عملهم التربوي.. ١- إنه يردد مزاعم المبشرين بادعاء التناقض في القرآن.. ولو هو قرأ قول الله في هذا القرآن ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. (النساء: ٨٢). لأكرم نفسه عن مثل ذلك الزعم.. والغريب أنه يحتج لدعوى التناقض بقول الله سبحانه ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. (التوبة: ٥١). وقوله عز وجل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾. (الرعد: ١١). فكأنه يرى في الآية الأولى جبرية تعطل حرية الإنسان، وفي الثانية حرية تنفي كل أثر للجبر ونحن نتبرع له بتفسير ما فاته، فكتابة الله للأحداث قبل وقوعها إنما هي إثبات لعلمه الذي لا يفوته شيء وعلم المؤمن بشمول علم الله لا يمنعه العمل لما يحقق مصلحته. ولو أنه قرأ شيئاً عن حياة الفاروق رضي الله عنه فهم هذه الحقيقة من إقامته الحجر الصحي على مناطق المسلمين، وقوله رداً على من سأله: أتفر من قدر الله؟.. «نفر من قدر الله إلى قدر الله».. وفي التعبير بـ«لنا» ما يشد الانتباه إلى أن المراد- والله أعلم- هو تسجيل عمل المؤمنين الذي يقومون به عن إرادة وطواعية، ويؤكد ذلك ما ورد في الحديث القدسي: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وعلى هذا تكون كلتا الآيتين تقويماً لمنزلة العمل في ميزان القانون الإلهي، القاضي بأن لكل امرئ ما سعی، فلا مطمع بالغلب لمن لم يستعد له، ولا أمل بالجنة والعزة لمن یكفر بآيات ربه ويكذب رسوله.. ۲- يتفق هذا الحاكم مع نديم البيطار وجلال العظم ومحمد ربيع على التنكر للإيمان بالغيب، حين يردد زعم الكفرة الأولين، الذين قالوا في القرآن العظيم: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. (الأنفال: ٣١). ودليله على ذلك كون «عقله» لا يحتمل التصديق بانقلاب عصا موسى حية تسعى، وبأن أهل الكهف لبثوا في نومهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.. ثم يؤيد إنكاره بالمبدأ الباستوري القائل بأن «لا شيء من لا شيء». وبما أن الرجل لا ينكر وجود الله وقدرته- كما يلوح من كلامه- فنحن نذكره بأن وحدة الأساس الذري في المادة على اختلاف صورها، حيواناً أو نباتاً أو جماداً تثبت إمكان تحویل الأعيان بمجرد تغيير تركيب الوحدات الذرية.. وإذا عجز الإنسان عن تحقيق ذلك التحويل فليس هذا دليلاً على أن هذا العجز يلحق بخالق الكون أيضاً.. فالذي أقام بنيان المادة على صورة ما، لا يعجزه التحكم في تلك الصورة عندما يريد. ولقد أخبرنا الله تبارك وتعالى خبر تكوين الجنين فقال: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ، ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ، ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰامٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰامَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾. (المؤمنون: ١٢-١٤). ولا بد أنه مسلم بهذه التطورات الخلقية، لأنها باتت من البديهيات التي يشاهدها الطلاب المبتدئون عن طريق المجاهر.. فلو أن أمرأً لم ير هذه الخليقة إلا في أحد أدوار تكونها، ولم يسمع خبر تطوراتها الأخرى، أفكان يتصور إمكان تحولها عن صورتها تلك؟.. ثم إن الحيوان المنوي يبدأ من لحظاته الأولى في صورة دودة ذات ذيل يساعدها على السباحة.. فهل يخطر في بال هذا الرائي أنه سيتحول إنسانًا منتصب القامة، يسعى ويفكر ويبني، ويؤمن أو یكفر؟.. وما أحسب ذا عقل سليم يقول بأن انقلاب العصا حية تسعى بأشد غرابة من أحد هذه الانقلابات.. ٣- ومع ذلك فإن تحويل العصا حية لم يحدث وفقاً لقانون المادة، بل خرقاً له ولإبراز المعجزة الدالة على صدق الرسول دون تغيير في أساس القانون الكوني... وهكذا القول في معجزات الأنبياء، فليست هي خرقاً مستمراً للقانون، بل ظاهرة مقصودة يراد بها تذكير الغافلين بأن وراء هذا النظام الكوني اليد التي تسيطر على كل خصائصه. وإذا لم يجد فخامته في عقله متسعاً لقبول مبدأ المعجزة، فكيف جاز له الحكم بتفوق عقله على عقول المؤمنين بها، وفيهم أئمة العلم والعقل في كل مكان وزمان؟! .. ثم.. ألا يلاحظ نفسه فيرى مظاهر قدرة الله المعجزة، في كل حركة وسكنة.. هذا اللغو الذي تفوه به.. كيف تكون؟.. كيف استطاع تأليفه؟.. كيف استطاع تحميله هذه المعاني؟.. و أین تولدت أولاً؟.. وكيف تجمعت؟ وأخيراً كيف انتقلت إلى أذهان سامعيه فأثارت قناعتهم أو اشمئزازهم؟!.. لیس أمامه من جواب على أي من هذه الأسئلة إلا التسليم بقدرة الله المبدعة للخوارق دائماً وأبدأ، أو اللجوء إلى هدر مارکس وإنجلز ولينين ليزعم بأن الفكر لا يخرج عن كونه ضرباً من الإفراز العضوي كما تفرز الكبد الصفراء.. وهو قول لا يقبله إنسان يملك مسحة من عقل.. وأما نواة أهل الكهف فلا تعدو كونها تذكيراً للغافلين بإمكان البعث.. وهو معجزة من الخوارق التي لا تتصادم مع السنن الكونية، لأنها ظاهرة نادرة، حققها بالحكمة من يملك خرق العوائد.. على أن في واقع الناس ما يسوغ قبول هذه الظاهرة دون تردد، ففي أكثر من مكان رجال أو نساء مضى على نومهم عشرات السنين حتى الآن، وهم أحياء يتقلبون دون أن يعوا حالهم.. وقد حدثنا الثقات عن رجل في الشام لم يذق طعم النوم منذ عشر سنوات.. أفليس هذا وذاك خرقاً لقانون الحياة التي لا يتصور معها نوم بغير يقظة، أو يقظة بغير نوم.. وأي فرق بالنسبة إلى قدرته تعالى بين غفوة تستمر عشرين سنة، وأخرى تستغرق ثلاثة قرون ويا ليته أحاط بحياة باستور وآرائه في ما وراء الطبيعة، لأدرك إذن أن ما توصل إليه من الكشوف قد ملأه يقيناً بأن قدرة الله- التي تمسك السموات أن تقع على الأرض إلا بإذنه- صالحة لأكبر من هذه العجائب. ٤- والزعم أن في القرآن خرافات، وأنه من عمل محمد صلى الله عليه وسلم: قد أصبح من اللغو المخجل إلا عند الذين لا يملكون ملكة التفريق بين بيان الله وأساليب البشر، وبين الحقائق الخالدة والأباطيل الزائفة.. وحسبنا في هذا الصدد أن نذكره بكلمة ابن المقفع، وهو أمير البيان في عصر البيان، حين هم بمعارضة القرآن فطالعه قول الله ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. (هود: ٤٤). فإذا هو يطأطئ رأسه ويستشعر عجزه، ويعلن إسلامه.. وهذا أبو زكريا التبريزي من خواص المعري، يتسلل إلى خلوته ذات يوم فيسمعه يتلو بعض القرآن، فلا يتمالك أن يبكي، ويمرغ جبهته بالأرض وهو يردد :«سبحان من هذا كلامه...» ویسأله أبو زكريا في ذلك فيجيبه قائلا: «وكيف لا تأخذني روعة القرآن، ولو مزجت منه كلمة بأبلغ بيان بشري للمعت فيه كما يلمع القمر في قبة الفلك..» ولو أنه عنى بالقرآن وكلام رسول الله، ودرب نفسه على تذوق الروائع البلاغية، لعرف الفروق الشاسعة بين أسلوب القرآن وأسلوب محمد عليه الصلاة والسلام.. ولصان لسانه بالتالي عن ذلك اللغو الغريب حين أعتبر مجرد الصلاة عليه صلوات الله عليه وسلامه تأليهاً له.. لأن من أوليات علوم العربية أن اللفظة المفردة لا يتحدد مدلولها إلا بالقرينة.. وعلى هذا تكون صلاة العبد لربه عبادة، وصلاة الله على عبده رحمة.. ولو كانت الصلاة تأليهاً للمصلى عليه لكان كل مؤمن مشمولا بهذا التأليه في قوله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. (الأحزاب: ٤٣). وذلك وهم لم يسبقه إلى مثله أحد.. ويا ليته تذكر، وهو العليم بمصطلحات النصارى، قول بعضهم لبعض «صل لي» وإنما يسأله الدعاء، كما كان الصحابة يسألونه صلوات الله عليه وسلامه أن «يصلي لهم» في منازلهم نشداناً للبركة... ولكن المشكلة فيه هي نفسها معضلة المسلمين في حكامهم، الذين كادوا يعلمون كل شيء عن أعداء الإسلام، ولا يكلفون أنفسهم النظر في كتاب الله، أو حدیث رسوله، أو العناية بلغتهما وما تركه لنا السلف الصالح من تراث في هذه العلوم.. ومع ذلك لا يستنكفون إصدار الأحكام المرتجلة في كل ذلك، فيسيئون إلى أنفسهم قبل أن يسيئوا إلى غيرهم.. وقديماً قال الشاعر الحكيم: لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه ٥- ويمضي هذا الحاكم شوطاً أبعد في نصرة مزاعم المبشرين والمستشرقين، من الذين نصبوا أنفسهم لكيد الإسلام، فيكرر افتراءاتهم القائلة: إن بعض شعائر الحج رواسب وثنية استبقاها محمد صلى الله عليه وسلم لاسترضاء أهلها! وقد كان لمخترعي هذا الزعم من الصليبيين عذرهم في قياس الإسلام على ملتهم إذ يرون أن دعاتهم الأولين قد تبنوا كثيراً من طقوس الوثنيين لاجتذابهم، فلهم إذن أن يتهموا رسول الله بمثل ذلك.. ولو أنه تفرغ بعض الشيء لدراسة الفقه الإسلامي، لأدرك أن الحجر الأسود لا يعدو كونه إشارة تحدد مبدأ الشوط ونهايته أثناء الطواف بالبيت، ولعله سمع- إن لم يقرأ- قول عمر رضي الله عنه في هذا الحجر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني رأيت رسول الله يقبلك فأقبلك» وما ندري، وقد أتيح له أن يؤدي العمرة، ويطوف بالبيت، ماذا صنع بإزاء ذلك الحجر: أقبله اقتداء برسول الله، أم أهمله تصديقاً لمزاعم المبشرين.. وليس الشأن في رجم الجمرات بخارج عن هذا النطاق، فهي لا تعدو أن تكون معالم ذكريات، تشعر المؤمن وهو يقوم بهذه الشعائر، أنه حلقة حية في سلسلة الأجيال المؤمنة منذ أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حتى آخر الدهر.. وليس إلقاؤنا للحصيات هناك إلا ضرباً من الطاعة لرسول الله، الذي أمر أن نأخذ عنه مناسكنا، وقرن الله طاعته بطاعته.. والغريب أن هذا الحاكم يتكلم هنا بعقلية العامة، إذ يقول عن الرمي «إنه رجم للشيطان».. وإنما هو رغم له بإظهار الطاعة الكاملة لرسول الله صلوات الله عليه وسلامه.. ٦ـ وأخيراً.. إن هذا الحاكم يتهم تلاميذ رسول الله بالجهل وقصور الإدراك وضحل الفكر، ليسوغ اتهامه لرسول الله بالبساطة وقبول الخرافات الشائعة في عمره.. ويعلل ذلك بأنهم ما كانوا بقادرين على تصديق أي تطور يتجاوز نطاق مرئياتهم.. ومرة أخرى نقول له: لو قيض لك الإطلاع على مجموع القرآن، وتتبع وقائع السيرة النبوية من مصادرها الصحيحة، لكان ذلك في الموضوع فهم آخر يتلألأ بنور الحق، إذ تعلم أن هؤلاء قد صدقوا نبيهم في أبعد من خبر البواخر والهاتف وكروية الأرض.. لقد صدقوه في خبر إسرائه إلى بيت المقدس وعروجه إلى ما فوق السموات السبع، ثم عوده من هذه الرحلة الكونية في ليلة واحدة وصدقوا ما أخبر الله في كتابه عن وسائل للمواصلات ستكون في المستقبل مما لم يحط به تصور بشر من قبل وحتى اليوم ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. (النحل: ٨). وقرؤوا قوله تعالى أعقاب ذكره الأرض والكواكب بأنها جميعا ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. (الأنبياء: ٣٣). فلم يستكثروا ذلك على قدرة الله، ولم يستبعدوا أن يكونوا، وسائر سكان هذه الأرض، قائمين على متن سفينة سابحة بأمره. ولعله سيدهش أشد الدهش إذا علم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قد قال- في ما أخرجه الترمذي بسند جيد: «لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» وأن صحابته الذين استمعوا إلى نبئه هذا قد استقبلوه كما استقبلوا كل خبر منه بالتسليم المطلق، وإن لم يستطيعوا تصور الجهاز الإلكتروني الذي يحقق في عصرنا بعض هذه العجائب.. بل لعله يتعجل الحكم بأن أولئك لم يكونوا على مستوى أمثاله من العبقرية، فليس وراء تسليمهم لأخبار النبوة دليل على أنهم يملكون أي امتياز عقلي.. وهو وهم یرده واقع النجاح الذي حققوه، خلال سنوات قليلة، في ميادين السياسة والحرب والفقه والعزة، والخبرة بخصائص النفوس، مما لا يزال أعجوبة التاريخ الحضاري في تقدير عمالقة الفكر، وإن أنكره، أو تنكر له صغار الرجال.. ولا غرابة أن يرتفع ذلك الرعيل إلى تلك القمة من التفوق، لأن إيمانهم بالوحي قد وفق ما بينهم وبين السنن الكونية، فأعطتهم الحياة أسرارها، كما منحتهم الشعوب قيادها، وعرفوا لله حقه عليهم، فاخضعوا له تصرفاتهم، فحقق لهم وعده بالتمكين في الأرض، والاستخلاف في رعاية عباده، ثم لم يزالوا في موقعهم ذاك حتى جاء الخلف الذي تنكب طريقهم، ونسي رسالتهم، فأكبه الله على وجهه.. وأذاقهم لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.. فهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.. ومع ذلك فهم في غيهم يعمهون، وبغرورهم يتبجحون، ويحسبون أنهم هم المهتدون.. على أن من حق هؤلاء المغيرين على حرم الإسلام، سواء كانوا من الدكاترة أو الحكام، أن نذكرهم بأن مصيرهم: کناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنها الوعل لقد أفلست تجارب البشرية كلها في الحصول على الاستقرار والأمن النفسي، بمقدار بعدها عن أشعة الوحي، فترديدكم لأباطيل المبطلين لن يزيدكم إلا إيغالاً في الظلام، وإغراقاً في الرجعية المزرية فاغسلوا رؤوسكم من أوضار الجهل بهذا الدين الذي تحاربونه، لكي تعلموا ما يجب أن تعملوا.. وما أحسبكم- لو فعلتم- إلا نادمين على ما قدمتم لأنفسكم وأمتكم.. وذلك على أي حال أجدى عليكم من الاستمرار في دهاليز الضياع، الذي سينتهي بكم وبمن سلك سبيلكم إلى شقاء الدنيا، وخسران الآخرة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. (الفرقان: ٢٧-٢٨). والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا به..
الرابط المختصر :