العنوان الانتخابات الإسرائيلية: الذين ينتظرون فوز «المعراخ»...!
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1984
مشاهدات 71
نشر في العدد 680
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-يوليو-1984
من المقرر أن يكون المقترعون في فلسطين المحتلة قد بدأوا يدلون بأصواتهم في انتخابات «الكنيست» الحادية عشرة لانتخاب برلمان جديد لدولة العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين في الموعد المقرر لذلك وهو يوم (۲۳) يوليو ١٩٨٤.
ومع اشتداد الصراع المحتدم بين تجمعين رئيسيين هما «المعراخ» وعموده الفقري حزب العمل، و «الليكود» وعموده الفقري حزب حيروت، تنحبس الأنفاس لدى كثير من الأطراف العربية انتظارًا لنتيجة هذه الانتخابات التي يتصورون أنها ستقرر مصير الصراع العربي الإسرائيلي.
وهذه الأطراف العربية- التي فسد عندها التصور فصار وهمًا- ترغب في أن يفوز المعراخ المعتدل أملًا في الوصول إلى تسوية معه، تحصل بموجبها على بعض الحقوق العربية الضائعة، وتطمئن بعد ذلك إلى استقرار المنطقة الأجيال عديدة قادمة.
وحين يكون التصور فاسدًا؛ فلا بد أن تكون العقيدة التي قام عليها هذا التصور عقيدة فاسدة، وكل عقيدة تخالف العقيدة الربانية هي بالقطع فاسدة.
ولا شك أن الغزاة الطامعين في ديارنا غزوا عقولنا قبل أن تطأ أقدامهم تراب وطننا، ومن ثم أخذوا يدعمون وجودهم العدواني في ديارنا بمزيد من إفساد العقيدة؛ حتى اطمأنوا إلى وجود وكلاء من بني جلدتنا الناطقين بلغتنا، بل والصائمين المصلين في كثير من الأحيان، الذين زين لهم شياطين الاستعمار أن دولة العدو اليهودي في فلسطين قائمة، وأن لا سبيل إلى إزالتها، وأن من «الحكمة» التعايش معها، وطلب ودها اتقاءً لشرها، أو «استعانة بها»، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).
واليهود المغرمون بالرموز قصدوا أن تكون انتخابات الكنيست هذه المرة في يوم لا ينساه العرب، وهو يوم (۲۳) يوليو ذكرى «الثورة» المصرية التي أعلن بيانها الأول أنور السادات؛ ليكون الرئيس العربي الأول الذي اعترف علنًا ورسميًا باغتصاب اليهود لفلسطين، ولما كان من المتوقع فوز حزب العمل- وهو ما تريده الأطراف العربية- التي ترى أنه أكثر «اعتدالًا ورغبة »في الصلح مع العرب؛ فإن لهذا التاريخ مغزاه، وهو جذب العرب لأن يحذوا حذو أمهم الكبرى مصر التي التزمت بأن «لا حرب بعد اليوم» مع دولة العدوان اليهودي، ولعل التهيئة لعودتها إلى «الجامعة العربية» أوشكت على الانتهاء؛ لتقوم بدورها الرائد في قيادة العرب إلى طاولة المفاوضات مع اليهود.
وعلى افتراض فوز حزب العمل كما يتوقعون، فما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا الفوز؟ وما هي الفروق الجوهرية بين سياسة هذا الحزب وسياسة الحزب الحاكم حاليًا؟
الإرهاب عقيدة الليكود:
لقد مضى على حكم «الليكود» ما يقرب من سبع سنوات، حقق خلالها الصلح مع أكبر دولة عربية، وثبت أقدامه في الأرض المحتلة، وصرف من أذهان العرب- إلا من رحم ربك- فكرة القضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين، وغرس مئات المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع والجولان، ونشطت في عهده المنظمات الإرهابية الاستيطانية، التي تعمل جهارًا نهارًا على «طرد الغرباء من أرض إسرائيل التاريخية والكاملة»، وحرقت المسجد الأقصى، وسعت- أكثر من مرة، ولا تزال تسعى- لتدميره، واغتالت عددًا كبيرًا من المواطنين العرب المسلمين.
والتكتل الحاكم- الذي لا يقل إرهابية ولا تطرفًا عن هذه المنظمات- يرعاها ويدعمها سرًا وعلانية، وإن كان في بعض الأحيان يتظاهر بمقاومتها، وإلقاء القبض على عناصر من مجرميها، سرعان ما يتهمهم بالجنون تبريرًا لعدم محاكمتهم التي لو تمت فهي محاكمة صورية.
وإذا كانت منظمة «غوش إيمونيم» التي هي إفراز من إفرازات الحزب الحاكم، والتي يتزعمها الحاخام «كاهانا» تخرج من جلبابها منظمة تطلق على نفسها اسم «الإرهاب ضد الإرهاب» أي تعترف بأنها منظمة إرهابية، فإن تكتل الليكود نفسه يضم في معظمه عناصر من حزب حيروت الذي نشأ عن منظمة «الأرغون» الإرهابية، التي كان يقودها «مناحيم بيغن»، وكان من قياداتها «إسحق شامير» رئيس الوزراء الحالي في دولة العدو، وهي المنظمة التي اشتهرت بمذابحها الكبرى في فلسطين، مثل مذبحة دير ياسين وقبية ونحالين وغيرها الكثير، وهي تعتبر قتل العرب وسيلة للخلاص منهم، والسيطرة على ما تزعم أنها «أرض إسرائيل» وقد حددت هذه الأرض بأنها من النيل إلى الفرات.
فكيف يعقل لحكومة من هذا الطراز تتعشق سفك الدم العربي- وكل من هو غير يهودي يسمونه «غوييم» يحل سفك دمه، ونهب ماله، وخداعه، وتضليله، وإفساده، بل وامتصاص دمه حسب عقيدتهم التوراتية- كيف يعقل لحكومة من هذا الطراز أن تتصدى للإرهاب الجديد في الأرض المحتلة، وهي صانعة هذا الإرهاب، بل زادت عليه في مذابح صبرا وشاتيلا وغيرها؟
إن حكومة الليكود هي بلا شك بلاء ابتلي به العرب والمسلمون، ليس في فلسطين المحتلة وحدها، ولكن في العالم كله، وإذا كانت لا تقيم كبير وزن للغوييم؛ فإن اهتمامها الأول ينصب على الأرض، فمثلما هي شغوفة بسفك الدم هي شغوفة أيضًا بالسيطرة على الأرض وبالضم.
حزب العمل أو القاتل الناعم:
فماذا عن حزب العمل المرشح للفوز في الانتخابات، والذي يتعشم فيه بعض العرب «خيرًا»؟!
هذا الحزب لا يقل صهيونية عن الحزب الحاكم، ولا يقل شراهة في ابتلاع الأرض وسفك الدماء، ولكنهما يختلفان في الأسلوب والوسيلة.
إن هذا الحزب أكثر خبثًا ودهاء، فإذا كان شامير أو بيغن لا يستطيع أن يخفي مشاعره الجياشة بالفرح حين يرى الدم يسيل من الشعب الفلسطيني، أو من أي شعب آخر، وحين يرى المعاناة فوق طاقة احتمال البشر، فإن شمعون بيريز مثلًا أو إسحق رابين يقتل بحجة إراحة المقتول من الألم، فهو «قاتل رحيم»، ثم إنه يسلبك مالك بحجة الحفاظ عليه من الضياع.
إن حزب العمل يريدها «دولة يهودية» بكل معنى الكلمة، إنه أكثر عنصرية و«شيفونية» من الليكود. إنه يخشى على «نقاء» الكيان اليهودي من أن يدنسه «الغوييم»، ولذلك فلا مانع لديه من أن يكون الضم على مراحل، لا تتم المرحلة التالية قبل توفر الظروف المهيئة لها، وهذه الظروف تتمثل في هضم القطعة الأولى من الأرض قبل الانتقال إلى القطعة الثانية.
والخوف من عسر الهضم وارد، ويتمثل عسر الهضم هذا في الكثافة السكانية العربية الحالية في بعض المناطق والمحتملة في المستقبل، على اعتبار أن العرب أكثر إخصابًا من اليهود، وإذا كان الإسرائيليون يفخرون على الشرق والغرب بأنهم أكثر منهم ديمقراطية؛ فإنهم لا يستطيعون أن يمنعوا العرب من الوصول إلى الكنيست بالنسبة نفسها التي يمثلونها داخل «المجتمع الإسرائيلي»، وفي هذا دمار شامل للحلم الذي عملوا لتحقيقه عبر سني الشتات الطويلة.
ولذلك يتنافس أقطاب حزب العمل في فلسفة هذه السياسة على شكل شعارات انتخابية يرفعونها بين الحين والآخر.
- فشمعون بيريز: يرفع شعار «أكبر قطعة من الأرض مقابل أقل عدد من السكان».
- وإسحق رابين: يرفع شعار «الانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان».
- وحاييم بارليف: ينادي «بوقف الاستيطان في المناطق المأهولة».
ولكنهم جميعًا يتفقون على:
• اعتبار القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الصهيوني.
• الإبقاء على المستوطنات القائمة في الضفة والقطاع والجولان.
• عدم العودة إلى حدود عام ١٩٦٧.
• تجاهل منظمة التحرير الفلسطينية.
وهنالك «عزرا وايزمن» الذي أنشأ مؤخرًا قائمة «ياحد» الانتخابية، وهو في الأصل من حزب العمل، إنه يبدو في الظاهر أكثر ليونة واعتدالًا من أركان حزب العمل، ولكنه لا يقل صهيونية على أية حال، فهو يعلن أنه يعارض ضم الأراضي بالقوة، والمستمع لكلامه لأول وهلة يتصور أنه ينادي بالانسحاب من الضفة والقطاع، ولكنه حين يستمع إلى بقية كلامه يدرك مدى الخبث الدهاء عند هذا الرجل الذي يحاول كسب أصوات العرب ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية، فمعارضته للضم بالقوة تعني موافقته على الضم باللين والتفاوض، وكلاهما ضم على أية حال، فهو يعارض إزالة المستوطنات... وماذا بعد؟ إن فلسفته تقوم على عدم رفض ما يطرحه العرب على طاولة المفاوضات، فإذا كان هناك عدد من النقاط يطرحها العرب، فعلى الإسرائيليين أن يطرحوا نقاطًا بديلة أكثر عددًا وأكثر تشددًا، وبأعصاب باردة يمكن للإسرائيليين أن يكسبوا الجولة إذا كان هناك تنازل متبادل أو تخفيف في حدة التشدد، وإلا «فنحن من عندنا، وأنتم من عندكم».
ولسنا في حاجة إلى الخوض في فلسفات الأحزاب الصغيرة على هامش تكتل الليكود، أو على هامش حزب العمل، ما دامت هذه الأحزاب غير قادرة على الفعل إلا ملحقة بهذا التكتل أو ذاك، وما دامت جميعها ليس من فلسفتها تصفية الكيان الصهيوني في فلسطين، حتى وإن كانت بعض هذه الأحزاب تضم عناصر عربية، وتعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتنادي بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع.
والرموز العربية التي تدخل هذا التجمع الانتخابي أو ذاك في أرضنا المحتلة- على افتراض أنها رموز وطنية، وليست واجهات مصلحية أو مظهرية- لن تكون أكثر من صوت خافت وسط هدير الصهاينة الغاصبين. كما أن بعض الرموز اليهودية مثل بيليد وأفنيري على افتراض أنهم يحبون السلام؛ فإن محبتهم لاغتصاب فلسطين أقوى من محبتهم للسلام.
وعلى العرب والمسلمين أن يدركوا أن صراعنا مع يهود ليس صراعًا على حدود، ولا هو خلاف يمكن حله بالتنازل من أحد الطرفين أو كليهما، وإنما هو صراع وجود وصراع عقيدة، فإذا تجاهلنا طبيعة الصراع دخلنا في متاهات الضياع، فلا الليكود يعيد إلينا فلسطين، ولا المعراخ يحقق لنا الطمأنينة والأمان، وإذا لم نمت في ساحة الجهاد لتحرير فلسطين وشرف الحصول على الشهادة؛ فسنموت موت السوائم التي تهاجمها ذئاب الغاب.
فانتبهوا- أيها العرب- واصحوا- أيها المسلمون- ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:9).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل