العنوان الافتتاحية- الذين يعيثون في الأرض فسادًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 77
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 03-مايو-1988
في الوقت الذي
يقترب شعبنا المسلم في فلسطين المحتلة من دخول شهره السادس وهو يعيش انتفاضته
الجهادية بما يملك من وسائل بسيطة متاحة، في هذا الوقت العصيب، وفي شهر رمضان الذي
فضَّله الله سبحانه على سائر الشهور، يستمر المفسدون في الأرض بترويع المسلمين
بمختلف أشكال الترويع، وليس الانفجار الهائل الذي قتل مئات الأبرياء في طرابلس
المسلمة بآخر تلك الأشكال، والذي جاء متزامنًا مع انتهاء أزمة الطائرة الكويتية
الجابرية. هؤلاء المفسدون في الأرض، أيًا كانوا، وإلى أية فئة انتسبوا، لهم حسابهم
في الدنيا والآخرة.
فلقد وقف
الإسلام منهم موقفًا صارمًا، وفرض أشد العقوبات وأقساها ضدهم، ووصمهم بأنهم
محاربون لله ورسوله، قال تعالى:﴿ إِنَّمَا
جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ
خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة:33-34).
ومع الأسف إن
المسلمين قد أعرضوا عن حكم الله وتركوا حدوده واستبعدوا شريعته من أحكامهم وفضلوا
تطبيق أحكام السجن على أحكام الحدود الشرعية، فعاث المجرمون فسادًا في الأرض،
لأنهم أصبحوا مدللين في السجون يُسَمَّنون فيها كأنهم الخراف، وعندما يُطلق سراحهم
يعاودون إجرامهم. والله الذي هو أعلم بخلقه، ويعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، قد فرض
على المفسدين تلك العقوبة الرادعة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14)، وهل أحد أرحم وأشفق من الله بعباده؟
إن هناك أنواعًا
من البشر قد استحوذ عليهم الشيطان وقويت فيهم نوازع الشر، وهؤلاء لا يخلو عصر
منهم، فهم يوجدون في القرون الأولى وفي القرن العشرين. وإذا اختلفت وسائل الإجرام،
فإن طبائع البشر لم تختلف، فالأعراب الذين قاموا أيام الرسول صلى الله عليه وسلم
بتعذيب راعي إبل الصدقة، حتى سملوا عينيه بالحديد المحمي بالنار وقتلوه وطبق عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم حد الحرابة، وكذلك الذين كانوا يقطعون الطريق
ويقتلون الحجاج هم من نوع المجرمين الذين يخطفون الطائرات اليوم ويقتلون الأبرياء
ويلقون بالمتفجرات على الأماكن العامة، ويقتلون الناس والشيوخ والأطفال، وكل
عصابات الإجرام التي تمارس الإرهاب ضد الآمنين هم من المفسدين في الأرض، وسواء
كانوا يدَّعون الإسلام أو يدَّعون الكفر فحكم الإسلام فيهم واحد، وقد قال صلى الله
عليه وسلم:"يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن وليس قرآنكم إلى قرآنهم بشيء،
يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من
الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
وجاء في الحديث
أن من علامتهم أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، أليس ما يجري أمامنا
اليوم هو تحقيقًا لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
فمن يستحل دماء
الأبرياء ليس مسلمًا، وقد قال الله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
(الأنعام:164) فكيف إذا كان ضحاياه الذين يستحل دماءهم من المسلمين؟ الذين حرم
الله مجرد إيذائهم في محكم كتابه، وحمَّل الذين يؤذونهم أعظم الإثم، قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب:58).
والذين يرتكبون
الجرائم باسم الإسلام أشد جرمًا لأنهم يفترون على الله ورسوله ويشوهون الإسلام،
وعقابهم عند الله أشد. والذين يرضون بهذه الجرائم أو يسهلون ارتكابها أو يتعاونون
مع المجرمين أو يشجعونهم على جرائمهم فهم وإياهم في الإثم سواء، ويجب على علماء
الإسلام أن يستنكروا هذا الافتراء على الإسلام، والذي لا يتكلم بالحق شيطان أخرس.
"من رأى
منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف
الإيمان" فالسكوت عن الإجرام والإرهاب، وعدم التفرقة بين المفسد والمصلح،
والحق والباطل هو الذي يشجع المجرمين على التمادي في إجرامهم، وتكرار حوادث القتل
والإرهاب ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:2).
على أننا لا
نحصر هنا جريمة الإرهاب بالمنفذين، فحادث الطائرة الكويتية الذي اشتركت فيه إحدى
الدول في البدء، حاولت استغلاله عدة دول ولكن تحطمت آمالهم جميعًا أمام ثبات الشعب
الكويتي المسلم وصمود حكومته أمام الابتزاز.
وإذا كان العالم
قد أصبح اليوم كبلد واحد، أو قرية واحدة، فإن الواجب على كل الدول أن تتعاون على
استئصال الإرهاب بتتبع نشاط المجرمين، وكشف مخابئهم، وإنزال العقوبة فيهم وإلا
عمَّ الضرر، وتفاقم الخطر. والذين يرون أنفسهم في منأى الآن عن الخطر، اتكالًا على
قوتهم العسكرية أو العددية، أو لعدم وجود أعداء لهم فهم مخطئون، لأن الإرهاب ينتشر
كما تنتشر النار في الهشيم، ولا يفرق بين عدو وصديق.
والقتال لدفع
العدوان ورفع الظلم طريقه معروف، ومكانه معروف، ولا يستطيع أحد أن ينكر على
المظلومين أن يثوروا على الظالمين ولا على من احتلت بلادهم أن يطردوا المحتل،
وهناك فرق بين الجهاد والإرهاب كما بين السماء والأرض، فليس في الجهاد خطف وقتل
للأبرياء وليس فيه استغلال ضعف الضعيف، ولا يكون الانتقام من القوي باستضعاف
الضعيف، والمستضعف لا يُقتل ولا يؤذى، وإلا كان ذلك جبنًا وخسة ونذالة.
إن الألم ليعصر
قلوبنا ونحن نتابع أخبار الإرهاب، ومصير الضحايا الأبرياء ونفكر في الحالة التي
عليها أهلهم وذووهم من حزن وقلق واضطراب، إن القلوب لتفجع، والعيون لتدمع عندما
يكون الفكر مشغولًا بحالات هؤلاء الأبرياء. لقد كان حادث الطائرة الكويتية الذي
لفت النظر عن قضية المسلمين المركزية في فلسطين المحتلة أمرًا مؤلمًا حقًا يؤرق كل
الضمائر والقلوب الإنسانية، ويتساءل المرء أي نوع من البشر هؤلاء الذين تسمح لهم
أنفسهم أن يقترفوا هذه الجرائم ضد الأبرياء فيطلقون الرصاص على رأس ضحيتهم
البريئة، ويلقون بها من الطائرة إلى الأرض دون مراعاة لإنسانية الإنسان المسلم،
ولو أن هؤلاء صادقون فيما يرفعونه من شعارات الجهاد لتوجهوا بجهادهم إلى مساعدة
شعب فلسطين للتخلص من أعدائه، والوقوف في وجه اليهود، الذين يحتلون المسجد الأقصى
ويعززوا الانتفاضة التي غطوا عليها بأخبار جريمتهم الشنيعة البشعة، إن الجهاد لا
يكون بالجرائم وقتل الأبرياء إلا عند المنافقين والمفترين ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (يونس:69)، أين هؤلاء من
قوله تعالى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة:32)؟ إن الذين يعطون لأنفسهم
الحق في قتل من يشاؤون وإبقاء من يشاؤون إنما يؤلهون أنفسهم، وينازعون الله في
ملكه وسلطانه.
لقد عهد الله
إلى عباده بأن يحافظوا على الأرواح والأموال، وعمارة الأرض ومن خالف ذلك فقد نقض
العهد والميثاق ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد:25) - ﴿وَأَحْسِنْ
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص:77).
يا لهول مصيبة
هذا العصر الذي فُقدت فيه كل القيم الدينية والإنسانية، ونحن أمام هذه المصائب لا
يسعنا إلا أن ندعو الله أن يحمي هذا البلد وبلاد المسلمين جميعًا، وأن يلهم
المسؤولين في عالمنا المسلم السداد في الأمور كلها على أساس من تطبيق شريعته
السمحاء التي تُحق الحق وتبطل كل باطل، فهي أساس الصلاح، وفيها دواء كل داء.