العنوان الذين لا ينتفعون بالابتلاء.. حول قصة مصطفى أمين «لا»
الكاتب كمال الهلباوي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1974
مشاهدات 108
نشر في العدد 210
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-يوليو-1974
الذين لا ينتفعون بالابتلاء!
حول قصة مصطفى أمين «لا»
کمال توفيق الهلباوي
الأخ الفاضل الأستاذ/ مشاري محمد البداح
-حفظه الله- ورعاه
رئيس تحرير مجلة المجتمع الغراء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو الله العلي العظيم لكم كل توفيق ونجاح في جهادكم المخلص الصادق.. جهاد الكلمة الحق، ولقد بشر الله المجاهدين بالهداية من عنده جل شأنه فقال سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين﴾ (العنكبوت: ٦٩) . صدق الله العظيم .
أود أن أعبر لكم عن شكري كمسلم يدعو الله أن ترفرف راية الإسلام على العالم بأسره، ويعتصرني الألم لما أراه من انحراف المسلمين عن الشريعة الغراء إلى الجاهلية التي هي أشد وأنكى من جاهلية القرون الأولى.
ولشد ما کان أسفي وحزني عندما كنت أقرأ أخبار اليوم العدد ١٥٤٨ بتاريخ ١٦ من جمادى الآخرة الموافق ٦ من يوليو سنة ١٩٧٤ م، ووقع بصري بالصفحة الثامنة من ذلك العدد على حلقه من قصة تحت عنوان «لا» التي يكتبها الصحفي مصطفى أمین، بعد أن كان حبيس السجن بضع سنين، وبعد أن من الله عليه بالحرية، فخرج من السجن ليسجن نفسه من جديد ويصبح أسيرًا للذة الخروج من السجن؛ فينسى ما كان قد ألمَّ به من آلام ويفترى على الله الكذب، ويبدأ في نشر تلك القصة التي قد تكون أو لا تكون، ونسي أن الكراسي لا تدوم ونسى قول الله سبحانه وتعالى:﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (الإسراء : ٨).
وليس هذا هو وجه الاعتراض، لكن المصيبة أعم وأشمل؛ فلقد قرأت ما كتبه الصحفي مصطفى أمين وهو يصف جمال بطلة قصته إحدى الممثلات الغانيات، فيقول من بين ما قال: «إن بعض النساء خلق فمه للطعام والثرثرة، ولكن هذا الفم خلق للَّثم، كأن الله رسمه على شفتيها وكتب عليه: لا يستعمل إلا للقبلات»، وكلمات أخرى كثيرة في وصف مفاتن تلك الفانية. حاشا لله يا مصطفى.. هل هكذا يكون الأدب مع الخالق سبحانه وتعالى؟ ليعلم مصطفى أمين أن الله سبحانه وتعالى لا يرسم، لكنه جل شأنه يخلق، وخلق الله متجدد دومًا وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُون﴾ (النحل: ٨).
فكيف يفتري مصطفى أمين على الله سبحانه كل هذا الافتراء؟ رغم الحرية التي من الله بها عليه من قريب ليبتليه فإمّا شاكرًا وإمّا کفورًا، فكان أسيرًا لصحافته مرة أخرى ولأخبار يومه مرة ثانية ولخيالاته وأوهامه، ونسى أنه عبد لله، ولعله يفيق فيرجع فيدرك أن الله -سبحانه وتعالى- ليس بغافل عما يعمل الظالمون.
لقد ظلم مصطفى أمين نفسه وظلم الصحافة في مصر مرة أخرى، فكيف يتجرأ ذلك الكاتب ويستطرد في سرد تلك القصة التافهة التي تدعو إلى النار والوقوع في حبائل الشيطان.
«امرأة تسكن بيتًا دون زوج أو أخ، تستقبل رجلًا لا يعرفها ولا تعرفه وهو خارج من السجن، ثم يدور بينهما كل ذلك الحديث الذي ذكره مصطفى أمين، ويتطاول الرجل الغريب عليها، وتتطاول هي الأخرى عليه بالكلام أحيانًا ويتبادلان السباب أحيانًا أخرى ثم يعود الصفاء وكأن شيئًا لم يكن.
هذا هو الاستغفال الحقيقي للناس وللقراء، وهذا هو الافتراء على الله.. الكذب بغير الحق، وإن كان هذا الصحفي يريد أن يستمر في كل ما يكتبه دون مراعاة لحدود الله ظنًّا منه أن الله قد أفلته فهو خاطئ، وإن قضاء الله لآتٍ، ولسجن الآخرة أشد وأقسى.. سجن دائم ليس فيه قرارات إفراج أو عفو إلا بإذن الله، لمن كان يخشى الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا «وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا».
وإذا كان مصطفى أمين يهدف إلى التدليل على مساوئ العصر السابق التي لا تحتاج إلى تدليل، فإنني أود كمسلم أن أوضح له أن الإنسان ظالم لنفسه ولمجتمعه وبلده وأمته، وظالم للعالم كله ما لم يدعُ إلى الله، وإلى إقامة حكم الله وتمكين الشريعة الغراء في الأرض حتى نسعد في الآخرة.. تلك الشريعة التي ارتضاها الله للبشر أجمعين، والإنسان ظالم لكل هؤلاء وهؤلاء ما لم يكن قدوة لغيره، خاصة إن كان يدَّعى أنه من رجال الفكر والإعلام.
وأحب أن أوضح حقيقة يجب ألّا تخفى، هي أن من ظُلِمَ هو الذي يحق له الجهر بالسوء من القول، ويحق له أن يفند الأسباب التي دعت إلى ظلمه، ويعلم مصطفى أمين يقينًا أن العشرات ظلموا في الحياة الدنيا، بل المئات والآلاف، نظرًا لقولهم الحق في مواجهة الطغيان، ولم يُزجّ بهم إلى السجون بتهمة الخيانة أو التعامل مع دولة أجنبية أو في قضايا أخلاقية.
الأخ الأستاذ مشاري محمد البداح حفظه الله ورعاه.. اكتب إليكم هذه الرسالة وأنا أتعجب من ظلم الإنسان نفسه، ويردني إلى الحقيقة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ (إبراهيم: ٣٤). صدق الله العظيم .
وأدعو الله جلت قدرته أن يخلصنا أفرادًا وجماعات وشعوبًا وحكامًا ودولًا من ظُلمنا أنفسَنا وغيرَنا، وأن يخلص مجتمعاتنا الإسلامية مما انحدرت إليه من ذل وهوان وعبودية لغير الله سبحانه وتعالى، وأن يُعبِّدَنا له وحده سبحانه وتعالى عما يشركون، إنه نعم المولى ونعم النصير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
کمال توفيق الهلباوي
الرابط المختصر :