; الذراع الأمريكية لا تستغني عن الدبلوماسية البريطانية | مجلة المجتمع

العنوان الذراع الأمريكية لا تستغني عن الدبلوماسية البريطانية

الكاتب أيمن علي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 24-فبراير-1998

 لندن: 

     الأزمة الحالية بشأن التفتيش عن الأسلحة العراقية من الناحية الدعائية وحتى الآن أديرت بطريقة أكثر كفاءة عنها في حرب إخراج القوات العراقية من الكويت، ولعبت أجهزة الإعلام والدبلوماسية البريطانية الدور الأساسي فيها، وكان الدور الأمريكي محصورًا إلى حد كبير في تهيئة الحشد العسكري اللازم لضرب العراق، مع حماية دول الخليج من أي رد فعل محتمل من بغداد.

     يتم ذلك في ظل غياب موقف عربي مشارك، ولا شك أن أحد أسباب غياب الموقف العربي -الرسمي أساسًا- هو أن الأزمة الحالية بين العراق والأمم المتحدة، أما عام ۱۹۹۰ م و۱۹۹۱م فقد كان العراق يحتل الكويت، وكان على العرب اتخاذ موقف، تساوى في الأهمية -خاصة في بداية الأزمة- مع المواقف الغربية، ومنذ تحرير الكويت وفرض الحصار على العراق عام ۱۹۹۱م ترك أمر العراق للأمم المتحدة والولايات المتحدة بشكل رئيسي وحين تحدى العراق عمليات التفتيش عن أسلحته تعرض لصواريخ أمريكية -فقط- عامي ١٩٩٣م و١٩٩٦م بأوامر من جورج بوش وبيل كلينتون.

     الأزمة الحالية اتسع نطاقها فلم تعد تكفي عدة صواريخ أمريكية لحلها، وبعد سبع سنوات من حرب الخليج وعمليات التفتيش والحصار الاقتصادي أصبح من الضروري وضع أسس جديدة لشرعية التعامل الدولي مع العراق، وذلك بالطبع أمر لا يستطيع الأمريكيون وحدهم القيام به؛ لأنه يحتاج لمهارة دبلوماسية وحنكة سياسية لا تتمتع بها الإدارة الأمريكية، وتجدها دائمًا -خاصة حين يتعلق الأمر بالمنطقة العربية- في لندن.

     صحيح أن أسلحة العراق غير التقليدية أمر يهم دول الخليج، إلا أنها لم تتمكن -عمليًا- من اتخاذ موقف موحد من الأزمة الحالية- بالضبط كما كان حال ما تسمى بدول الطوق تجاه عدد مشترك هو الكيان الصهيوني.

        ونعود إلى بداية الأزمة، فقد جاء أول تصريح رسمي عن تطوير العراق لأسلحة غير تقليدية على لسان وزير الخارجية البريطاني روبن كوك أثناء زيارته للصين الشهر الماضي حين أكد أن العراق مستمر في إنتاج أسلحة جرثومية، وأن لديه القدرة على إنتاج رأسين جرثوميين أسبوعيًا، وبعدها تفاعلت أزمة «القصور الرئاسية» العراقية حتى وصلت إلى قمتها التي قد تؤدي إلى هجوم عسكري مكثف على العراق يستمر لعدة أيام في حال فشل الجهود الدبلوماسية مع القيادة العراقية كي تسمح للمفتشين الدوليين بدخول أي مكان في العراق بحرية وبدون شروط.

     وبدأت الولايات المتحدة التحضير للعمل العسكري وتعزيز قواتها في الخليج، ثم تلتها بريطانيا كأول دولة تؤيد الموقف الأمريكي بشكل كامل، وإن أصبحت غير وحيدة الآن مع مشاركة دول غربية أخرى. 

     وبرز الدور البريطاني أكثر فأكثر مع سعي روسيا وفرنسا للتوصل إلى حل دبلوماسي، وكانت تلك المقترحات التي حاولت الجامعة العربية في شخص أمينها العام د. عصمت عبد المجيد أن تكون جزءًا منها، وتقضي بسماح العراق بتفتيش المواقع الرئاسية لكن بشروط مثل وضع مدة زمنية محددة بشهرين للانتهاء من تفتيشها، وتشكيل فريق خاص لهذه المهمة غير فرق التفتيش التابعة للجنة الخاصة التي يرأسها الدبلوماسي الأسترالي ريتشارد بتللر، ويتهمه العراق بأنه عدو يعمل على إطالة أمد التفتيش لإطالة أمد الحصار.

     وسارع الدبلوماسيون البريطانيون بداية هذا الشهر في إعداد مشروع قرار يعرض على مجلس الأمن بمجرد طرح المقترحات العراقية المتفق عليها مع الروس والفرنسيين والجامعة العربية، وكان المشروع البريطاني يهدف بالأساس إلى التأكيد على أن المقترحات لا تلبي متطلبات قرارات مجلس الأمن، ويكون ذلك بمثابة التفويض اللازم لاستخدام القوة، حتى لو لم تشارك بقية الدول الغربية في الهجوم.

       إلا أن الموقف الصيني، ورفض بعض الدول العربية تأييد اللجوء إلى القوة لإجبار العراق على الخضوع للقرارات الدولية- جعل البريطانيين يتأنون قليلًا، ويمدون في الأمد أمام الجهود الدبلوماسية لاعتبارات أخرى كذلك، ويذكر هنا أن الموقف الروسي لا يهم لندن وواشنطن كثيرًا؛ فهم يدركون أنه لفظي في جوهره، وموسكو التي تعتمد على دعم الغرب لن تستطيع منع بريطانيا وأمريكا من عمل شيء، أما الفرنسيون فهم يقدمون مصالحهم وإذا كانوا يلعبون على حبل الحفاظ على أولوية تفضيلية لهم في التعامل التجاري مع العراق في حالة رفع الحصار، فإنهم حين يجد الجد لن يتركوا لندن وواشنطن تنفردان بمزايا ضرب العراق والدفاع عن الشرعية الدولية، وعن الخليج أولًا وأخيرًا، ويراهنون هم على الحصان الخاسر، أما الصين فحساباتها تختلف خاصة في تعاملها مع الغرب؛ إذ تريد أن يكون التعامل على قدم المساواة قدر ما تستطيع بكين، لكن في حالة فشل الجهد الدبلوماسي فلن يتجاوز الموقف الصيني الامتناع عن التصويت على قرار بصيغة بريطانية يوفر غطاء دوليًا للضربة العسكرية. 

     وعلى مدى الأيام الماضية سارت التعبئة الدولية على مسارين: استنفاد الجهود الدبلوماسية، والإعداد للضربة العسكرية، وفي السياق الأول طرحت الفرصة الأخيرة أمام العراق لتفادي تعرضه للضرب بزيارة يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة إلى بغداد، على أن يحمل الأمين العام معه مشروعًا بريطانيًا أعد بعناية كي يشكل مخرجًا للأطراف جميعًا، ويقضي المشروع البريطاني بأن يسمح العراق بتفتيش القصور الرئاسية دون قيود زمنية أو شروط تتعلق باستبعاد اللجنة الخاصة، وفي المقابل يعيد الأمين العام (ومجلس الأمن) النظر في تشكيل فريق اللجنة الخاصة الذي سيفتش القصور، بمعنى أن يضم ممثلين للدول الخمس الأعضاء في المجلس إلى جانب فريق التفتيش الأصلي التابع للجنة بتللر، وفي ذلك إرضاء -صوري فقط- للعراق بأن ملاحظاته على تشكيلة فرق التفتيش أخذت في الاعتبار، أما في الواقع فإن المكون الأساسي للفرق لن يختلف كثيرًا.

       ولم يكن بإمكان أحد حل الأزمة، وإنقاذ ماء وجه العراق دون مكافأته بشيء أو حتى السماح له بأخذ زمام المبادرة، وأن يحقق بالدبلوماسية ما لم يكن ممكنًا تحقيقه بالحرب، لم يكن بإمكان أحد سوى الدبلوماسيين البريطانيين أن يقوم بذلك، وتاريخهم في صياغة قرارات دولية غير حاسمة ومفخخة تاريخ عريض، وليس أدل على ذلك من القرار (٢٤٢) الشهير الخاص بالصراع العربي الإسرائيلي، والذي لايزال محل جدل منذ أكثر من ثلاثين عامًا، والذي وضعه سفير بريطانيا في الأمم المتحدة عام ١٩٦٧م.

     ومن المهم هنا التأكيد على أن البريطانيين لم يأخذوا في حسباتهم أي معارضة لشن هجوم على العراق، لكن الهاجس الرئيسي كان أن مثل هذا الهجوم الذي قد لا يحقق أهدافه بدقة في ضرب قدرات العراق على إنتاج الأسلحة غير التقليدية، ربما لا يسمح بعد ذلك باستمرار عمليات التفتيش الدولية بالشكل الذي سارت به على مدى السنوات السبع الأخيرة، خاصة أن المفتشين الدوليين تمكنوا في هذه السنوات السبع من تدمير أسلحة عراقية تزيد على ضعف ما دمرته قوات التحالف في قصفها للعراق عام ١٩٩١م.

الإرهاب الجرثومي:

     أما في سياق التعبئة للحرب فقد برع الإعلام البريطاني -أكثر من الأمريكي- في كشف الكثير من القصص والقضايا المثيرة التي تعد الرأي العام لضرورة توجيه ضربة قاصمة للعراق الذي يشكل خطرًا ليس فقط على جيرانه في الخليج، بل على العالم أجمع، وأدل مثال على ذلك ما تركز عليه وسائل الإعلام البريطانية في الأيام الأخيرة من احتمالات رد العراق بأعمال انتقامية عن طريق عملاءه في لندن وواشنطن الذين يمكنهم تفجير عبوات جرثومية أو كيماوية. 

     وبدأ الإعلام البريطاني يتحدث عما يسمى «الإرهاب الجرثومي» و«الإرهاب الكيماوي» وبدأت إدارة الحرب الكيماوية والبيولوجية في وزارة الدفاع البريطانية تعقد اجتماعات مع رجال الشرطة، وترسل خبراء للولايات المتحدة لوضع الترتيبات لمواجهة أي عمليات «جرثومية» أو «كــيـــمـــاوية»، في لندن أو واشنطن، وتنشر الصحف البريطانية يوميًا معلومات تشيب لها الرؤوس عما يمكن أن تسببه كمية في حجم عبوة ملعقة شاي من ميكروب «طاعون الجمرة الخبيثة» أو لتر من غاز الأعصاب والذي قد يسفر عن مقتل عشرات الآلآف من البشر.

      وبدأ الخبراء يدلون بدلوهم في شرح كيف يمكن تهريب كميات معقولة في عبوات معدلة من تلك التي تستخدم لإبادة الحشرات أو حتى على شكل المواد المعطرة لأجواء البيوت.

     وقد بدأت السفارة الأمريكية في لندن في تركيب متاريس خاصة حولها لحمايتها من أي هجمات، وكذلك السفارة الإسرائيلية في حي کنزجنتون، وتتكرر في وسائل الإعلام البريطانية الحملة نفسها التي سبقت وتلت حرب الخليج عن قيام شركات بريطانية بتوريد مواد أساسية تستخدم في تطوير الأسلحة الجرثومية والكيماوية للعراق.

      وقد تجاوز الأمر حدود وسائل الإعلام مع فتح تحقيق رسمي مع شركة بريطانية هولندية حصلت على ترخيص من وزارة التجارة البريطانية بتوريد مكونات مزارع ميكروبات وبكتيريا للعراق في الفترة من ١٩٩١م حتى ١٩٩٤م، وتستشهد معظم وسائل الإعلام، في الحديث عن مخاطر استخدام المواد الكيماوية والجرثومية بحادث تسريب الغاز السام في مترو الأنفاق في طوكيو عام ١٩٩٥م، والذي أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، ويعتقد أن جماعة دينية متطرفة هي التي قامت بذلك، ولم يقتصر الأمر على الشركات البريطانية فهناك أنباء وتقارير عن مساهمة شركات ألمانية في توريد مثل هذه المواد للعراق.

     أما روسيا فكان نصيبها الكشف عن قيام مندوبها لدى الأمم المتحدة سرج لافروف بإمداد العراق بمعلومات سرية عن نشاطات مجلس الأمن ومداولاته الخاصة، وعن خطط لجنة التفتيش قبل تنفيذها، وكان مصدر المعلومات الدبلوماسيون البريطانيون في الأمم المتحدة.

      وأخيرًا ربما يكون للولايات المتحدة الذراع العسكري الأطول، والمبادرة التقنية العسكرية، إلا أن الدبلوماسيين والإعلام البريطاني لهما الدور الأكبر في احتواء العراق دبلوماسيًا أو عسكريًا.

من المسئول؟

     الصحافة الأمريكية والبريطانية تتحدث عن قائمة الممنوعات العراقية بدقة شديدة، فهي تعرف بالضبط عدد لترات البوتولينوم والإنتراكس، وعدد خلايا بكتيريا «الكلوستريديوم بیرمزنيجنز» والإسبريجيلاس فلافوس التي يملكها العراق وغيرها.

     وواضح أن هذه الصحافة لا تتحدث من فراغ، ويبدو أنها حصلت على نسخة من الفواتير التي باعت بموجبها الشركات الأمريكية والبريطانية هذه المواد للعراق.

والقناة الرابعة تكشف: أعلنت القناة الرابعة في التليفزيون البريطاني أن وثائق في السجلات الأمريكية أظهرت أن الولايات المتحدة وبريطانيا ساعدتا العراق على الحصول على القدرات الضرورية لصنع أسلحة كيماوية وبيولوجية، تريد الدولتان حاليًا تدميرهما، وأن الولايات المتحدة سلمت العراق بين ١٩٨٥م و۱۹۸۹م نحو (١٤) دفعة من المواد البيولوجية المختلفة بما في ذلك أنواع من البكتيريا.

     وقد يقول قائل: إن ذلك كان بهدف تدمير إيران وحدها، ولكن القناة الرابعة تضيف: إن بعض هذه الدفعات سلم إلى العراق بعد أن استخدمت بغداد غازات سامة ضد الأكراد في عام ١٩٨٨م، ومع ذلك يظل الأمر محتملًا، ولكن القناة الرابعة تأبي السكوت إذ تضيف أن الولايات المتحدة جمدت بعد حرب الخليج طلبًا عراقيًا للحصول على مواد من أجل حماية قواته من غازات الأعصاب السامة، ولكن بغداد التفتت إلى بريطانيا التي زودتها بالمواد المطلوبة في مارس ۱۹۹۲م.

     وأن العراق اشترى موادًا سامة أخرى من الولايات المتحدة، في حين أن هيئة الطاقة الذرية في بغداد حصلت على مواد لجينات آدمية وبكتيريا كولي للاستخدام كعامل وسبط.

     وأضافت أن ما لا يقل عن (٢٩) طردًا من تلك المواد أرسلت بعد أن استخدم العراق غازات سامة في هجوم على بلدة حلبجة الكردية في ۱۹۸۸م مما أسفر عن مقتل خمسة آلآف شخص. 

     وقد أبلغ ستيفن برين وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الدفاع الأمريكية قناة التليفزيون البريطاني الرابعة «أنه مع زملاء قليلين حاولوا جاهدين وقف تلك الصادرات» لكن يبدو أن هناك من كان يفهم أكثر منهم في البنتاجون.

الرابط المختصر :