العنوان الذاتية في العمل
الكاتب محمد المرشد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 90
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
صفة الذاتية في حياة الدعاة
يتفاوت الدعاة إلى الله من حيث تكامل جوانب شخصياتهم ومقدار البذل
والعطاء والفهم لواجباتهم وتبعاتهم، ومن أبرز الجوانب التي يظهر بها هذا التفاوت
وأهمها، بل هو الميزان الحقيقي لتقييم الأخ في أي حقل كان، هو مقدار ما يحوزه من
صفة الذاتية، فبمجرد وجود الذاتية لدى الداعية سيضاعف العطاء ويظهر جانب التجديد
والارتباط نظراً لوجود التفكير المستمر في الدعوة، ولو أردنا أن نتعرض إلى تعريف
هذه الصفة بإيجاز فنستطيع أن نقول:
إنها اندفاع الأخ عند مزاولة أي عمل بمجرد التلميح أو الإحساس بحاجة
هذا العمل وأهميته للأخوة والدعوة دونما تكليف أو متابعة أو منافسة؛ اندفاعاً
طالباً للأجر أولاً ثم إحساساً بواجب الجندية والتربية الذاتية، فقد يكون المنتفع
من وراء هذا العمل الدعوة عموماً أو المركز أو المحضن أو عموم الناس أو انتفاعاً
شخصياً ذاتياً.
وبالنظرة الفاحصة إلى سيرة سلف هذه الأمة نجد توافر هذه الصفة بصورة
واضحة وبارزة دفعت بأصحابها إلى أن يكون لهم شأن عظيم في واقع هذه الأمة، وقد
أناروا منارات الهدى وقدموا نماذج عظيمة بعد رسول الله ﷺ لمن أراد أن يتمثل ويتحلى
بهذه الصفة الكريمة اللازمة لكل من يدعو إلى الله.
لقد تمثلت أكثر ما تمثلت من بعد توفرها بالرسول ﷺ بشخص الصديق - رضي
الله عنه - خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه وأخيه. ولقد حاول عمر - رضي الله عنه - أن
ينافسه ويسابقه في مواطن كثيرة ولكنه لم يستطع. فقد ثبت في الصحيح عن عمر بن
الخطاب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق
أبا بكر إن سبقته يوماً، قال فجئت بنصف مالي، قال فقال رسول الله ﷺ: "ما
أبقيت لأهلك؟" قلت: مثله، وأتى أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ما عنده، فقال
له رسول الله ﷺ: "ما أبقيت لأهلك؟" قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت:
لا أسابقك إلى شيء أبداً، فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة، لكن حال
الصديق - رضي الله عنه - أفضل وهو أنه خال من المنافسة مطلقاً لا ينظر إلى حال
غيره، وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه كانوا سالمين من جميع هذه
الأمور، فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة مغبطة وإن كان ذلك مباحاً، بل هي درجة
من درجات الإيمان.
والحقيقة هنا مواقف كثيرة تتجلى فيها ذاتية الصديق - رضي الله عنه -
وأوضح ما نستأنس به في هذا المقام ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائماً؟" قال أبو بكر: أنا،
قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن
أطعم منكم اليوم مسكيناً؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليوم
مريضاً؟" قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: "ما اجتمعن في امرئ إلا
دخل الجنة".
أخي في الله.. هذا نموذج من النماذج التي تخرجت في مدرسة النبوة وضربت
لنا أكبر المثل بتأدية هذه الصفة والعمل بها، وللذاتية أكبر الأثر في تحصيل الأجر
والمثوبة واكتساب صفة الإخلاص، ولها الدور الكبير في تهذيب النفس وتقويم السلوك،
ويكفي ترغيباً للمسلم الذاتي في حركته وعمله آيات وأحاديث الأجر والثواب التي
بينها الله تعالى لكبير الأعمال وصغيرها.
ومن صور الذاتية التي ينبغي للداعية الاندفاع
إليها هي: 1-
الحرص على تنمية الخلق الإيماني لديه عن طريق المحافظة على صلوات الجماعة وحفظ
القرآن والحديث وصيام التطوع والقيام الفردي. 2- زيارة المريض والأقارب وقضاء حاجة
الإخوان في الله. 3- طلب العلم الشرعي والثقافة الإسلامية. 4- تنظيم الوقت وترتيب
المواعيد وتنسيق وعمل التكاليف. 5- المحاسبة المستمرة والتعرف على العيوب
وإصلاحها. 6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العام في مجال العمل والمنزل. 7-
إماطة الأذى عن الطريق وتنظيف المكان وخدمة الإخوان والمبادرة لأبواب الخير
جميعها. 8- الاتصال بالمدعوين وتكوين العلاقة وابتكار وسائل الجذب والتوجيه. 9-
الحرص على المبادرة إلى اقتطاع جزء من الراتب وإنفاقه في سبيل الله بصورة منظمة
واستشعار لذة الإنفاق.
حاجتنا للذاتية:
اعلم أخي الداعية أننا لو عدمنا هذه الخصلة نصبح مجرد منفذين لا
مستشعرين للأجر، وستظهر العيوب في كل فرد ثم تنتقل إلى الجماعة عموماً، وسيتحول
عندها العمل القائم على التقوى ومراقبة الله تعالى وطلب ثوابه إلى تكاليف
والتزامات وقتية ينتهي العمل فيها بانتهاء التكليف، وليعلم كل مسلم المقصود من
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَن أَجِدَ مِن
دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ).
فردية التبعة:
إن استشعار فردية التبعة لهو أكبر حافز للاندفاع في أداء الأعمال
والطاعات وإلا فصورة المقصد الناقص واضحة في قوله تعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ)، (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى)، (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ *
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)، فشعور
كل فرد أنه مجزي بعمله لا يؤاخذ بكسب غيره ولا يتخلص مما كسبه عما قوي في اندفاع
النفس ذاتياً لأداء الأعمال الصالحة النافعة التي تعود بالثواب له، وبالنفع والخير
لغيره، وتزيل كل مظهر من مظاهر إهمال النفس والتقاعس واللامبالاة.
نماذج للذاتية
ولقد ضرب صحابة رسول الله ﷺ أروع المثل التي قد لا تتكرر إلا نادراً
في الذاتية حرصاً على العمل الصالح. قال تعالى معقباً على حادثة وموقف لا يملك
أحدنا إلا أن يقف مندهشاً حائراً عن نفسية وتربية وإيمان هؤلاء الصحابة الكرام:
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا
أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا
أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) أي إيمان هذا وأي ذاتية تلك التي تجعل الإنسان
يبكي حزناً على فقد التعب والجوع والمشقة وصرف الأموال. أولاً: أتوا إلى النبي ﷺ
ولم يوجه لهم الأمر. ثانياً: لذعت قلوبهم الصادقة الحسرة والحزن حتى البكاء ولم
يفرحوا بتخلفهم عن الجهاد.
وصورة عمر بن الخطاب - الفاروق - وهو يتفقد رعيته ليلاً بحثاً عن
محتاج أو مظلوم أو أمر غائب عن ناظره وهو يحمل كيس الطحين على ظهره لأم الأطفال
الجياع، وإيقاده للنار ونفخها والدخان يخرج من بين لحيته، وهو يدعو امرأته لمساعدة
النفساء على الولادة وهي زوجة أمير المؤمنين وهو يفرض عطاء لكل مولود، كل ذلك كان
سببه صدق الإيمان أولاً مما تولد منه ذاتية عطائه وذاتيته، ويسعى جاداً تعباً
للتشبه بما يقدر منها.