الثلاثاء 28-فبراير-1978
لو أن عقلًا إلكترونيًّا من تلك العقول التي صنعتها أمريكا، أو وصيفتها على الطرف الآخر من محور «القوة» «روسيا».
لو أن عقلًا من عقول هؤلاء أو أولئك توافر على إجراء إحصاء دقيق لتلك الملايين من الرءوس البشرية التي انفصلت عن أجسادها في غير حرب وبلا ثمن.
وتلك الدماء التي سالت وأهدرت باسم شعارات «التقدمية» و«الثورية» و«الاشتراكية» و«القومية» وغيرها من الشعارات.
لو أن ذلك الإحصاء قد تم فعلًا لأثبت-بما لا يدع مجالًا للشك في رأينا- أن « الدم الإسلامي» هو أرخص الدماء في الأرض، خلال هذا القرن العشرين للميلاد الرابع عشر للهجرة.
- ففي آسيا، وعلى تخوم الحدود الذائبة بين القوتين الثانية والثالثة في العالم «روسيا والصين» يكاد يشم من له حس إسلامي روائح منبعثة، تدل على دماء زاد تعدادها على ثلاثين مليون مسلم، هم العدد التقريبي لضحايا الثورة الشيوعية التي ابتلعت هذا الجزء الآسيوي من عالم المسلمين.
وفي آسيا- أيضًا- غير روسيا والصين أكثريات أبید إسلامها، وأقليات ذاب كيانها وتعرضت هذه وتلك لأبشع أنواع المجازر.
- وفي أفريقيا حيث تعيش شعوب إسلامية لها أهميتها سلط على الدم الإسلامي «ثوريون» و«تقدميون»، نصبوا للأعناق الإسلامية آلاف المشانق، وحفروا «للدم الإسلامي» مئات القنوات واستوردوا «للجسد» المسلم أبشع وسائل التعذيب، وللعقل المسلم أسوأ أساليب القهر، وللنفس المسلمة أردأ أنواع الحروب النفسية.
إن قضية الدم الإسلامي الذي أهدر رخيصًا، وتواطأ العالم كله على إهداره، دون أن يرفع أحد في هذا العالم هذا عقيرته بما يسمى «بحقوق الإنسان».
هذا «الدم الرخيص» يحتاج إلى دراسة مستقلة وافية، تدين حضارة هذا العصر الذي يدعي أبناؤه التقدمية والحرية والعقائدية وحقوق «الحيوان».
ونبدأ حديثنا بتلك الكارثة التي حدثت منذ أقل من خمس وثلاثين سنة، وأبادت شعوبًا إسلامية كاملة تصل إلى ثمانية شعوب، كان لها رصيدها من حضارة الإسلام، ودورها في تاريخه وقد قدمت للفكر الإسلامي عباقرة وأفذاذًا أدهشوا العالم على امتداد العصر الإسلامي الوسيط، وحسبنا أن يكون صاحب الكتاب الثاني بعد القرآن واحدًا من أبناء هذه الشعوب.. إنه الإمام البخاري، وكفى.
وهذه الشعوب التي أبيدت هي «الكريمين، والتتار، والكالموك، والكرك، والشيشان ، والكولاك، والأنجاش، والألبان ». وقد كان عدد الشعوب السبعة الأولى نحو خمسين مليونًا، فنقص الآن إلى مادون الثلاثين.
وقد استولى الروس على بلادهم وأراضيهم في شهر فبراير ١٩٤٤. وذلك إثر خديعة سياسية قام بها «ستالين». واعتمد في خديعته تلك على زعم من أغرب المزاعم في التاريخ. هو أن هؤلاء الناس كان في «نيتهم»- ولاحظ كلمة نيتهم- أن يتعاونوا مع الألمان ضد الروس، أثناء وجودهم في روسيا.
وباسم هذا الزعم ضم هذا الإرهابي «أذربيجان، وقازکستان، وأزبكستان وتركستان، وغيرها»، أما ألبانيا فقد تسلمها شيوعيون ألبان سلموها لقمة سائغة للاستعمار الروسي، ثم تقلبت بها السياسة إلى الاستعمار الصيني. والغريب أن الصحافة العالمية لم تشر قط إلى أية معلومات عن الشعوب المسلمة السبعة التي اغتصبها الروس إبان الحرب العالمية الثانية.
-والغريب أن الوثائق والمعاهدات والاتفاقات التي أبرمت عقب انتهاء الحرب لم تشر قط إلى هؤلاء الناس.
-والغريب- أخيرًا- أن أمريكا وأوروبا قد تعاونتا مع روسيا والصين في قهر كل صوت يحاول أن يبرز قضية هذه الشعوب في المحافل الدولية، وبالتالي لم تدرج قضيتهم قط في الأمم المتحدة، ولا في محكمة العدل الدولية، ولا في غيرهما من محافل «حقوق الإنسان».
وعندما نمد الطرف إلى بقاع أخرى في آسيا قبل أن نعبرها إلى غيرها في تتبعنا لمسيرة مجرى «الدم الإسلامي» المتدفق سوف يرتد الطرف قليلًا، وهو يرى- على القرب- تلك السيول الحمراء التي تحف بشاطئ الخليج الإسلامي من جانبيه الإيراني والعربي.
-فبينما كانت شبه القارة الهندية يتعاون فيها الهندوس عبدة البقر- مع الإنجليز عبدة المسيح- على تصفية الدم الإسلامي، لدرجة أن الإنجليز كانوا يجعلون من إخواننا المسلمين الهنود بديلًا للدواب التي يسوقونها أمامهم لتكون ضحية قنابل «الألغام» الموضوعة في باطن الأرض.
-بينما هذا في شبه القارة الهندية، نجد على خطوات أقرب وأقرب ينابيع من الدماء الإسلامية، فجرتها حفنة شيوعية في اليمن الجنوبي الأحمر، وفي سوريا على يد البعث وفي قصر النهاية ببغداد البعثية، وفي تايلاند حيث يعيش أكثر من مليون مسلم.
وفي الفلبين حيث يقترب عددهم من مليونين.
وفي فلسطين المحتلة، وفي جنوب لبنان حيث تتعاون الطائرات السورية والمارونية والإسرائيلية على تعميق قنوات الدم الإسلامي.
وفي إندونيسيا يتقلب مصير المسلمين بين ضغط داخلي بقيادة سوهارتو، وضغط آخر يقوده التبشير والفاتيكان الآن.
وفي أفريقيا تأخذ المعركة أبعادًا جديدة؛ ففي هذه القارة تجدد الأمل الإسلامي على مشارف هذا القرن، وراج بين المسلمين أن القارة السوداء هي قارة المستقبل الإسلامي. ولئن كان أمل المسلمين قد خاب في بقاع مختلفة من العالم، فإن المسلمين قد اتجهوا ببقية رصيدهم من الأمل إلى تلك القارة، يأملون أن تكون الشعاع المتبقي.
ومع أن القوى الصليبية قد فشلت دينيًّا في داخل كياناتها- بحيث إن مكانة الدين قد هبطت في أوروبا وأمريكا إلى أسوأ الدرجات- فإنها قد رأت ضرورة تصدير «الدين» إلى الخارج، لكي تقف به أمام زحف الإسلام في القارة السوداء. ولما لم يكن الدين هو هدف هذه القوى الاستعمارية، فإنها عندما خاب أملها في أن تقف أمام زحف الإسلام، لم تر بأسًا أن تستورد الشيوعية وتهادنها، للوقوف أمام الدين الزاحف واللغة الزاحفة.
ونتيجة لهذه الجهود المكثفة من قبل الصليبيين وعملائهم الشيوعيين توشك أفريقيا اليوم أن تضيع من يد الإسلام.
-ففي نيجيريا التي تعتبر أكبر بلد أفريقي سالت الدماء الإسلامية بعنف وقسوة، وبطريقة خفية ولكن مكشوفة لم يكن يدري أحد لحدودها نهاية.
وكان أبرز حادث دموي هو مقتل المجاهد الرئيس «أحمد وبلو» وما تبعه من حكم نصراني ومن حركة انفصال «بيافرا».
-وفي البلد الأفريقي «الثاني» حيث تعيش أغلبية إسلامية كبيرة، وتوجد إمكانيات نهضة إسلامية قوية، تمكن التواطؤ الصليبي الشيوعي من التنكيل الدموي والإرهابي بالإسلاميين، حتى ليقول بعض المؤرخين: إن ما تعرض له الإسلاميون في هذا البلد على امتداد العقدين الأخيرين يعتبر من أكبر المذابح العقائدية في التاريخ.
- أما في «تنزانيا» حيث نجح طاغوت كبير هو «نيوجوس نيریري» في الوصول إلى الحكم، فقد أقام المشانق للمسلمين، وتقول إحدى الإحصائيات أنه تم القضاء على أكثر من عشرين ألف مسلم في بضعة أسابيع، وأن من جملة هؤلاء كان خيرة العلماء الزنجباريين.
أما في كينيا وتشاد والصومال فالدم الإسلامي يتأرجح بين السفك لأمور داخلية، ولاعتبارات خارجية.
وتأتي «حبشة» هيلا سلاسي، ومنجستو، لتُري العالم أبشع صورة للعداء للإسلام.
ولقد عمل بكل قوته على تصفية المسلمين، وعلى تنصيرهم، وبما أن تنصيرهم كان مستحيلًا، فقد فرض عليهم أسوأ ظروف الحياة المتخلفة. وما كان موقفه، ولا موقف الدكتاتور الحالي، منجستو، من مسلمي إريتريا والصومالي الغربي بمدنه الإسلامية العريقة وعلى رأسها «هرر» إلا جزءًا من احتقار الدم الإسلامي وإنسانية الإنسان المسلم.
-هذا الإنسان المسلم الذي أبرز إلى الوجود في قوله وسلوكه أبرز صور التسامح، وحمى الجنس اليهودي من الانقراض على يد المتعصبين من النصارى، هذا الإنسان تحول إلى ما كان عليه اليهودي المنبوذ، في مدن أوروبا في العصر الوسيط.
وإذا كنا نحن المسلمين قد سعدنا بالإفراج عن المطران «كابوتشي» من سجون إسرائيل، بعد الضجة العالمية التي أثيرت حوله، فكم كنا نتمنى أن تقوم ضجة قريبة منها لعشرات الألوف من المسلمين المعتقلين بلا ذنب، وعشرات الملايين من المسلمين المضطهدين في آسيا وأفريقيا، لمجرد أنهم ينتمون إلى الإسلام. إننا نريد مساواة في العدل.
ونريد ألّا يسجن المسلم بلا جريمة، وألّا تعقد له محاكم خاصة، وألّا يباع دمه- وحده- بأرخص الأثمان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل