; الدين ومشكلة الجوع (1) | مجلة المجتمع

العنوان الدين ومشكلة الجوع (1)

الكاتب عبدالله السامحي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975

مشاهدات 10

نشر في العدد 256

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-يوليو-1975

كان الجوع ولا يزال من أشد الكوارث على البشرية، وخلال التاريخ كان تهديد المجاعة من أشر مخاوف الجنس البشري في العالم- وما من أحد إلا وعانى من الجوع في وقت أو آخر ولو في حالاته المخففة جدًا.

والجوع هو الإحساس الناجم عن النقص المديد للغذاء، وسوء التغذية هو حالة الجسد عندما لا ينال أنواع الطعام اللازمة في كميتها الكافية، ويعرف الجوع من الشهية للطعام التي هي شعور سار لطيف يسبق التهيؤ للأكل.

والأكل هو أحد أكثر النشاطات الإنسانية أهمية وهو ضروري لحفظ الصحة والحياة. والجنس البشري- كالحيوان- لديه دافع فطري قوي يجعله يهتم بالحصول على الطعام والجوع والشهية هما العاملان الجسديان اللذان يدفعان لذلك، والشهية تؤكد أن الإنسان يأكل بانتظام عندما يكون الطعام لازمًا وهو ينال متعة من الأكل.

ويصل الإحساس بالشهية من جزء من الدماغ يعرف بالهيبوثالاموس ويقع في قاعدة الجمجمة وإذا أُتلف هذا الجزء من الدماغ بسبب ما كطلقة نارية مثلًا أو بإجراء تجريبي على الحيوانات، فإن عادات التغذي تتغير. والقسم من الهيبوثالاموس المتعلق بالشهية يقسم إلى قسمين: قسم يؤثر في وجود الشهية وإنمائها والآخر يؤثر في إخمادها- فإذا أُتلف هذا القسم الثاني فإن الإنسان يستمر في الأكل حتى بعد أن ينال ما يكفي حاجة جسده وهذا النهم المستمر الدائم للطعام يجعله مفرط البدانة..

وبالمقابل إذا أُتلف القسم الآخر المتعلق بتنمية الشهية فربما يفقد الإنسان الاستمتاع بالطعام تمامًا وهذا يعتبر أساس مرض نادر يسمى «فقد الشهية للطعام».

عندما يفقد المريض الرغبة في الطعام إطلاقًا ويذوي تدريجيًا.. ويرافق هذا المرض غالبًا الاضطرابات النفسية الحادة أو اختلال وظائف المراكز الدماغية العليا.

ويتعلق تنظيم كمية الطعام المأكولة بالشهية إلى حد بعيد، بغض النظر عن نوعية الطعام المطلوبة اغتذائيًا- ويستهلك الرجل المتوسط ما يعادل وزنه عدة مرات من الطعام سنويًا ليحافظ على وزنه بزيادة طفيفة.

وفي الحالات السوية، تقرر الشهية مقدار الطعام الذي على الإنسان أن يتناوله فهي بذلك عامل مهم في ضبط وزن الجسم وزيادته.

وعندما لا يوجد ما يأكله الإنسان فإن دافعًا أقوى من الشهية يكون مطلوبًا لأجل حث الإنسان على أن يبذل ما في وسعه للحصول على الطعام وتناوله، ذلك هو الجوع الذي يستتبع آلامًا منغصة لتذكر الإنسان بأنه لم يأكل وواضح أن لذلك قيمة حيوية كبرى إذ إن الجسد يجبر بها على التفكير في أنه لم يأكل.

وأول ما تكون آلام الجوع يشعر بها كوخز حاد يتناوب الحدوث باستمرار في المعدة، وفي الوقت ذاته تقاسي المعدة الفارغة من تقلصات حادة..

ولكن يبدو أن هذه الآلام لا تنبثق هناك في الأصل. لأنه يشعر بها أيضًا من استؤصلت معدتهم، كما في عمليات إزالة المعدة بسبب السرطان وحتى قطع العصب المعدي، ومن المعروف حاليًا أن وخزات الجوع يبدأ الإحساس بها عندما تنخفض نسبة السكر في الدم عن نسبة معينة ولا يعتبر جميع الناس الجوع شرًا فإن كثيرين من الناس خلال التاريخ قد امتنعوا عن الطعام عمدًا وبملء تفكيرهم إما لأسباب دينية أو روحية- على زعمهم.

ويعتبر الصوم في أديان كثيرة كوسيلة للتطهر، تأخذ بيد الأتباع من النفسية الشهوانية لتتقرب من النسك.. ولكن ليست كل الأديان تشجع الصوم الممتد الذي يمارسه بعض المتصوفين الشرقيين، ولكن أكثرها يفرضه لفترة معينة من السنة كالصوم الكبير عند النصارى والفصح عند اليهود، وصوم شهر رمضان عند المسلمين.

ويتخذ الصوم عادة مواقف نفسية محددة ترتبط إما بالامتناع عن المحرمات: الذي هو نوع من التقوى يبدو في الحذر من الضرر عامة سواء كان هذا الحذر في الطعام أو عادات الأكل أو في الممارسات السيئة وفي ذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

وهو يحل الطيبات ويحرم الخبائث وينهى عن التبذير ويأمر بالصوم المعتدل -في صورته الإسلامية- كوسيلة للتقوى وصفاء النفس وتربية الجسد والإحساس بشعور المحرومين ومواساتهم ولأجل معرفة نعمة الله تعالى وتقديرها «الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق.. اللهم اغفر لي».

ولقد حرم الدين الإسلامي الصوم المتواصل بقصد حط قوى الجسم أو التنسك، الذي هو دافع بعض المذاهب غير الإسلامية التي تزدري الجسد وتؤمن بتحقيره للوصول إلى صفاء المستوى المقدس، فيكون بذلك عقوبة يوقعها المرء بنفسه للخلاص من قوى الشيطان التي تخضعه للتجربة -على حد زعمهم- ويعتبر الإسلام الامتناع عن الطعام حتى الموت نوعًا من الانتحار، ونجد أكثر من هذا النوع مغالاة لدى الهندوس.

والذي نجد من صوره لديهم الآن فيما يسمى بفقراء الهنود وفكرة الشحاذ المقدس الذي يعيش متشرًدا متزهدًا لا يمارس عملًا ولا يؤدي فائدة ويمارس في كثير من الأحيان رياضات عاتية تجعله بعيدًا عن الواقع الإنساني المفيد. ولذلك يمجد هؤلاء القذارة والضعف وكل ما هو سلبي وقد يتخذ الامتناع الإرادي عن الطعام أشكالًا أخرى: فهناك المضربون عن الطعام احتجاجًا على الاستبداد والظلم كمثل صوم المهاتما غاندي الطويل أثناء المقاومة السلمية ضد الحكم البريطاني في الهند.

كان غاندي يحمل اعتقادًا تقليديًا بأن الامتناع عن الطعام وممارسة التنسك هما من الامتيازات الرائعة ولذلك كان اقتناعه بأن هذا الامتناع الطوعي منبع للقوة وهذا ما يفسر تقييده على نفسه وما عرف به من نبذ الراحة واتخاذ الموقف السلبي من الجنس وطلب ممن حوله أن يقلدوه في ذلك وكان يندد بالرغبة في الزواج.

إن هذا الموقف يبدو مستنكرًا في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي الحديث ولكن له سابقة في الزهد الأعجمي وفي الرهبنة المسيحية الباكرة.

وكصوم رئيس بلدية كورك الذي سجن أثناء المقاومة الأيرلندية من أجل الاستقلال: صام لمدة شهرين حتى الموت.

ويستعمل الصوم أيضًا كوسيلة معالجة طبية للسمنة الزائدة وللرجوع بالوزن إلى المعدل السوي، وقد يحتمي بعض السمان لمدة سنة وتكون النتائج مشجعة جدًا.

ويستطيع إنسان ممتلئ الجسم أن يبقى على قيد الحياة لفترة طويلة من الزمان مع الامتناع عن الأكل إذا توفر له مزيد من السوائل، ربما لمدة شهر أو أكثر، وقدرته على الاحتمال تتبع مقدار المواد الغذائية الاحتياطية المكتنزة في أنسجة جسمه. وهكذا يحتمل البدين نقص الطعام مدة أطول من الشخص الهزيل، والنساء عادة أكثر احتمالًا للجوع من الرجال. والأطفال والمسنون أسوأ الناس احتمالًا للجوع، ويظن بأنهم المسؤولون الأُول عن المجاعات.

وبعد البدء بالصوم بفترة وجيزة يبدو الحس بالجوع أقل بروزًا ويتبع ذلك صفاء الذهن، فإذا استمر أكثر من ذلك أدى إلى الهلوسة، والمرحلة الأولى من الصفاء الذهني هي التي يبغيها الصوم الديني.

وإذا استمر هذا الإمساك الكلي عن الطعام لفترة طويلة فإن الخمول الانحطاطي والخدر والتبلد يغدو وشيكًا، يسبق الموت بقليل.

ومما يتضمنه العمل في البدن خلال الإمساك عن الطعام هو الدفع الآلي لمصادر الطاقة الاحتياطية للإبقاء على درجة حرارة البدن ولضمان استمرار الأعمال الجسمية الضرورية، وأول الأسس المستنفدة هي احتياطي الشحوم في البدن التي تحرق من أجل الطاقة، فإذا استنفدت الأذهان فإن العضلات والمصادر الأخرى للبروتين تستدعى لإنتاج الطاقة، والملجأ الأخير هو أن يستهلك الجسد أنسجة الأعضاء الرئيسية كالقلب والكبد والكليتين وبعد هذه المرحلة الأخيرة لا يتأخر الموت.

ولذلك فالجسد يوفر مدخراته ليضمن الحياة لأطول ما يمكن، ولذلك يكون الجوع حتى الموت موتًا طويلًا مؤلمًا، ذلك أن آلية الحفاظ على الحياة الجسدية تستمر في العمل لأطول ما يمكنها ذلك.

والجوع وسوء التغذية هو بلية ملايين الناس.. وتقاس الطاقة الغذائية بالكالوري السعر الحراري وتتوقف كمية الحريرات المطلوبة في الوجبة على عدة عوامل: عمر الإنسان وجنسه، ومقدار الجهد المبذول في عمله وحرارة البيئة أو برودتها حيث يجب صرف كمية كبيرة من الطاقة للمحافظة على الحرارة الغريزية.

والمواد الغذائية الرئيسية هي البروتينات وماءات الفحم الكربوهيدرات والدسم والبروتينات هي أحجار بناء الجسم فهي تستخدم لتكوين جدران الخلايا، وتصنع العضلات والأعصاب والدم ومختلف أعضاء الجسم وللتغلب على الجروح والحروق وترميمها، وتستعمل لإنتاج الطاقة، و«ماءات الفحم» هو الاسم المطلق على السكريات والنشويات التي غالبًا ما تكون معظم الوجبة وعليها تعتمد أكثر الطاقة المتاحة.

ويحتاج المرء إلى حد أدنى من ماءات الفحم ليمنع التأثير السيئ الناتج عن مخلفات تحلل البروتينات والدسم.. وبعض الدهن الحيواني ضروري لإنتاج المواد الدسمة الحيوية التي لا يستطيع الجسم صنعها بنفسه ولا بد من كمية معينة من كل من هذه الأغذية لتكون وجبة غذائية متزنة.

يضاف إلى ذلك ضرورة وجود مركبات معينة أساسية هي الفيتامينات التي يسبب فقدانها بعض أمراض العجز المعينة.. ووجبة منوعة تحتوي على الحليب والخضار والفواكه واللحوم أو بروتين آخر والحبوب تزود الإنسان بما يحتاجه من الفيتامينات المطلوبة لصحة سوية.

والتغذية السيئة نتيجة وجبة غير متكافئة سواء كانت قليلة إلى حد أنها لا تكفي لتزويد الجسم بطاقاته اللازمة مما يجعلها في هذه الحالة نوعًا من التجويع البطيء أو وجبة ينقصها واحد أو أكثر من العناصر الغذائية الأساسية.

ولقد حدد خبراء التغذية الحدود الدنيا من الأغذية اللازمة للحفاظ على الصحة ولكننا نجد أن كثيرًا من الناس في آسيا وأفريقيا وغيرها لا يستطيعون تأمين غذاء بروتيني كافٍ مما قد يؤدي إلى كثير من أمراض العجز كـالكواشيوركور وهو مرض يتصف بالضمور العضلي وانتفاخ البطن وإذا لم يعالج فإنه يؤدي إلى الموت والمعالجة هي تغذية تحتوي على كمية البروتين المطلوبة، وتحدث أمراض نقص الفيتامينات في هذه الحالات أيضًا- كالبري بري- الذي يسببه عوز الفيتامين ب هذه الأمراض تشيع في الأماكن التي تكون وجبتها الوحيدة أو الأساسية نوعًا واحدًا من الحبوب كالأرز أو الذرة.

وتبدو صعوبة معالجة التغذية في آسيا وإفريقيا بسبب استمرار وجود الأساليب القديمة في استخدام الأرض فالأرض التي لا تسمد بشكل مناسب تفتقد المعادن الأساسية وتصبح بالتالي أعجز فأعجز عن عطاء المحاصيل الكافية. وفي ظروف كهذه فالمحصول السيئ يعني كارثة من الجوع لملايين من الناس. وفي الهند تعوق التحريمات الهندوسية العتيقة إنتاج واستخدام البروتين الحيواني، فهي تحرم ذبح الحيوانات التي تتجول قطعانها لتشارك الإنسان في أكل الحبوب والزروع مما يزيد في المشكلة ويعقدها، بل ويحرمون قتل الجرذان والحشرات الضارة بالزروع والمتجولة في صوامع الحبوب بكل طلاقة وحرية لتنشر الأوبئة وتستهلك الغذاء.

وفي بريطانيا وغيرها من الأماكن الغنية يعاني الكثيرون من سوء التغذية بدرجات مختلفة، وأغلب ما يتعرض لها المتقاعدون المسنون إما للدخل الفقير أو لسبب عيشهم لوحدهم مما يفقدهم الطاقة والشهية فقد يعيشون أيامًا طويلة على الخبز والمربيات والبطاطا المجففة مما يجعل علامات الإسقربوط تظهر لديهم بسبب غياب الفواكه والخضار من طعامهم وفي أحيان كثيرة تبدو عليهم علامات الجوع الشديد، وعدم كفاية غذائهم يجعلهم عرضة للأمراض ولا سيما في الأجواء الباردة والسيئة، ويعد نقص قدرة مقاومة المرض أحد ملامح سوء التغذية.

وتبدو تأثيرات سوء التغذية الممتدة بشكل واضح بالنسبة للأطفال الذين هم أكثر السكان حساسية بينما نسجهم الجسدية ما زالت في مرحلة التكون، فيكبرون مع نمو معوق يظهر في عاهات جسدية كالكساح وسبب هذا المرض نقص الفيتامين د وهو ظاهرة مميزة في الأسر الفقيرة ويستدرك حاليًا هذا النقص بأخذ زيت كبد الحوت الرخيص نسبيًا، ولكنه يبقى مرض الفقراء الذين لا يستطيعون حتى الحصول على زيت السمك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 17

148

الثلاثاء 07-يوليو-1970

الجوع علاج

نشر في العدد 80

127

الثلاثاء 05-أكتوبر-1971

قصة قصيرة..  أبو الفقراء