العنوان الدين والسياسة في الانتخابات الأمريكية المقبلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-أبريل-2000
أدمن جورج بوش الابن الخمر، لكن لحظة اليقظة جاءته عندما سأله القس بيللي جراهام عن علاقته بالرب ومن يومها يرى بوش أن المسيح هو الذي غير مجرى حياته.
باستثناء جون كيندي لم يحصل أي مرشح من خارج المذهب البروتستانتي على دعم أي الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري.
مظاهر الفساد الأخلاقي والجريمة من أبرز أسباب صعود الأصولية البروتستانتية.. أما عدم فاعلية عقيدتهم في إزالة مظاهر الفساد فذلك يعود لأسباب عديدة.
عبد اللطيف أبو البصل (*)[1]
مع انطلاق الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية، لوحظ اهتمام المرشحين الزائد وغير المعهود من كلا الحزبين بموضوع التزامهم الديني والخلقي، وتركيزهم على القيم والمبادئ النصرانية واستشهادهم بالنصوص الدينية وتسابقهم في إثبات تقواهم وورعهم، ومع أن التملق لأي فئة من أجل الحصول على أصواتها ليس غريبًا على السياسة الأمريكية، إلا أن ما يجري على المسرح السياسي الأمريكي أمر جدير بالملاحظة والتدبر لأنه يتجاوز مجرد استعطاف الناخبين.
وبما أن الولايات المتحدة هي الرائدة في العالم الغربي المتقدم، والقوة العظمى الوحيدة في العالم، فإن دراسة ما يجري على الساحة السياسية هنا أمر له أهميته الخاصة، نظرًا لتأثيره المباشر على الشؤون العالمية، ولكون الولايات المتحدة هي النموذج الغربي المفضل لدى كثير من المفكرين العلمانيين في الوطن العربي والعالم الإسلامي.
تلعب التيارات الفكرية والفلسفية والدينية دورًا مهمًا في تكوين السياسات والمواقف والقرارات والتشريعات المتعلقة بتسيير الدولة، وتخضع العملية السياسية في الولايات المتحدة لتأثيرات عديدة ومتشعبة من هذه التيارات، وغالبًا ما تتجمع الأحزاب السياسية وجماعات الضغط والعمل السياسي إضافة إلى الإعلام حول هذه التيارات وتسعى إلى تطبيقها والترويج لها، وما المعارك والمنافسات السياسية، إلا انعكاس لصراع هذه التيارات في الهيمنة على الدولة وإحداث تأثيرها في المجتمع.
وقد كان الدين، ولا يزال بدرجات متفاوتة واحدًا من تلك العوامل، إلا أن درجة تأثيره تختلف من مجتمع لآخر ومن عقيدة لأخرى ومن وقت لآخر، ويبقى السؤال: هل يلعب الدين دورًا في الحياة السياسية الأمريكية وما تأثير المعتقدات الدينية على الساسة وصانعي القرار وواضعي القوانين، وكيف تتعامل الحكومة الأمريكية مع التيار الأصولي النصراني البروتستانتي المتنامي سياسيًا في البلاد؟
المحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من إلقاء نظرة سريعة على التركيبة السياسية والدينية في الولايات المتحدة كي تدرك كيف يؤثر الدين في العملية السياسية، وإلى أي حد يمكن أن يذهب هذا التأثير.
الخلفية السياسية والدينية للولايات المتحدة
أخذ دستور الولايات المتحدة الأمريكية بمبدأ الفصل بين السلطات وتقسيمها بين تنفيذية ممثلة بالرئيس وحكومته، وتشريعية ممثلة بالكونجرس المكون من مجلس الشيوخ ومجلس النواب وقضائية ممثلة بالمحكمة الاتحادية العليا، وتطبق الخمسون ولاية المكونة للاتحاد نظامًا مشابهًا على المستوى المحلي.
ولا يعترف الدستور الأمريكي بدين معين للدولة، ولا يوفر معاملة خاصة لدين معين عن باقي الأديان، إلا أنه مع ذلك كفل الحماية الدستورية الحرية ممارسة الأديان على اختلاف أنواعها، كما لا تقدم الدولة دعمًا مباشرًا للمؤسسات الدينية، إلا أنها ومن خلال نظام الإعفاء الضريبي توفر للمؤسسات الخيرية غير الربحية ومن ضمنها الدينية دعمًا ماليًا غير مباشر وعلى الصعيد السياسي، يسيطر الحزبان الجمهوري والديمقراطي على المسرح السياسي الأمريكي.
يتبنى الحزبان سياسات ومواقف متقاربة تجاه القضايا السياسية والاجتماعية الأساسية، وقد تقترب هذه المواقف أو تتباين بحسب القضية المطروحة، ورغم بعض الاختلافات في وجهات النظر حول دور الحكومة والضرائب والاتفاق العام إلا أنه وعلى العموم لا تكاد توجد فوارق جوهرية عميقة في عقيدة الحزبين تجاه القضايا الرئيسة التي تهم المجتمع الأمريكي في السياسة الداخلية أو الخارجية، كما أن أيًا من هذين الحزبين لا يشكل في نشاطه وتفكيره ومواقفه طريقًا باتجاه واحد، ومع أنه يمكن وصف الحزب الجمهوري بالمحافظ والديمقراطي بالمتحرر، إلا أنه يوجد داخل الحزب الواحد اتجاهات متشددة في المحافظة في أقصى اليمين وأخرى تحررية في اليسار وأخرى في الوسط، وقد تلتقي أفكار التيار المحافظ في الحزب الجمهوري مثلًا أفكار عضو محافظ من الحزب الديمقراطي.
أما على الصعيد الديني، فتدين غالبية الشعب الأمريكي بالديانة النصرانية بطوائفها المختلفة، حسب النسب التالية البروتستانت ٥٦٪ والكاثوليك ٢٨٪ واليهود ٢٪ وأتباع العقائد الأخرى ١٤٪ بمن فيهم من مسلمين وهندوس وملحدين وغيرهم، وتنقسم الطوائف النصرانية إلى عدد كبير من الطوائف والمذاهب المتنوعة، وتنقسم طوائف البروتستانت إلى عدة طوائف ومذاهب منها المنهجيون «Methodists» والمعمدانيون «Baptists» والأسقفيون «Episcopalians» ويطلق على هؤلاء الإنجيليون «Anglicans» ومنهم أيضًا اللوثريون «Lutherans والمشيخيون «Presbyterians» وغيرها، ومن أبرز معتقداتهم الإيمان بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس وبنبوءات التوراة وبعودة المسيح الثانية وانتصاره في معركة هرمجدون التي ستسحق أعداء إسرائيل، وأن الخلاص يكون فقط عن طريق الإيمان بالمسيح المخلص.
مظاهر التدين في أمريكا
من أبرز مظاهر التدين في المجتمع الأمريكي كثرة عدد الكنائس المنتشرة في الأحياء السكنية، حيث تبلغ نسبة الكنائس بالنسبة لعدد السكان أعلى نسبة في العالم، وقد صاحب التوسع العمراني في ضواحي المدن الأمريكية انتشار ما يعرف بالكنائس العملاقة التي تشبه في تصميمها مراكز المؤتمرات وهذه الكنائس مزودة بالتقنيات الصوتية والمرئية الحديثة وأجهزة البث الاستيعاب آلاف الرواد، كما وصل عدد المحطات الإذاعية والتلفازية والفضائية التابعة للكنائس إلى أكثر من ألف محطة عام ۱۹۹۰م، وهذه المحطات تبث برامجها إلى الملايين من المشاهدين والمستمعين في أمريكا وباقي دول العالم بمختلف اللغات العالمية.
وقد ذكرت مجلة يو إس نیوز أند ورلد ريبورت عام ١٩٩٥م في تقرير تصدر غلاف المجلة أن الولايات المتحدة هي أكثر الدول تدينًا في العالم الغربي، بعد الكيان الصهيوني، وجاء في هذا التقرير أن ٩٢٪ من الأمريكان يؤمنون بوجود الرب و٨٣٪ يؤمنون بأن الكتاب المقدس هو كلمة الرب المعصومة وأن ٥٧٪ يصلون يوميًا، فيما يحرص ۱۳۰ مليونًا على حضور الصلاة يوم الأحد في الكنائس.
وإذا ما قورنت هذه الأرقام بمثيلاتها في الدول الغربية نجد أنها تؤيد صحة ما ذكرته المجلة حول تدين الأمريكان، ففي إحصائية أجريت عام ١٩٩٣م بلغت نسبة الذين وصفوا أنفسهم بأنهم متدينون في أمريكا ۸۲٪ وفي بريطانيا ٥٥٪ وفي فرنسا ٤٨٪، وبلغت نسبة الذين يحضرون الصلاة ١١٪ في أمريكا مقابل ١٨٪ في ألمانيا و ١٤٪ في بريطانيا و في فرنسا و في السويد، وهذه الأرقام تشكل تحولًا عما كان معهودًا في فترة الستينيات التي اتسمت بنزعة العصيان في صفوف الشباب والخروج على المألوف فيما يعرف بظاهرة الهيبيز كما أنها تبين الفرق الواضح في الالتزام الديني بين المجتمع الأمريكي الأكثر محافظة والمجتمعات الأوربية الأكثر تحررًا من التقاليد الدينية.
وقد يثور تساؤل حول كيفية التوفيق بين هذا التدين وبين مظاهر التحلل والجريمة والفساد الخلقي التي يعاني منها المجتمع الأمريكي ومع أن الإجابة قد تتشعب في هذا الموضوع إلا أنه يمكن القول إن مظاهر الفساد هذه هي أبرز أسباب صعود الأصولية البروتستانتية في المجتمع الأمريكي، حيث يعتقد علماء الاجتماع أن العودة إلى التدين هي ردة فعل المجتمع واحتجاج منه على المظاهر السلبية والأمراض الاجتماعية التي خلفتها حقبة الستينيات وأما عن عدم فاعلية الدين في إزالة مظاهر الفساد الخلقي فتعود إلى أسباب عديدة منها قوة التيارات التحررية الأخرى في وسائل الإعلام وحداثة الصحوة الملية، وأسباب أخرى تتعلق بطبيعة الرسالة النصرانية نفسها التي تركز في تعاليمها على الجانب الروحي وتهمل الجانب العملي.
دور الدين في السياسة
يحدد الدين المواقف السياسية في عدد من القضايا السياسية المختلفة كالإجهاض والمخدرات وعقوبة الإعدام والشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس الحكومية، كما يلعب الدين كذلك دورًا فاعلًا في العقيدة الأيديولوجية، والأفكار السياسية، ويلاحظ أن دورات الكونجرس الأمريكي تفتح عادة بالصلاة التي يؤديها أحد القساوسة أو رهبان اليهود (۱)[2] ولا تكاد تجد عملة ورقية أو معدنية أمريكية تخلو من عبارة «In God we Trust»، والتي تعني «ثقتنا بالرب».
وقد دخلت التيارات الدينية في الولايات المتحدة معترك السياسة، وتشكل جزءًا لا يستهان به من القاعدة الشعبية لكلا الحزبين وتشارك الجماعات الدينية في السياسة من خلال قوى الضغط السياسي التي تعمل من أجل دعم مواقف معينة أو استصدار تشريعات توافق معتقداتها، ومن أشهر هذه الجماعات اللجنة اليهودية الأمريكية والمجلس القومي للكنائس ومؤتمر الكاثوليك في الولايات المتحدة والتحالف النصراني (۲)، وقد أثرت العقائد السياسية السائدة في المجتمع الأمريكي على المذاهب الدينية النصرانية منها واليهودية فنشأت مجموعات محافظة وأخرى تحررية «ليبرالية» من هاتين الديانتين.
ولعل أقوى المجموعات الدينية وأكثرها نشاطًا التحالف النصراني الذي يمثل التيار المعروف بعدة تسميات أشهرها النصارى الأصوليون، أو النصارى المحافظون أو اليمين النصراني أو اليمين الديني وهو من أكثر التيارات البروتستانتية محافظة أيضًا، لذلك تجدهم يميلون إلى سياسات الحزب الجمهوري، بل ويشكلون جزءًا مهما من قاعدته الشعبية، وقد أسس هذا التحالف بات روبرتسون صاحب شبكة CBN أو شبكة البث النصرانية ومن أشهر برامجها نادي السبعمائة، وقد سبق لروبرتسون أن رشح نفسه في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري التي يتم فيها اختیار مرشح الحزب الانتخابات الرئاسة الأمريكية العام ١٩٨٨م، ولكن لم يحالفه الحظ وترأس الشاب رالف ريد التحالف لغاية ١٩٩٧م ، «وهو الآن مستشار لبوش الابن»، وقد حول هذان الزعيمان التحالف إلى قوة سياسية مؤثرة لعبت دورًا مهمًا في الانتخابات التشريعية لعام ١٩٩٤م، التي أدت إلى سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ، وعلى مجلس النواب لأول مرة منذ أربعين سنة، وتعتبر أصوات الناخبين المحافظين المتدينين ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحزب الجمهوري، إذ يشكلون الآن أكبر كتلة انتخابية واحدة في صفوف الناخبين في أمريكا، كما أن نسبة مشاركتهم في الانتخابات تفوق المعدل العام.
ويدعم هذا التيار في انتخابات هذا العام جورج بوش الابن، رغم أن البن كير أحد منافسي بوش يعبر عن برنامج هذا التيار بشكل أقوى، وذلك لكون فرص بوش في النجاح أقوى من غيره في الحزب الجمهوري، وتبقى رسالة كير وغيره من مرشحي اليمين المحافظ الذين يدخلون الانتخابات، ثم ينسحبون في مرحلة لاحقة مقتصرة على إبقاء رسالة هذا التيار مسموعة في الإعلام وفي الوسط السياسي.
ويحظى الحزب الديمقراطي بالمقابل بتأييد التيار الليبرالي البروتستانتي وغالبية منظمات السود وطائفة الكاثوليك ذوي الأصل الأوروبي واللاتيني، والطوائف اليهودية الليبرالية، ومن أبرز القادة الدينيين في الحزب الديمقراطي القس جيسي جاكسون الذي رشح نفسه في السابق للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض معركة الرئاسة في انتخابات ۱۹۸۸م، وقد أصدر مؤتمر الأساقفة الكاثوليك دليلًا انتخابيًا لأول مرة موضحًا فيه لأبناء الطائفة معايير اختيار المرشحين وموقف الكنيسة من القضايا الرئيسة في عملية الانتخاب.
ومن الملاحظ أن الرئاسة الأمريكية بقيت في غالب الأحوال من نصيب الطائفة البروتستانتية باستثناء جون كيندي الذي كان من أتباع المذهب الكاثوليكي، وقد ترشح أشخاص من مذاهب مختلفة المنصب الرئاسة في السابق ولم يحالفهم الحظ في الحصول على دعم أحد الحزبين الرئيسين بسبب ضعف الشعبية، أو عدم الحصول على أصوات كافية من أعضاء الحزب أو بسبب عدم جمع الأموال الكافية لدعم الحملة الانتخابية أو ربما بسبب عدم انتمائهم للأغلبية الدينية في هذا البلد، نذكر منهم ما يكل دوكاكس «ديمقراطي أرثوذكسي» أرلن سبيكتر «جمهوري يهودي».
وهذه الظاهرة لا تقتصر على الدين فحسب بل تتعداه إلى اللون والجنس، فحتى اليوم لم يصل إلى منصب الرئيس أحد من الأقليات العرقية أو النساء رغم محاولات عديدة، لكن هذه الخصوصيات لا تنطبق على باقي المناصب في أجهزة الدولة؛ حيث تحكمها ظروف تختلف عن الظروف التي تحكم منصب الرئيس، وإن كانت تتفرع في النهاية عن الحزبين الرئيسين في الدولة وتخضع لعوامل الضغط والتأثير المعروفة في السياسة، فالكونجرس الأمريكي مثلًا يضم مختلف الفئات والطوائف والأديان والأصول العرقية الأخرى، ولا يعكس هذا التمثيل بالضرورة النسب الحقيقية لهذه الفئات بسبب عوامل كثيرة نذكر منها القوة المالية والتنظيمية والإعلامية ومستوى التعليم لهذه الفئات فمثلًا يتمتع اليهود بتمثيل أكبر من نسبتهم في الحكومة والسلك القضائي، حيث يوجد في حكومة كلينتون عدد كبير من اليهود بما لا يتناسب مع نسبتهم السكانية، كما أن القضاة الذين عينهم كلينتون في المقعدين الشاعرين من أصل تسعة في المحكمة الاتحادية العليا هما من اليهود برايار وغرينز برغ، ويشغل القضاة مناصبهم مدى الحياة في هذه المحكمة، ولا يوجد للمسلمين أي تمثيل في الكونجرس أو الحكومة الاتحادية -رغم أن عددهم يساوي عدد اليهود- باستثناء تعيين مسلم من أصل باكستاني كأول سفير أمريكي مسلم في إحدى جزر أمريكا اللاتينية العام الماضي.
وفي العقود الماضية، وصل إلى البيت الأبيض عدد من الرؤساء الذين لم يترددوا في إظهار معتقداتهم الدينية وإدخالها في خطاباتهم السياسية كجيمي كارتر الذي يتفرغ الآن للعمل التنصيري ورونالد ريجان من الحزب الجمهوري وهو الذي كان كثيرًا ما يضمن خطاباته فقرات من الكتاب المقدس، ويحتل ريجان مرتبة عالية لدى المحافظين وغالبًا ما يستشهد بأقواله وأفعاله ويعتبر ظاهرة فريدة في السياسة الأمريكية (٣)،[3] أما جورج بوش فعلى الرغم من كونه من المحافظين الليبراليين إلا أن مظاهر تأثير معتقداته الدينية انعكست بشكل واضح للعيان في خطاباته السياسية وخاصة أثناء حرب الخليج، أما الرئيس الحالي بيل كلينتون، فإنه وإن كان أقل الرؤساء تدينًا إن لم نقل أخلاقًا فإنه هو الآخر يحرص أن يظهر كل يوم أحد، وهو يحمل الكتاب المقدس في يده ويمسك باليد الأخرى يد زوجته وهو خارج من الكنيسة.
ويظهر تأثير التيار الأصولي النصراني بشكل أكبر على المستوى المحلي في الولايات التي يصل فيها أنصارهم إلى المناصب التنفيذية، ومن أبرز آثار ذلك منع ولاية كالورادو الأمريكية الشواذ من التزلج في الولاية وقرار هيئة التعليم في ولاية أخرى منع تدريس نظرية دارون في التطور؛ حيث استبدلوا بها نظرية الخلق.
الدين والانتخابات الرئاسية الحالية
دخل موضوع الدين في الحملة الانتخابية الحالية بصورة قوية على عكس ما كان عليه الحال في السابق حين كان الدين يعتبر من الأمور الشخصية التي لا تدخل في المناقشات السياسية، فعندما رشح جون كيندي نفسه للرئاسة كان يركز على موضوع فصل الدين عن السياسة، وعندما حاول بعض خصومه إثارة هذه النقطة ضده في الحملة الانتخابية رد كيندي، بأن «القضية الأساسية في هذه الحملة يجب ألا يكون ما نوع الطائفة التي أؤمن بها لأن ذلك من شأني الشخصي، ولكن يجب أن تكون ما نوع أمريكا التي أؤمن بها» هكذا كان الحال في الستينيات، أما الآن يتنافس المرشحون من كلا الحزبين على إثبات تقواهم والتزامهم الديني لكسب أصوات المتدينين.
وعندما طلب من بوش الابن «وهو يتبع الكنيسة المذهبية Methodist»، أن يسمي أشهر الفلاسفة الذين كان لهم أبلغ الأثر في حياته كان رده إنه «المسيح، لأنه غير مجرى حياتي»، وقصة تغيير مجرى حياة بوش الابن تستوجب التوقف، فبعد فشله في مشروع تجاري -عندما كان في الثلاثينيات من عمره- لجأ بوش إلى شرب الخمر بكثرة وكانت حالته النفسية سيئة، ولكن لحظة اليقظة جاءته عندما كان يتمشى مع القس المشهور بيللي جراهام بمحاذاة أحد الشواطئ حين سأله جراهام «هل علاقتك جيدة مع الرب»، فرد بوش قائلًا: «لا، ولكني راغب في تحسينها»، فبدأ التغيير من تلك اللحظة، ويحرص بوش على قراءة الكتاب المقدس يوميًا، ويسأل كل عامل لديه باستمرار «هل ذهبت إلى الكنيسة يوم الأحد؟»، وقد طرح بوش مبدأ المحافظة الرحيمة Compassionate Conservatism وهذا الشعار يعني أن على الحكومة أن تدعم المشاريع الخيرية التي تقوم بها المؤسسات الدينية، وقد اعتبر المراقبون أن بوش يطبق الأفكار الإنجيلية على السياسة.
أما أل جور «معمداني المذهب» وهو من خط الوسط في الحزب الديمقراطي فقد ردد ما عبر عنه بوش وأخبر الصحفيين أنه هو كذلك مر بتجربة مماثلة أي «الولادة الجديدة» في النصرانية، وذلك عندما كان يدرس في هارفارد، كما تحدث عن حادثة تعميده وهو في الثلاثينيات من عمره وعن صلواته التي ساعدته في تخطي الصعوبات واستطرد قائلًا: «إنني لا استطيع أن أتصور كيف كان يمكنني أن أواجه التحديات التي صنعت مني رجلا قويًا بدون عقيدتي وإيماني»، ويلجأ جور إلى الاستشهاد بكثرة من نصوص التوراة والإنجيل في خطابه السياسي وقد ردد مثل هذه المشاعر باقي المتنافسين من الحزبين باستثناء بيل برادلي «يتبع الكنيسة المشيخية»، وبرادلي هو منافس آل جور على ترشيح الحزب الديمقراطي المعركة الرئاسة، وهو المرشح الوحيد الذي رفض التحدث في أمور الدين؛ لأنه يرى أن الدين مسألة شخصية يجب ألا تناقش في الملأ، ويرى بعض المحللين أن ما يجري في معركة الانتخابات الحالية إسراف في جلب الدين إلى حلبة السياسة، ويتعدى مجرد محاولة كسب الأصوات وظهر في الصحافة الأمريكية من ينتقد هذه التصريحات ويصفها بأنها لا تتفق مع مبدأ فصل الدين عن السياسة، وقد شبه تشارلز كورتها يمر من الواشنطن بوست هذه الظاهرة بأنها منفحة شبيهة بحركة الطالبان، تهب على واشنطن.
الخاتمة
إن ما يحدث على الساحة السياسية الأمريكية لا يتفق مع الاعتقاد السائد لدى كثير من الناس بأن الولايات المتحدة دولة تفصل الدين عن السياسة، فنمو التيار النصراني الأصولي في المجتمع الأمريكي وازدياد تأثيره في الحياة السياسية من الأمور الواضحة للعيان، وقد يزداد تأثير هذا التيار في المستقبل إذا نجح في إيصال المزيد من النواب الذين يؤيدون برامجه إلى الكونجرس الأمريكي، أو إذا نجحوا في إيصال رئيس من مؤيديهم إلى البيت الأبيض، وسينعكس ذلك على المجتمع بأسره، ولكن تبقى سيطرة التيار الأصولي المحافظ على المسرح السياسي الأمريكي سيطرة كاملة أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب في ظل الانقسامات الطائفية وتعدد التيارات السياسية ذات التوجهات العلمانية المخالفة للتيار الديني، إلا أن احتمالات تأثير هذا التيار في المسائل الأخرى قائمة وقوية، ويدرك المرشحون المنصب الرئاسة أهمية الحصول على تأييد التيارات المختلفة في حزبيهما والظهور بمظهر الممثل لكافة شرائح المجتمع الأمريكي.
وبذلك تبقى الولايات المتحدة دولة علمانية ولكنها علمانية تختلف عن العلمانية الممارسة في وطننا العربي والإسلامي، بل وتناقض أساليب العلمانيين في العالم العربي والإسلامي في فصل الدين عن السياسة، إنها علمانية تحترم دينها، فالحكام هذا لا يفرضون حالة الطوارئ ولا يزجون بمن يطرح فكرًا يستند إلى خطاب ديني في السجون، كما يفعل المتشددون العلمانيون الذين ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه الغرب في فصل الدين عن السياسة إلى حد محاربة الدين والقضاء على مؤسساته باسم العلمانية، وهي ظاهرة لا نكاد نجد لها نظيرًا في الدول الغربية، فهل سيقتدي دعاة العلمانية في الوطن العربي والإسلامي بالعلمانية الأمريكية.
-----------------------------
[1] (*) خدمة خاصة من المجموعة الإعلامية الدولية- الولايات المتحدة.
[2] (1) وقد دعي في السنوات الماضية أحد الأئمة المسلمين الأداء الصلاة والدعاء قبل افتتاح دورة الكونجرس.
(2) لمزيد من المعلومات حول النشاطات السياسية لهذه المجموعة فيما يخص المنطقة انظر: البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني، د. يوسف الحسن، مركز دراسات الوحدة العربية.
[3] (3) باستثناء جون كيندي لم يحصل أي مرشح من خارج المذهب البروتستانتي على دعم أي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري مظاهر الفساد الأخلاقي والجريمة من أبرز أسباب صعود الأصولية البروتستانتية، أما عدم فاعلية عقيدتهم في إزالة مظاهر الفساد فذلك يعود إلى أسباب عديدة