; الدين والسياسة.. الجزء الثاني | مجلة المجتمع

العنوان الدين والسياسة.. الجزء الثاني

الكاتب الدكتور عمارة نجيب

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979

مشاهدات 91

نشر في العدد 436

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-مارس-1979

حين يحول الدين بين الحكام وممارسة طغيانهم:

يأبى خالق الإنسان أن يكون الإنسان عبدًا لغير الله أيًا كان هذا الغير فقد كرمه وأعز مؤمنيه وأسجد له ملائكته... 

قال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).

وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8).

وقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص: 71-72).

كما يأبى تمامًا أن يكون عابدًا لأحد سواه، يستوي في هذا أن يكون مشركًا لذلك الغير مع الله أو يكون مفردًا له بالعبودية أو بالعبادة أو بكليهما. 

فالعبودية كالعبادة يجب أن يكونا خالصتين للذي هو أحق وأولى بهما وهو خالق الإنسان ورازقه وواهب الحياة.

وإنه لمن غير المعقول أن يؤمن الإنسان بإله له صفات الكمال المطلق ثم يجمع مع هذا الإيمان كفر بقدرة الإله على إدارة شؤون خلقه أو كفر بحق الله في الاستقلال بالعبودية لخلقه كالاستقلال بالعبادة ثم إنه من غير المقبول من باب أولى أن يعبد الإنسان ربًا وفي الوقت نفسه يرفض أن يكون له عبدًا أو يرفض أن يكون عبدًا له وحده.

خصوصًا وإن كرامة الإنسان وعزة المؤمنين لا يتحققان بشكل كامل إلا إذا خلصت الحياة من استعباد البشر للبشر ومن خضوع وخشوع بعضهم وتعالي وتأله بعضهم الآخر.

وحيث إن كل أمر أو نهي يصدر عن قوة القانون أو قدرة الدولة أو عزة السلطان يستلزم الطاعة والاستسلام، وينتهي إلى إثابة المطيع ومعاقبة العاصي، فإن المعنى لا يختلف من حيث العبودية بين عبد يستسلم لتشريع الله، وعبد يستسلم لتشريع البشر.

ولكن شتان بين العبدين من حيث الكرامة والعزة وتحقيق الإنسانية شتان بين عبد لله وحده يستسلم لتشريعه ويرضى بقضائه وبين عبد للبشر يستسلم لأهوائهم ويرضى باستعبادهم له وهم مثله في كل شيء.

من هذا المنطلق كان الاختيار الذي يطرح الإسلام على الحكام والمحكومين فإما إيمان بالله يشتمل على حقه وحده في الطاعة والاستسلام عبادة وعبودية، عقيدة وشريعة.

وإما كفر بهذا الحق وسلب له من صاحبه، فتكون طاعة واستسلام لغير الله، وإن تقاسموا مع الخالق فجعلوا له العبادة وللبشر العبودية أو تركوا له العقيدة، واستقبلوا بالشريعة، أو أعطوه المسجد وأخذوا القانون وهو معنى فصل الدين عن الدولة أو إبعاد الدين عن السياسة وكان الاختيار أيضًا من نفس المنطلق، بين عبودية لله وحده؛ حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحيث لا ذلة ولا استخذاء ولا استضعاف لمؤمن، وحيث لا مكان لطاغ ولا لظالم ولا لمستبد بين عبودية لواحد أو أكثر من البشر، حيث يعصى الخالق بطاعة المخلوق، وحيث يستذل إنسان ويهان ويستضعف من خلال القوانين البشرية الوضعية الصادرة عن الأهواء والشهوات، وقصر النظر وحيث تنمو دواعي الطغيان والظلم والاستبداد.

وعلى أي حال، فالإسلام لا يرضى لمن ينتسبون إليه فضلًا عن الذين يؤمنون به ويعقلونه، أن يتخذوا من غير شريعة الله قانونًا لإدارة حياتهم، وتنظيمها وتوجيهها، لأنه لا يرضى إلا بإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

ولا تخلص حياة العباد من عبادة العباد إذا هم خضعوا لتشريعات وقوانين من وضعهم أو من وضع بعضهم.

وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31).

قال الألوسي: الأكثرون من المفسرين قالوا: «ليس المراد من الأرباب أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم» وفي تفسير ابن كثير: «إن عدي بن حاتم دخل ورسول الله يقرأ الآية قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال صلى الله عليه وسلم: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم».

دين لا دولة

أو دولة بلا دين متى؟؟

لا مفر إذن من إلزام الناس بالخضوع لنظام أو أسلوب للحكم، ولا مفر أيضًا من قيام بعض الناس على هذا الإلزام، فإن جاء النظام أو الأسلوب من عندهم كانت الطاعة لهم، وكانت هذه الطاعة عين العبودية والخنوع، وإن جاء النظام أو الأسلوب من عند الله القادر العليم الخبير المحيط، كانت الطاعة لهذا الإله الحقيقي المتصف بصفات الكمال، وكانت هذه الطاعة عين العزة والكرامة وتحقيق الإنسانية مع كونها عبودية وخشوعًا، لكنها في جانب العبودية والخشوع لا تأتي من شخص لآخر مثله، ولم تقع من عبد لعبد يشبهه، فصارت من طرف العباد كرامة وعزة وإباء وقوة، مع كونها طاعة وعبودية للخالق وعليه لم نجد دينًا حقيقيًا صادرًا من الله المتصف بصفات الكمال وقد خلا من هذا الجانب التنظيمي أو نقص منه أسلوب الإدارة لجميع جوانب الحياة البشرية.

لم يحدث هذا قط، وكل ما وجد من عزل للدين في صومعة، أو إبعاد له في كنيسة، أو حبس له في مسجد أو إنكار له تمامًا جرى على يد البشر، في حالتين:

الحالة الأولى: بعد تحريف الدين نفسه وتبديله حتى يرى العقلاء فساده وعدم صلاحيته لإدارة الحياة.

الحالة الثانية: عند طغيان الحكام حتى يرون أن خضوعهم للدين يحول بينهم وبين ممارسة طغيانهم.

أما الحالة الأولى فتنطبق على المسيحية بعد تحريفها، فقد رأى بعضهم عزلها عن الحياة وخاصة السياسة، وهذا ما تم بفصل الدين عن الدولة ورأى بعضهم الآخر إنكار هذا الدين وإنكار صلته بالله وبالوحي، فاختاروا الإلحاد، ولعل هذا ينطبق أيضًا على البرهمانية لما انحرفت بصنع البشر وصارت تقوي طبقية لعينة، وتقسيمًا للبشر لا يقره عاقل، ووثنية ظاهرة، فكانت الجينية إنكارًا للألوهية ومحاولة لتخليص البشر من آلام هذا الانحراف قبل الميلاد في بلاد الهند.

وأما الحالة الثانية وهي طغيان الحكام فحدث عنها ولا حرج... لقد حمل التاريخ تجارب عديدة على رأسها محاولات الرفض المتكررة للرسالات والوحي الإلهي من جميع الطغاة والظالمين طلاب العاجلة... ولعل أقربهم إلى الذاكرة فرعون موسى وهارون، هذا الذي طغى حتى تأله، وكان رفضه لرسالة موسى وهارون من منطلق العلم بأن هذا الدين لا يفصل بين الدين والدولة ولا بين السياسة والعبادة وإلا لاحتضن هذا الدين وتبناه وبنى له بنفسه بيوت العبادة وهياكل التقديس، ما دام لا يخرج الناس من حكمه، ولا ينتزع منه غير السجود لهذا الإله الجديد... 

لقد استنكر فرعون على من آمن أن يؤمن قبل أن يأخذ منه إذنًا: ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ (طه: 71).

ولو استطاع فرعون أن ينتزع اعترافًا من موسى بفصل الدين عن الدولة وإبعاد السياسة عن الشرع لكان اليوم في سجل المؤمنين بهذا الدين، بل كان أول المؤمنين بهذا الدين الذي لا يمنعه من ممارسة سياسته الطاغية، وإقامة دولته الظالمة، وتحكم أهوائه المقننة... ولكن الله لا يرضى لعباده الظلم، ولا يعجز عن تقديم شريعة العدل......

ولقد لجأ كثير من الطغاة، إذ وجدوا أنفسهم أمام دين لا يملكون رفضه، إلى أسلوب التحريف، واستبدال الوحي بالهوى والرغبات الدنيوية، وما كانت بهم حاجة إلى هذا التحريف وذلك التبديل، لو كان هذا الدين يفصل الدين عن الدولة. ويطلق يد السياسة بعيدًا عن الشريعة ويفرق بين المصالح الشخصية، والمصالح الدينية.

ولكن الانحرافات الدائمة المتكررة عن حقيقة الصلة بين الدولة والدين كانت تتم تحت ضغط الظروف السياسية التي يراها الحاكم. والشهوات البشرية التي يخدع بها المحكومون.

ولا نرى علة للتحريف أو دافعًا إليه غير تعارض الشرائع مع الأهواء ووقوف العقائد ضد الظلم والطغيان، فكان التحريف مدخل الطغاة في تلك الأيام.

• أصحاب المصلحة في فصل السياسة عن الإسلام:

ولا نجد صاحب مصلحة في فصل السياسة عن الإسلام إلا لنوع آخر من الطغاة عجزوا عن تنفيذ حيل السابقين؛ لأن الله تكفل بحفظ القرآن من التحريف والتبديل، ولأنهم لا يستطيعون الإعلان عن رفضه كدين يحول بينهم وبين ممارسة أهوائهم وشهواتهم الظالمة الطاغية. 

إنهم نوع من الطغاة الطامعين في استخدام المحكومين استخدامًا ذليلًا مهانًا، كما يطمعون في استنزاف طاقاتهم في اللهو والعبث حتى لا يفكر بعضهم أو كلهم في رفض ظلمهم والاعتراض على سياستهم... 

ولأن انتشار الدعارة والانحلال، وإشاعة الجرائم ووسائل الاغتيال، ونشر الفواحش، وعوامل الفساد، يخدم نفس الأهواء والأغراض لأن تكريم الرقص والراقصين، والغناء والمغنين، والموسيقى والموسيقيين إعلاء لشأن الشهوات، وإحباط لشئون العقل والعلم والتخريب، فإن هذا مما يساهم في كبت روح التحرر، وقتل الرغبة في الطموح، ولأن بقاء نكد العيش، وعبء الحياة، وخوف الناس من سلطة الحكام، وتهديدهم بلصوص الأموال والأعراض وبسفاحي أرواح الشباب، شرط لاستمرار تمتعهم بالحكم وتسلطهم على الناس فإن الطريق إلى كل هذا أو غير هذا من مآرب أخرى هو فصل الدين عن السياسة في الإسلام.

ولما كان كفران نعمة الإسلام على العموم طريق مستهدف لكل أعداء الإسلام، وأظهر هؤلاء الأعداء هم اليهود وجمعياتهم الماسونية العاملة لصالحهم في بلاد المسلمين.

فلا عجب أن تلتقي مصالح هؤلاء مع أولئك الطغاة أو الراغبين في ممارسة الطغيان.

فكان أتاتورك أحد الذين خدعوا الأتراك وخدعوا العالم الإسلامي كله بدعاوى الإصلاح والقومية. وفي أعماقهم سكنت رغبة الطغيان وحب الماسونية التي تمثلت لهم الطريق الوحيد لتحقيق شهواتهم الدنيئة، فكانوا جنودها في مقابل تعهدها بتنفيذ أهوائهم، وكانت عملية فصل السياسة عن الدين ضمان المتآمرين على الإسلام جميعًا منذ ذلك الحين وإلى الآن وحتى الغد فمتى يفيق المسلمون فيرفضون بكل ما يملكون من قوة هذا التآمر الخبيث؟؟

والدعوة عامة

الرابط المختصر :