; الدين والحياة | مجلة المجتمع

العنوان الدين والحياة

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013

مشاهدات 72

نشر في العدد 2060

نشر في الصفحة 55

السبت 06-يوليو-2013

في غمرة الصراع بين المعسكرين الإسلام والعلماني الذي تشهده دول الربيع العربي برزت أصوات نشاز تطالب بإخضاع الدين لواقع الحياة ومستنقعها، وهذا مطلب فاسد لأن الدين يجب أن يحكم الحياة وينظم شؤونها لا أن تحكمه، وأن يخضعها لمثله ومبادئه وأخلاقياته لا أن تخضعه لمعطياتها وصراعاتها. 

وعلى حين أخذت المجتمعات الأخرى الراكدة التي طالما تتلمذت على المجتمع الإسلامي، والثقافة الإسلامية، تستيقظ وتنهض وتتطور، ثم تنمو وتتقدم، ثم تزحف غازية مستعمرة، والمسلمون في غمرة ساهون نرى أن بعض أبناء المجتمع الإسلامي يحاولون إخضاع ما من شأنه الثبات والدوام والاستقرار للتطور والتغير، في محاولة يائسة لخلع الأمة من دينها، وعزلها عن تراثها كله باسم التطور، يريدون أن يفتحوا الباب للإلحاد في العقيدة، والانسلاخ من الشريعة، والتحلل من الفضيلة.

إن هناك حاجة ماسة إلى وجود تصور ثابت للمقومات والقيم، يتمثل في ضبط الحركة البشرية والتطورات الحيوية، فلا تمشي شاردة على غير هدى، كما وقع في الحياة المادية البحتة عندما أفلتت من عروة العقيدة.. فانتهت إلى نهاية بائسة ذات بريق خادع، يخفي في طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس. 

الدين هو الميزان الثابت الذي يرجع إليه الإنسان، بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات ، وبكل ما يجد في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات.. فيزنها بهذا الميزان الثابت ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب، ومن ثم يظل دائما في الدائرة المأمونة، ولا يشرد في التيه، الذي لا دليل عليه من نجم ثاقب ولا من معالم هادية في الطريق. 

وبين النبات والخلود والمرونة والتطور تتراوح الشريعة، حيث يتمثل النبات في العقائد الأساسية من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفي الأركان من الشهادتين - وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.. وفي المحرمات اليقينية من السحر وقتل النفس، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات والتولي يوم الزحف، والسرقة والغيبة والنميمة. .. مما ثبت بقطعي القرآن والسنة.. وفي أمهات الفضائل من الصدق والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد، والحياء.. وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرها الدين القيم، من شعب الإيمان.

وفي شرائع الإسلام القطعية في شؤون الزواج والطلاق، والميراث والحدود، والقصاص.. ونحوها من نظم الإسلام التي تثبت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فهذه أمور ثابتة، ونجد في مقابل ذلك القسم الآخر الذي تتمثل فيه المرونة، وهو ما يتعلق بجزئيات الأحكام وفروعها وخصوصا في مجال السياسة الشرعية.

ابن القيم يقسم الأحكام إلى نوعين نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا يحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم.. ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني، ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكانا، وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها، وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة. وضرب لذلك عدة أمثلة من سنة النبي ﷺ وسنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده، ثم قال، وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجوداً وعدما. وتصوّر لنا الثبات والمرونة في هدي القرآن الكريم.. ويتمثل الثبات في مثل قول الله تعالى في وصف المؤمنين ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (الشورى ۳۸)، وفي قوله جل شأنه لرسولهﷺ: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ (آل عمران ١٥٩)، فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون بالتسلط والجبروت.

وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى يلتزم به الناس في كل ز زمان ومكان فيتضرر المجتمع بهذا التقليد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأمصار أو الأحوال. إن المجتمع الإسلامي إذا اتخذ الثبات المطلق مبدأ له في كل الأمور الدينية والدنيوية. المعنوية والمادية.. الكلية والجزئية.. الأصلية والفرعية.. وثبت على الوسائل ثباته على الأهداف، تجمدت الحياة وتحجرت، ولم يستفد الناس من الملاحظة والتجربة التي هي أساس العلم الكوني، وهي أمر واقعي حتمي في حياتهم.. وهذا ضد قوانين الكون، وضد قوانين الفطرة.

كما أنه لو اتخذ المرونة مبدأ له، وشعاراً لحياته، لتطور على طول الزمن إلى مجتمع بلا قيم ولا ضوابط، وأفلت زمامه من التصور الإسلامي.. أو يصبح التصور الإسلامي خاضعاً لظروفه، وتابعا لحياته .. يستقيم إذا استقامت وينحرف إذا انحرفت.

إن نعمة الله عظيمة على المجتمع الإسلامي الذي حفظ له الإسلام توازنه بين الثبات والتطور.. حين ننظر إلى مجتمعات أخرى - كالمجتمعات الغربية اليوم - كيف فتحت الباب على مصراعيه للتطور المطلق في كل شيء، فلم يبق في حياتها شيء ثابت تستند إليه، وترتكز عليه، فلا عقيدة، ولا فضيلة، ولا تشريع، ولا أي قيمة من القيم العليا التي ورثتها الإنسانية من كتب السماء، وتعلمتها على أيدي الهداة من رسل الله وورثتهم بحق.

وكانت ثمرة هذا التطرف اضطراب الحياة كلها من قلق نفسي.. إلى تخبط فكري.. إلى تحلل خلقي.. إلى تفسخ أسري.. إلى تفكك اجتماعي.

وقد قابل هذا التطرف تطرف مضاد يتمثل في أولئك الشباب الذين رفضوا تطور مجتمعهم إلى ما صار إليه من مادية فاختاروا حياة غريبة شاذة.. هي حياة الهيبيين، ومن على شاكلتهم، وفي ذلك خطر محدق.. حين نجمد ما من شأنه التغير والتطور والحركة فتصاب الحياة بالعقم والجمود، وتصبح كالماء الراكد الأسن الذي يجعله الركود مرتعاً للجراثيم والميكروبات.

وهذا ما حدث في عصور الانحطاط والشرود عن هدي الإسلام الصحيح، فرأينا كيف توقف الاجتهاد في الفقه، وتوقف الإبداع في العلم، وتوقفت الأصالة في الأدب وتوقف الابتكار في الصناعة، وتوقف الإعداد فيما يتطلبه الدفاع عن الدين.. وضربت الحياة بالخمود والتقليد في كل شيء..

الرابط المختصر :