; الدين والأجناس | مجلة المجتمع

العنوان الدين والأجناس

الكاتب سيف الله أحمد فاضل

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1973

مشاهدات 9

نشر في العدد 161

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 31-يوليو-1973

     ·       الجنسية الدينية لا تعبر عن عقيدة صاحبها

     ·       خلق الله الشعوب والقبائل لتتعارف لا لتتقاتل

الدين:

الدين هو العلاقة بين الله وعباده وهو إذ يأتي معرفًا لا يعني إلا العلاقة الغيبية كما وردت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19) ولكنه إذ يرد غير معرف ومنسوبًا لبشر ما فإنه يعبر عن عقيدة هذا الإنسان في علاقته بالله، كمثل قول الله تعالى على لسان نبيه في القرآن الكريم ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).

الجنس:

المعنى اللغوي للجنس هو النوع أيًّا كان التقسيم، ولكنه في علم تطور المملكة الحيوانية فإن الإنسان منذ خلق وإلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا يتبع لجنس واحد، ويقسم هذا الجنس إلى نوعين: الإنسان القديم والإنسان الحديث، وقد ميز علماء هذا النوع من التقسيم النوعين بأن قالوا إن الإنسان الحديث - العاقل - هو أول من قام بالزراعة (1) ثم تطور بعد ذلك إلى التجارة وغيرها من الأنشطة المعروفة اليوم أما الإنسان القديم فقد كان يتغذى على الصيد والثمار البرية ويعيش في الكهوف الطبيعية أولًا ثم في كهوف ينحتها في أطوار لاحقة قرب تحوله إلى النوع الثاني. أما في علم تقسيم الإنسان فيقسم الإنسان إلى عدة أجناس رئيسية تنسب لأبناء نوح عليه السلام - على ما ورد في العهد القديم (توراة اليهود والمسيحيين) - سام ومن نسله الجنس السامي، حام ومن نسله الجنس الحامي.. إلخ.

ويقسم الجنس إلى شعوب ويقسم الشعب إلى قبائل. ويليق بنا أن نستعرض موجزًا لهذا التقسيم الأخير (خاصة الأجناس والشعوب التي تعيش في منطقتنا) فمن سام بن نوح -عليه السلام- إبراهيم عليه السلام ولوط عليه السلام (التكوين 11 : 10 – 28). ومن نسل لوط عليه السلام الموآبيون والعمونيون «بني عمون» (التكوين 19 : 37 ، 38). ويلاحظ أن أحد أجداد إبراهيم ولوط عليهما السلام اسمه عابر (التكوين 11 : 15 – 17). وينسب علماء هذا التقسيم سبب تسمية الشعب العبراني إلى سببين، فيرى بعضهم أن السبب هو عبور إبراهيم عليه السلام ومن معه (وقد كان منهم لوط عليه السلام) نهر الفرات، ويرى آخرون أن ذلك نسبة إلى كون هذا الشعب من نسل عابر وسواء كان هذا الرأي أو ذاك سليمًا فإن إبراهيم ولوطًا عليهما السلام من الشعب العبراني وقد ورد نص في العهد القديم أن إبراهيم عليه السلام عبراني (التكوين 14 : 13). ويتبع ذلك أن جميع نسله من هذا الشعب أي إن نسل إسماعيل وإسحاق عليهما السلام جميعهم من هذا الشعب ومن هنا فإني أجد أن كلمتي عربي وعبري كانتا في الأصل كلمة واحدة في اللغة التي كان يتكلم بها كل من إسماعيل وإسحاق عليهما السلام ثم تطورت هذه الكلمة في نسليهما فنطقها بنو إسماعيل - عربي - ونطقها بنو إسحاق "عبري أو عبراني" ومما يدل على هذا الرأي أيضًا شيوع حدوث تقديم وتأخير في حروف الكلمات في تطورها اللغوي - للمثال مسرح ومرسح، يأس وأيس - كما يؤكد ذلك أيضًا الحديث المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم من أنه هو وإسماعيل وشعيب وصالح وهود من العرب.

ومن المؤكد أن صالحًا وهودًا سابقان على إبراهيم عليهم السلام، فكأن الشعب العربي يشمل أقوامًا سابقين على إبراهيم عليه السلام. والمستفاد مما سبق أن الجنس السامي يشمل كل الشعب العربي والذي يشمل:

1- نسل إبراهيم ومن نسله:

(أ) إسماعيل عليه السلام (ونسله يسمون السامريين في التقاليد اليهودية والمسيحية)

(ب) إسحاق عليه السلام وابنيه عيسو ويعقوب (إسرائيل) عليه السلام

(ج) زمران ويقشان ومدان ومدين (قوم شعيب) ويشباق وشوحا (أبناء إبراهيم عليه السلام من زوجته الثالثة قطورة على ما جاء في التكوين 25 : 1 ، 2).

2- نسل لوط عليه السلام – على وجه التأكيد لأنه من نسل عابر ومن الذين عبروا مع إبراهيم نهر الفرات – وهم العمونيون والموآبيون.

3- نسل الذين صاحبوا إبراهيم ولوطًا عليهما السلام إذ أوضح القرآن الكريم أن لوطًا لم يكن الوحيد الذي آمن بإبراهيم عليهما السلام، بل آمن به آخرون وهاجروا معه وهم غالبًا من نسل عابر أيضًا.

4- أقوام أُخَر كقوم صالح وقوم هود ولا يمكن تحديد هذه الأقوام بدقة ولكنها من المحتمل أن تكون من نسل عابر أيضًا. كما يشمل الجنس السامي علاوة على الشعب العربي نسل كل من أشار العهد القديم إلى وجودهم وإن لم يذكر أسماءهم من نسل سام «التكوين 11: 10 - 28». ويبدو أن كل الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم من هذا الجنس فيما عدا آدم ونوحًا عليهما السلام بطبيعة الحال.

أما الجنس الحامي فيشمل الفراعنة والفلسطينيين وسكان إفريقيا القدماء على شيء من التقريب.

وهناك في منطقتنا آثار من أجناس أخرى كالجنس الأصفر وقليل من الجنس الآري كنتيجة للغزوات واستقرار الغازين لفترات مختلفة تزاوجوا فيها مع شعوب المنطقة.

ويعتمد علماء تقسيم الإنسان في تقسيمهم على:

1 - العهد القديم وهو بما فيه من تناقضات سواء في العقائد أو الأحداث لا يمكن الوثوق به.

2- المظاهر الخلقية - وللأم تأثير يزيد على تأثير الأب في حالة ولادة الذكور ويساويه في حالة ولادة الإناث ولما كانت الأجناس تنسب للآباء فإنه إذا كانت الأم من جنس آخر غير الأب فالاعتماد على الصفات الخلقية قد ينسبهم لجنس أمهاتهم، كما أن المظاهر الخلقية يندثر أغلبها بالموت «لون البشرة وطبيعة الشعر ولون العيون.. إلخ» في حالة دراسة المومياوات أو الهياكل.

3 - أماكن الإقامة، وقد كان الإنسان دائم الارتحال منذ وجوده على الأرض منذ مليونين من السنين «كما تحددها الدراسات الجيولوجية» وحتى الآن، مما يجعل الاعتماد على الأماكن في تحديد الجنس على غير أساس.

4 - ما يذكره الناس من أنسابهم، ويمكن القول إن نسل يعقوب عليه السلام حافظوا على ذكر أنسابهم حتى رسالة المسيح عليه السلام، ولكنه مع وجود عقيدتين مختلفتين في نفس النسل نُسيت الأنساب وأصبح التقسيم يعتمد على الإيمان بالمسيح -بصرف النظر عن نوعية هذا الإيمان- أو الكفر به أي ناصريين ويهود.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنه دخل في عداد اليهود بمفهومهم الحالي أجناس أخرى «قوم سأ، الفرعوني الذي آمن بموسى، سحرة فرعون فنسل هؤلاء يحسبون يهودًا». هذا بينما حافظ نسل إسماعيل عليه السلام على ذكر أنسابهم إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما ألّف الله بين قلوبهم نُسيت الأنساب إلى حد بعيد اللهم إلا الذين ينسبون أنفسهم لنسل ابنة رسول الله فاطمة رضي الله عنها، وكما قلنا سابقًا فإن الجنس لا ينسب إلى الأمهات بل إلى الآباء، وقد وردت آية صريحة يقول فيها جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (الأحزاب: 40).

وقد دخلت في الإسلام برسالة النبي صلى الله عليه وسلم أجناس كثيرة وشعوب مختلفة وبأعداد وفيرة نظرًا لأن رسالته صلى الله عليه وسلم للعالمين. ويدخل الخطأ في هذه الطريقة لتحديد الأجناس عمدًا -عن طريق المفتخرين باطلًا بنسبهم لعظماء الرجال-أو الأنبياء- وسهوًا.

ومما سبق نرى بوضوح أن تحديد الأجناس غير موضوعي بالمرة بل مجرد افتراضات وتكهنات لا تصل إلى مستوى الحقيقة.

الجنسية:

وهي تطلق على مواطني بلد ما يتم تحديد حدوده وفقًا لقدرة زعماء هذا البلد الحزبيين والسياسيين على زيادة رقعته، وهي قدرة متغيرة بدرجة كبيرة فلم يثبت التاريخ أن رقعة أي بلد ظلت كما هي فترة أكثر من مائتي سنة. والجنسية لا تحدد أجناسًا أو أديانًا. فهي إذن أقل موضوعية من الأجناس.

الجنسية الدينية:

وهي تسمية الشيخ محمد عبده للذين ينسبون أنفسهم لرسالة نبي ما سواء كانت نسبتهم هذه حقيقية أم محض افتراء. فإنا إذا رجعنا إلى دين كل الأنبياء لوجدناه واحدًا، ألا وهو الوحدانية المطلقة، كما سبق وبينت في مقالات سابقة. وأن كل ما اختلف هو المناسك من أيام آدم إلى أيام إبراهيم عليه السلام، ثم اختلفت صورة المناسك أو اسمها من رسالته إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن البشر تفرقوا في معتقداتهم أيما تفرق، فمع تقادم كل رسالة ابتعد نسل متبعيها كل في اتجاه حتى وصل بعضهم إلى الكفر والإلحاد ولكنه بحكم كونهم من نسل أحد متبعي رسالة ما فإنهم يسمون أنفسهم باسم فحوى الرسالة أو باسم رسولها. ومثال ذلك أنه قد يسمى شخص ما مسلمًا «وهو الاسم الذي يطلق بصفة خاصة على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم» ولكن واقع علاقته بالله يثبت أنه قد يكون ملحدًا أو مشركًا أو كافرًا أو وثنيًا أو لا خلقيًا.. إلخ. وقد يسمى الناس شخصًا ما مسيحيًا وتكون علاقته بالله علاقة توحيد مطلق له جل وعلا، أي أنه على الدين الحقيقي للمسيح عليه السلام والذي أسماه الله في القرآن الكريم الإسلام، فالمسيح عليه السلام مسلم وحواريوه رضي الله عنهم مسلمون وإن أسماهم الناس مسيحيين.

وقد يكون هناك معاصرون جنسيتهم الدينية المسيحية ولكن دينهم هو الإسلام ضاع ذكرهم لقلة عددهم. ولا يستحيل أن نجد يهوديًا يدين بالتوحيد المطلق قلبًا وقالبًا، فدينه إذن يكون الإسلام أما جنسيته الدينية فهي اليهودية. فالجنسية الدينية إذن لا تعبر عن عقيدة صاحبها فهي إذن غير موضوعية أيضًا.

من جميع ما سبق نجد أن دين شخص ما هو كيان موضوعي له يليق أن يحاسب عليه لأنه بمحض اختياره أما جنسه أو جنسيته أو جنسيته الدينية فلا يليق أن يحاسب عليها لقلة موضوعيتها من جهة ولعدم مسؤوليته عنها من جهة أخرى. كما أن الله لا يفضل شعبًا على شعب ولا قبيلة على قبيلة فكلهم عباده ولكن الله يفضل منهم الذين يتقونه، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). لقد خلق الله الشعوب والقبائل لتتعارف لا لتتقاتل وما أكثر ما يبغض الله القبلية والحروب التي تنشأ في سبيلها. وما أشد ما يحب القتال في سبيل الدين.

(1) هي ما ينتشر على الألسنة وإن لم يتضح مصدرها.

(2) الكنعانيون في التقاليد اليهودية والمسيحية، وقد ورد في بعض التقاليد أن الأسبرطيين من نسل إبراهيم.

(3) نسبة للناصرة التي عاش فيها المسيح عليه السلام، أو نسبة لقول الحواريين نحن أنصار الله ومن هذه أو تلك النصارى كما يسميهم القرآن الكريم دائمًا، ولا علاقة لهذا الاسم بالمذهب السياسي المعاصر. وعندما بشر بولس الأمم فإن الناصريين سموا مسيحيين، وقد كان ذلك في القرن الأول الميلادي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل