العنوان منبر المجتمع.. الدين وأدعياء نصرته
الكاتب الشيخ أحمد القطان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981
مشاهدات 76
نشر في العدد 548
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-أكتوبر-1981
روى السهيلي في كتابه «الروض الأنف» الجزء ٤ ص 62-63 أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى وفد قبيلة «شيبان» في موسم الحجيدعوهم إلى الإسلام فقال قائلهم: فإلى ما تدعو إليه يا أخا قريش؟ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وإلى أن تؤوني وتنصروني، فإن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد، فقال قائلهم: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام:151)
فقال قائلهم وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90) فقال قائلهم: «دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والله لقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك».. ثم قال قائلهم: «إنما نزلنا على عهد كسرى»!! أن لا نحدث حدثا ولانؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك!! فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه».
نلاحظ في هذا الموقف الجليل أن الرسول بدأ دعوته بكلمة التوحيد وهي أصل الدين فعلي الدعاة اليوم أن ينطلقوا من هذا الأصل العظيم ولا يركزوا في دعوتهم على الفروع فقط بل إن الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى فهم معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن يجعلوا الله غايتهم والرسول قائدهم وقدوتهم وأن يتحركوا بمقتضى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، لا حاكم إلا الله، ونلاحظ أيضا أن الدعوة تحتاج إلى النصرة والإيواء من قبل الدعاة المخلصين كما أنها تحتاج إلى دولة مسلمة تسير علي الكتاب والسنة تحميها وترعاها وتدفعها إلى الأمام لأن الدعاة يحملون الحق الذي سيشتبك في معركة مع الباطل سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
ونلاحظ أن من مهمة الدعاة تبيان الحلال والحرام للناس، وأن الذي يملك التحليل والتحريم والتشريع هو الله وحده، وهذه حقيقة تغيب عن كثير من الناس وخاصة أن الأنظمة الحاكمة اليوم في كثير من البلاد الإسلامية تشارك في تشريعه وحاكميته في الأرض والعباد.
ونلاحظ أيضًا في هذه الحادثة أن الرسول دعا إلى مكارم الأخلاق إلى العدل، الإحسان، وإيتاء ذي القربى، واجتناب الفحشاء والمنكر والبغي. وهذه أيضا من مهام الدعاة الصادقين وعليهم أن يربوا الناس عليها وأن يكونوا هم قدوة لهم فيها.
ونلاحظ أيضًا شهادة الأعداء بأن الإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والحق ما شهدت به الأعداء، وهذه ورقة رابحة بأيدينا ندينهم بكلامهم.
ونلاحظ أيضًا فهم هذا العربي الدقيق لخصائص الإسلام من أول لقاء عندما قال «وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك» ما سر كراهية الملوك لهذا الأمر؟ السر أن الإسلام يجعل الحكم لله والملوك تريد الظلم وترى أن ملكها لا يستقيم إلا فيه، وكلمة «ملك» تعني كل حاكم ورث الحكم لها ولهواها. والإسلام يأمر بالعدل والملوك تريد الحكم أو غلب عليه، ويدخل في مسماها زعماء ورؤساء الدول اليوم وإن تم انتخابهم فهم في الحقيقة ملوك جبابرة ما يصل أحدهم إلى الكرسي حتى يلتصق به فلا ينزع منه إلا بالموت أو القتل.
ونلاحظ أيضًا أن النبي رفض الولاء المشترك والعمالة الخئون فالوفد يريد أن يجعل الولاء والنصرة شطرين شطرا للفرس وشطرًا للإسلام، وأن يجعل الفكر قسمين: وقسمًا للفرس وقسم للدين وكذلك العقيدة وهذا ما وقع به كثير من المسلمين اليوم فتراه يقول لك أنا شيوعي مسلم أو اشتراكي مسلم، لأنه يرى حكامه يعطون الولاء إما للشرق أو للغرب فهو على سنتهم يسير.
ويراهم يكتبون في دساتيرهم أن دين الدولة الإسلام ثم يذبح الإسلام باسم الإسلام، وتقتل الحرية باسم الحرية، فلا ترى إلا الدين الموظف، ولا تسمع إلا وعاظ السلاطين الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل فهم يرفعون دنيا غيرهم بتمزيق دينهم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أجاب الوفد هذا الجواب الحاسم الحازم الذي يبين حقيقة من ينصر هذا الدين بصدق فقال. «وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه» نعم من جميع جوانبه من الجانب التعبدي الإيماني الأخلاقي، ومن الجانب السياسي، ومن الجانب الاقتصادي، ومن الجانب العسكري،
ومن الجانب التعليمي التربوي، ومن الجانب الاجتماعي ومن الجانب التشريعي، وإن لم يفعل فهو كاذب في نصرة هذا الدين٠
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل