العنوان الديمقراطية والانفتاح في العالم الثالث
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 144
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 08-فبراير-1994
الدول
الغربية تقوم الآن بتشجيع دول العالم الثالث على إقامة أنظمة ديمقراطية فيها
تعددية حزبية وانتخابات سياسية تتنافس فيها الأحزاب، وفعلًا قامت في بعض دول
العالم الثالث بناءً على نصيحة الغرب أنظمة شبيهة بالأنظمة الغربية من حيث تعدد
الأحزاب والانتخابات بعد أن كانت فيها أنظمة شمولية على غرار ما كان في الاتحاد
السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، ولكن الملاحظ في هذه الديمقراطيات المستحدثة في
العالم الثالث أنها لا تختلف عن الحكم الشمولي الذي كان سائدًا في تلك الدول، فقد
ظهر بوضوح أنها ديمقراطية شكلية وديكتاتورية مقنعة فهي امتداد للديكتاتوريات
السابقة، تُجرى انتخابات لا يفوز فيها إلا من أرادت له السلطة أن يفوز وسيطر أصحاب
النفوذ والسلطة على الاقتصاد الذي كان موجهًا وما كان يسمى بالقطاع العام ويحكم
التحول للنظام الليبرالي الجديد حسب زعمهم أصبح خاصًا، ولكن الخصخصة هذه ذهبت
لمصلحة أولئك الذين كانوا يهيمنون على الحكم، وزادت معاناة الشعوب وساءت أحوالها
الاقتصادية وعم الفساد وارتفعت الأسعار وتدهورت العملة المحلية، وأصبح الموظفون في
المؤسسات الحكومية لا تكفيهم مرتباتهم، فلا ينجزون عملًا إلا بالرشوة، وانطلق
أصحاب النفوس المريضة والذين كل همهم هو الكسب المادي سواء كان من حلال أو من حرام
تحت ستار الحرية يعبثون في البلاد فسادًا، مستغلين الأوضاع السيئة والانفلات من
القيم والأخلاق حتى إنه في بعض البلدان أقيمت شركات تحت أسماء مختلفة وأغراضها
مريبة، ولكنها من الواضح كلها تدور حول الدعارة والمخدرات، فهل هذه هي الديمقراطية
أو الليبرالية أو الانفتاح؟
ويلنا
إذا كنا نقلد الغربيين في مساوئ الديمقراطية والحرية ولا نقلدهم في محاسنها، فمن
محاسن الديمقراطية الغربية العدالة، فالجميع أمام القانون سواء، ولكل مواطن الحق
أن يلجأ إلى العدالة إذا ضيم في حق من حقوقه والمتهم فيها بريء حتى تثبت إدانته،
ولكن الديمقراطيات في العالم الثالث لا يستطيع أحد أن يشكو إذا ظلم، وإذا شكا فويل
له ثم ويل له من المنافقين المنبثين في كل الأجهزة، وإذا اتهم في قضية سياسية ألهب
ظهره بالسياط، وسلطت عليه أجهزة التعذيب من كل نوع.
ومن
المفارقات العجيبة أن الأنظمة التي كانوا يسمونها بالديكتاتورية أصبحت أفضل مما
يسمونها الديمقراطية، فلو سألت أحدًا عن عهد السلطان سليم العثماني مثلاً سيقول لك
إنه حكم ديكتاتوري، ولكن إذا نظرت بعين الإنصاف ستجد أنه أرحم من هذه الأنظمة
بكثير، فقد حدث في عهد السلطان المذكور أن اتهمت مجموعة من موظفي الخزينة بسرقة
أموال الدولة وحكم بإعدامهم، وما إن علم المفتي الشيخ علاء الدين الجمالي بذلك حتى
هُرع إلى السلطان وناقشه في هذا الحكم الذي يخالف الشرع، وغضب السلطان لتدخل
المفتي في شؤون السلطنة، ولكن المفتي قال إن أمر آخرتك من وظيفتي فإن عفوت عن
هؤلاء المتهمين فلك النجاة وإلا فعليك عقاب عظيم، ولم يزل بالسلطان حتى عفا عنهم
واكتفى بعقوبة تناسب تهمة التقصير الذي كان منهم أثناء عملهم.
أما في
هذه الديمقراطيات فهناك قوانين تسمى قوانين الطوارئ تبيح للحاكم أن يعمل ما يشاء
بالعباد ولا يعترض عليه أحد، وسرقة المال العام تجري على قدم وساق تحت سمع وبصر
الحكومة، وكأن الديمقراطية ما جاءت إلا لحماية السراق والفاسدين والمستغلين ممن
أسعفهم الحظ ليكونوا قريبًا من أصحاب القرار أو من أصحاب الجاه والنفوذ الذين تتاح
لهم الفرصة لتنهال عليهم العمولات من الداخل والخارج.
ونحن هنا
لا نؤيد الديكتاتورية، ولا ندين الديمقراطية، ولا نقول إن الديكتاتورية أفضل من
الديمقراطية، ولكن الديمقراطية التي يروج لها الغرب في العالم الثالث، ويتشدق بها
المتشدقون ليس فيها من الديمقراطية إلا اسمها وشكلياتها، فيصف فيها المقترعون في
طوابير طويلة كالسوائم يبصمون على الأوراق التي تعد لهم ثم تعلن النتيجة حسب الخطة
المرسومة من قبل أهل السلطة، أما إذا حاول الناس الخروج عن المألوف وأرادوا أن
يقولوا رأيهم بصراحة، ويختاروا من يمثلهم عن حقيقة فتنقلب الآية وتكشر
الديكتاتورية الخفية عن أنيابها، ويتحرك الغرب متضامنًا مع الديكتاتورية لوأد
التجربة الجديدة والديمقراطية الوليدة، كما حدث في الجزائر، لأنها لا تتفق مع
مصالح الغرب، وستنال من هيمنته، كيف وهم يريدوننا دائمًا أن نبقى ذيولًا لهم،
وسوقًا رائجة لمنتجاتهم، ومصدرًا دائمًا لتحريك مصانعهم، لا نصنع شيئًا، ولا نصدر
إلا الخامات التي يحتاجون إليها وبأقل الأسعار.
قد يقول
قائل: ما بال هذه الدول الغربية التي تنتشر فيها فاحشة الزنا والمخدرات وكل أنواع
الفساد لم يشاهد فيها إلا كل تقدم وازدهار؟ ولا يدري هذا القائل أن الحضارة
الغربية مهددة بالسقوط والزوال بسبب هذه الفواحش والأمراض والمخدرات، ولكنها
بإمكانياتها الضخمة وأعداد السكان الكبيرة تستطيع أن تقاوم وتتغلب على مشاكلها إلى
حين، فأمريكا خصصت لمعالجة الأمراض الجنسية 650 مستشفى، وفي سنة 1964م أعلن الرئيس
كينيدي أن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات لا يقدر
المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل 7 شباب يتقدمون للتجنيد يوجد 6 غير
صالحين لأن الشهوات التي غرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية.
وفي فرنسا يموت كل سنة 30000 نسمة بالأمراض الجنسية، وفي روسيا قد سبق أن قال خروشوف في الستينيات: إن مستقبل روسيا في خطر وإن شباب روسيا لا يؤتمن على مستقبله لأنه مائع منحل غارق في الشهوات. أما في بريطانيا والسويد وغيرها من الدول الأوروبية فنسبة الأمراض الجنسية وأولاد الحرام لا تقل عن أمريكا وفرنسا ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (الحج: 48).