العنوان الديموقراطية على الطريقة العربية
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 89
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 18-يوليو-1995
في إمكان أي نظام حاكم على الساحة العربية أن يزعم أنه حامي حمى الديمقراطية والملتزم الوحيد بأبعاد ومعالم وأركان وأسس الديمقراطية، وفي مقدور أي نظام حاكم أن يعلن عن أشكال شتى للانتخابات والاستفتاءات وأن يؤكد عبر أجهزته الإعلامية وعبر مريديه وأتباعه والدائرين في فلكه والمنتفعين من الوقوف على أعتابه، وعبر فريق من المثقفين الذين انضووا تحت جناحه شغلهم الشاغل هو الثناء على سياساته وتمجيد تصرفاته، والترويج لبضاعته، والبحث عن المبررات لعوراته... أن يعلن أنه يحظى بتأييد شعبه، وأنه يمثل الأغلبية الساحقة من قطاعاته وجماهيره .. ويؤكد ذلك حصوله على نسبة مئوية في أية انتخابات أو استفتاءات لا تقل عن التسعات الأربع، وأنه من ثم ماض على طريق الديمقراطية نحو المزيد من الديمقراطية التي لا نكوص ولا رجعة عنها.
إلا أن الواقع المرئي والمسموع والملموس والمعاش يبقى هو المحك وهو الشاهد وهو الدليل والبرهان الذي يؤكد صحة المزاعم أو زيف المزاعم، وصدق الأبواق أو كذب الأبواق.
وإذا كانت الانتخابات هي في نظر ومفهوم كثيرين هي محك القياس والميزان القياس ووزن مدى توفر الأجواء الديمقراطية والتطبيق الديمقراطي، فإن التجربة ماثلة أمامنا في ثلاث دول عربية شغل الحديث عن الانتخابات الساحة فيها على مدى الشهور الماضية، ومن المحتمل أن يظل يشغلها أيضًا حتى اقتراب العام من نهايته.. ونحسب أن الانتخابات المحلية التي جرت في تونس وهي إحدى الدول الثلاث فيها المثال والنموذج.
لقد جرت انتخابات المحليات في تونس في مايو الماضي، وفي ما يقرب من أربع آلاف وسبعين دائرة محلية ... وسبقها إعلان من النظام الحاكم التونسي يؤكد أن محطة من محطات الديمقراطية تهيئ لما بعدها من استقرار وتوسع ديمقراطي، وترسخ معالم التعددية الصحيحة، حيث ستشارك فيها كل أحزاب المعارضة على قدم المساواة مع حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم.
كما صاحب الانتخابات ضجيج إعلامي رسمي يروج لنزاهتها، واتساع المشاركة وتوفر المساواة فيها، ورسوخ التقاليد الديمقراطية التي أرساها الحكم التونسي، إلا أن النتائج التي أعلنت رسميًّا في تونس بعد إجراء الانتخابات قالت: إن الحزب الحاكم فاز بأكثر من تسعة وتسعين وتسعة وتسعين من مائة في المائة من المقاعد، أما أحزاب المعارضة فقد فازت بستة مقاعد.
وبدأت الصورة تتضح بعد أن صدقت أحزاب المعارضة الدعوة والتصريحات الرسمية الوردية عن النزاهة والحيدة والمساواة قبل الانتخابات، ثم استيقظت على صدمة الواقع السلطوي الذي جعل منها صورتين لتزيين جدران ديكورية في قاعة يتربع الحكم على عرشها. رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين السيد محمد مواعد قال في مقال طويل: «إن الحزب الحاكم قد غطت تجاوزاته كل المناطق على مستوى تونس، وأنه قدم ملفا كاملا بكل هذه التجاوزات تؤازره في ذلك كل أحزاب المعارضة، وأنه مستعد للمثول أمام القضاء لإثبات صحة ما ذكره من الأدلة، وأن احتفال الحزب الحاكم بالفوز بنسبة ٩٩.٩٩٪ من المحليات هو احتفال فرح بفشل التعددية»
حركة التجديد التونسية قالت: «إن الشروط القانونية والإعلامية والسياسية لم تتوافر لإنجاح الانتخابات المحلية التي كنا نريدها محطة جديدة للديمقراطية، وأن الانتخابات المحلية بنتائجها وأرقامها وتجاوزاتها التي تخللتها كانت صدمة لمن راهنوا على المشاركة فيها».
«لقد أدت إلى احتكار مطلق ومهول وبأرقام تفوق ٩٩٪ كما همشت المعارضة تهميشًا كاملًا»، وأن هناك أزمة عميقة في العمل السياسي، لقد تراجعت ساحته وإمكاناته وانتشرت ظاهرة العزوف عن العمل السياسي، وانتشرت معها الحيرة والانتهازية والمصلحية وأخذت النخبة تبتعد عن الالتزام والمشاركة في العمل الديمقراطي الذي يتعرض العراقيل مزمنة أهمها عقلية الحزب الواحد، وغياب الإعلام التعددي والترويج إلى احتكار الحياة السياسية والاجتماعية احتكارًا مطلقًا، كما صار الإجماع يطغى على الرأي المخالف.
أما حزب الوحدة الشعبية فقد قال: «إن العراقيل والصعوبات التي واجهتها المعارضة تمثلت في ضغوط مختلفة، ومنها محاولات إثناء الراغبين في الترشيح عن الترشيح، إن هناك قوى معادية للتعددية مازالت تعمل على الساحة.
من الواضح أن المعارضة وهي تتحدث عن ملفات لتجاوزات الحزب الحاكم في الانتخابات واستعدادها للمثول أمام القضاء، وتأكيدها على تبني الحكم في تونس السياسة الانفراد بالسلطة، ومناهضة التعددية الصحيحة، مع الحرص على ألا يتجاوز دور أحزاب المعارضة -الشكل الديكوري الذي يزين الواجهة- تلتزم قدرًا كبيرًا من الحيطة والاقتضاب في مواجهتها للحزب الحاكم ومعالجتها لقضية الديمقراطية ودعاوى الحكم حول التعددية والمحطات الديمقراطية الأمر الذي يعكس جانبًا آخر من صورة الوضع الداخلي في تونس، يؤكد بدوره مدى المسموح به ومدى الممنوع في مجال التناول والمعالجة بالنسبة للمعارضة.
إذاعة لندن كان لها تعليق على ديمقراطية الانتخابات المحلية في تونس حين قالت:
«إن النظام التونسي يقول: إن انتخابات المحليات محطة جديدة من محطات الديمقراطية وترسيخ التعددية، ولكن هناك حزب النهضة الممنوع من النشاط، والذي جرت وتجرى ملاحقته أمنيًّا، إنه الحزب المنافس للحزب الحاكم في الانتخابات والساحة السياسية».
أما حزب النهضة نفسه فقد أصدر بيانًا مع مجموعة من الأحزاب التونسية المعارضة أدان فيه الفئات على الحريات في تونس وتزييف إرادة شعبها من خلال انتخابات مزيفة.. خرج منها الحزب الحاكم بالنصيب الأكبر والأعظم من الدوائر المحلية، ولم يترك للأحزاب المعارضة إلا فتات الفتات.
إن تجربة الانتخابات المحلية في تونس والتي فاز فيها الحكم التونسي بأكثر من أربعة آلاف وأربعة وستين مجلسًا محليًّا .. وخرجت منها الأحزاب المعارضة التي شاركت فيها بست محليات، إضافة إلى ما أعلنته هذه الأحزاب وبشكل مهذب ومشذب.. عن تجاوزات وتزييف السلطة للانتخابات، أيضًا منع أكبر الأحزاب المعارضة من النشاط وملاحقته تحت شتى الدعاوى والاتهامات، ومع ما قالته إذاعة لندن على طريقتها الخاصة، يؤكد أنه من السهل أن ترفع شعارات الديمقراطية، وينطلق الإعلام الرسمي في هذا البلد أو ذاك مرددًا لأناشيدها، مترنمًا بالإنجازات الرسمية في محيطها، ولكنه من الصعب أن تحجب الشعارات والتصريحات والأناشيد والأبواق الحقائق أو تزيف الوقائع.. أو تجمل الواقع المأساوي.