العنوان الديمقراطية وسيادة الأمة في النظام الإسلامي
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 44
السبت 01-نوفمبر-2003
الديمقراطية الأوروبية توصلت إلى مبدأ سيادة الأمة في اختيار الحاكم ومحاسبته بعد أكثر من عشرة قرون على إقرار الشريعة الإسلامية لذلك.
علق أحد الكتاب على قيام الحركة السلفية في الكويت باختيار أمينها العام عن طريق الانتخاب بقوله إن هذه الحركة ترفض الديمقراطية وتعتبرها كفرًا وتدعو إلى الشورى الإسلامية وإن الشورى تقوم على أساس قيام كبير القوم أو قائدهم باختيار عدد من أفراد المجتمع لمعاونته في الإدارة. وينتهي الكاتب إلى أن لجوء هذه الحركة إلى الأسلوب الغربي في اختيار الرئيس عن طريق الترشيح والانتخاب دليل على أنها تركت نظام الشورى الذي يخول الرئيس بإشارة من إصبعه أو بإيمائة من رأسه لينتهي الأمر باختيار من يريده هذا الرئيس.
وبسبب ما سبق جاء هذا التوضيح:
بوحي من الله تعالى وضع النبي صلى الله عليه وسلم القواعد التي تنظم اختيار المسؤولين بمن فيهم الحكام فجعل الاختيار للناس فهم الذين يختارون من يمثلونهم ومن يكون أميرًا وحاكمًا عليهم.
ففي بيعة العقبة، وهو في عصر الاستضعاف بمكة قبل الهجرة، جاءه المسلمون من أهل المدينة ليتفقوا معه على أمور دينهم ودنياهم، ويتحالفوا ويتعاهدوا معه على ذلك، فطلب منهم اختيار من يمثلهم وذلك بقوله: «أخرجوا لي منكم اثنى عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم»[1].
وحكم ببطلان البيعة للأمير والخليفة بغير مشورة ورضا من الأمة فقال: «من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له، ولا الذي بایعه»[2]
وجعل الترجيح للأغلبية فقال: «عليكم بالسواد الأعظم»[3].
وفي هذا قال الماوردي: «وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام، عمل على قول الأكثرين»[4] وقال الغزالي: «الإمام من انعقدت له البيعة من الأكثر».[5]
لقد توصلت الديمقراطية الأوروبية إلى أن السيادة للأمة في اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله بعد أكثر من عشرة قرون على هذه التشريعات الإسلامية التي طبقها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، ولكن الديمقراطية الغربية تقضي بعدم مسؤولية الحاكم سياسيًا إذا كان الحكم جمهوريًا ومساءلته جنائيًا ولكن أمام محكمة خاصة، وفي حالات الخيانة العظمي، وتقضي هذه الديمقراطية بعدم مساءلته سياسيًا وجنائيًا إذا كان نظام الحكم ملكيًا وذلك طبقًا لقاعدة: «حيث لا سلطة لا مسؤولية».
وكل هذا مرفوض في ظل الشريعة الإسلامية، فالحاكم كآحاد الناس ويحاكم أمام المحاكم التي يحاكم أمامها عامة الشعب، ويُسأل عن جميع الجرائم[6].
لقد ثبت نظام الشورى في الإسلام بالقرآن والسنة، وإجماع الصحابة، فيما ليس في الكتاب والسنة، فهما الدستور الذي يحكم الشورى في جميع المجتمعات الصغيرة والكبيرة وفي الدولة ومؤسساتها، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦).
وتضمن القرآن الكريم أمر الله إلى نبيه ﷺ بالشورى في قوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) مع أن النبي ﷺ يتنزل عليه الوحي ويستطيع أن يستغني عن المشاورة، ولكن الله تعالى أمره بذلك، ليكون ذلك دستورًا للمسلمين وليتدرب الصحابة على الشورى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أكد ذلك بقوله: «إن الله ورسوله لغنيان عنهما ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، من استشار منهم لم يعدم رشدا. ومن تركها لم يعدم غيًا».[7]
بذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم صحابته في اختيار مكان أول معركة مع كفار قريش، فأشار الحباب بن المنذر أن تكون أرض الميدان هي منطقة بئر بدر بعد أن أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن اختيار المكان ليس من الله بل من أمور الحرب والرأي.
وشاور النبي صلى الله عليه وسلم صحابته يوم أحد ليختار مكان المعركة، وكان يفضل أن يكون داخل المدينة، فرأى الأغلبية مواجهة الكفار خارج المدينة فنزل على رأيهم.
واستشار الصحابة في غزوة الأحزاب فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة، ولهذا تسمى هذه الغزوة بغزوة الخندق.
واستشار زوجته أم سلمة في أمر الصحابة الذين خالفوا في هدنة الحديبية، ونزل على مشورتها، حيث رأت أن يتحلل هو من العمرة أولاً، وكان مما قاله في أمر هذه المشورة: «حبذا أنت يا أم سلمة، لقد نجَّى بك الله المسلمين من عذاب أليم».
إجماع الصحابة على العمل بالشورى
أما إجماع الصحابة على العمل بالشورى فالأدلة على ذلك لا يتسع لها هذا المكان، وحسبنا أنه لا يختلف أحد في أن الشورى كانت العلامة المميزة لعهود الخلفاء الراشدين، وفي هذا قال البخاري: «كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ.[8]
ومع هذا كله يثور التساؤل على مر السنين عن حكم الشورى: هل هي ملزمة أم مُعلمة؟ وهل هي واجب أو مندوب؟ بمعنى هل نتيجة الشورى ملزمة لخليفة المسلمين فواجب عليه الالتزام بما انتهى إليه مجلس الشورى؟ أم هي مُعلمة له فلا يلتزم برأي مجلس الشورى ويتصرف كما يشاء؟
يرى جمهور من المحدثين والعلماء أن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، والحاكم الذي لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا ما لا خلاف فيه.[9]
ولكن يرى بعض العلماء أن الشورى معلمة وغير ملزمة، وحجتهم أن الشورى لا تكون فيما ورد بشأنه حكم في القرآن أو السنة النبوية وسندهم الشرعي أن الله تعالى قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ۱۰۹) والمعنى عندهم: أن الشورى واجبة على الخليفة ابتداء لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أما نتيجتها فغير ملزمة للخليفة، فلا يلزم شرعًا بحكم أهل الشورى، فإذا عزم على أمر من الأمور قله إبرامه حسب رأي مجلس الشورى أو خلافًا لرأيهم لقول الله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فالوجوب في الاستشارة وليس في الالتزام بنتيجة الشورى، وهؤلاء لهم عذرهم. حيث كان الحاكم أجيرًا لدى الشعب وخادمًا له، أما في عصرنا فقد انتهت نظرية مراحل النمو لجان جاك روسو[10] إلى أن يحكم الشعوب النامية نخبة مستبدة تنفذ ما تراه جبرًا.
إن النص القرآني لا يفيد ما ذهب إليه هؤلاء، لأنه من التناقض أن يأمر الله بالشورى ثم يأمر الحاكم الملزم بالشوري أن ينفذ ما يراه غير متقيد بما ألزمه الله في قوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الأمور التي لا نص فيها والتي تخضع للشورى.
ویرى بعض الفقهاء أن الآية القرآنية تفرق بين شيئين الأول ما لم يرد بشأنه حكم شرعي فهذا تجب فيه الشوري لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الأمر الثاني: ما ورد بشأنه نص قرآني أو من السنة النبوية أو بالإجماع فهذا لا مشورة فيه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
ويرى آخرون أن المشورة واجبة قبل العزم والتبين فعن البخاري في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ۳۸)، وقوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال البخاري: إن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله.
ومع هذا الاجتهاد من البخاري فإن القرآن يأمر بالشورى، كما يأمر بالأخذ بالعزيمة لتنفيذ نتيجة الشورى أي رأي مجلس الشورى، متوكلاً على الله في ذلك.
الحكم الشرعي والسيادة
إن الشورى في المجتمع الإسلامي تختلف عنها في المجتمعات غير الإسلامية قديماً وحديثاً. فلا سيادة للأمة إذا وجد حكم شرعي من الكتاب أو السنة النبوية، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) ولهذا وجدت حوادث لم يأبه فيها الأمراء برأي العامة، فقد رفض أبو بكر موقف مانعي الزكاة وموقف الصحابة الذين رفضوا قتالهم، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب الذي قال: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه؟ فالخليفة أبو بكر لم يأخذ بهذا الفهم الذي تمسك به عمر حيث فهم معنى آخر للحديث النبوي مسترشدًا بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: ٥) ولهذا قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
ولكنه مع هذا لم ينفذ رأيه مع توافر السلطة بيده، وظل يحاور عمر ومن معه حتى شرح الله صدرهم لهذا الفهم، وعدلوا عن رأيهم، فليس صحيحًا أن خليفة المسلمين لا يتقيد بالمشورة، وليس صحيحًا أن القرآن الكريم لا يلزم الخليفة بقرار مجلس الشورى.
روى أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما»[11] وعندما توجه الحباب بن المنذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عن المكان الذي اختاره لمعركة بدر كان سؤاله: هل هذا منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخره أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: ننزل بماء بدر، ثم شرح أسباب ذلك، ولم يعارضه الصحابة، فنزل صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي كما سبق[12].
كما نزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي الشباب في اختيار مكان أحد، وقد كان رأيه ورأى كبار الصحابة أن يتحصنوا بالمدينة، لأن النبي قد رأى في المنام كأنه في درع حصينة، حيث قال لهم فيما رواه أحمد: «رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا تنحر، فأولت الدرع الحصينة بالمدينة»[13] ولكن كان الشباب أغلبية فنزل على رأيهم، ولما أبدوا استعدادهم للتراجع عن رأيهم بعد أن تقلد سيفه رفض، لأن عدولهم ليس لقناعتهم بذلك، ولأنه ما كان لنبي أن يلبس درعه ثم يعدل. إن النبي كله في هذه المواقف وغيرها يطبق قول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
وهذا التطبيق العملي خير دليل على أن الشورى ملزمة.
وأما الاستشهاد بمواقف لم يأخذ فيها الإمام بالشورى، فهذه المواقف تتعلق بالأمور التي ورد بشأنها حكم في القرآن أو السنة النبوية، وهذا الحكم لا مجال للرئيس أن يخالفه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩)
كما لا مجال لمرؤوس أن يشير بشيء يخالف الكتاب والسنة، فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فهذا النص يوجب على كل مسلم ألا يطيع أمرًا فيه معصية لله تعالى، ومن باب أولى لا يشير على أحد بشيء يخالف القرآن والسنة النبوية.
لهذا لم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي عمر ومن معه من الصحابة الذين عارضوا صلح الحديبية حيث كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني»[14].
وهذا الجواب يدل على أن هذا الصلح قد تم بوحي من الله وإذن منه، ويؤكد ذلك ما ورد في سورة الفتح من تحقق رؤيا النبي بما ترتب على الصلح من دخول مكة في العام التالي، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الفتح: ٢٧) وما ورد فيها أن الصلح هو بداية لفتح مكة، وما ورد عن هذا الصلح في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ (الفتح: ٢٤).
الصلح مع غطفان
إن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لم ينزل عليه فيها وحي من الله تعالى يدل على أن الحاكم ملزم بما ينتهي إليه رأي الأغلبية، ويتضح هذا من الأمثلة السابقة، وعلى الأخص نزوله على رأي الأغلبية في غزوة أحد وفي الصلح مع قبائل غطفان.
ولقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم مؤامرة كبرى حيث أبرم الوفد اليهودي مع زعماء غطفان اتفاقًا لغزو المدينة، وأهم بنوده:
١_ أن يدفع اليهود لغطفان ثمار تخيل خيبر لمدة سنة.
٢_ أن تشترك قبائل غطفان في الجيش الموحد بستة آلاف مقاتل.
٣_ أن تحشد قريش وحلفاؤها أربعة آلاف مقاتل.
٤_ أن يشترك اليهود بجيش بني قريظة الواقع في الطرف الجنوبي للمدينة، وأن ينفذ القائد حيي بن أخطب تعهده للأحزاب بأن يوجه الضربة للمسلمين من خلف ظهورهم من داخل المدينة وذلك في ساعة الصفر، باعتبار أنه توجد وثيقة بين النبي صلى الله عليه وسلم واليهود بموجبها فإن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وأنهم يدافعون عن المدينة من الناحية الجنوبية التي فيها بيوتهم ومساكنهم وحصونهم، وبالتالي ستكون هذه الخيانة هي العامل الحاسم في المعركة.
بجانب هذا التحالف وهذه الخيانة، ظهرت خيانة المنافقين داخل صفوف المسلمين، فقالوا لجنود المسلمين: لقد كان محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، ولكن أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب لقضاء حاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ثم حرضوا جنود المسلمين على الانسحاب من المعركة، وبدأ أحد قادتهم وهو أوس بن قيظي بإعلان الإذن في الانسحاب بحجة أن بيوتهم خالية من الرجال، ويرون الدفاع عن نسائهم، وقد سجل القرآن الكريم هذا الموقف في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (الأحزاب: ١٣).
لهذا كله شرع النبي صلى الله عليه وسلم في إحداث الفرقة بين هذا التحالف لفك الحصار من الخارج والداخل وليخفف العبء عن جيشها الصغير، فاتصل بقائدي قبائل غطفان، عيينة بن حصن والحارث بن عوف، للانسحاب والتوقف عن أي عمل ضد المسلمين وبفك الحصار عن المدينة ولهم ثلث ثمار المدينة، فطلبا النصف، فأصر النبي على الثلث، وقبلت غطفان ذلك وحررت بنود الصلح، وتوقف على توقيع الطرفين.
ولما كانت ثمار المدينة تعود للأنصار وليس للمهاجرين، فقد استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن توصل إلى هذه النتيجة.
إنه على الرغم من أن هذا الاتفاق هو بديل لاتفاق اليهود مع قبائل غطفان بمنحهم ثمار نخيل خيبر لمدة عام، أي أن ثلث ثمار المدينة سيكون لهذه المدة وليس إلى الأبد، فكان جواب الأنصار بلسان ممثليهم سعد بن معاذ رئيس الأوس وسعد بن عبادة رئيس الخزرج: إنه لو كان هذا الصلح وهذا الاتفاق قد تم عن أمر الله – أي بوحي من الله – فهما باسم الأنصار يذعنان ولو كان في ذلك هلاكهم، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لو كان هذا بوحي من الله ما شاورتكما إنما هو الرأي والمشورة، فقد رمتكم العرب عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمر ما».
فكان جواب سعد بن معاذ: «قد كنا وغطفان على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا بيعاً أو قرى (ضيافة) أفحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا؟ ما لهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت وذاك».
كان الجواب بحضور سعد بن عبادة رئيس الخزرج، وفي مواجهة قائدي غطفان: عيينة بن حصن والحارث بن عوف اللذين سمعا القرار، ثم وجه سعد بن معاذ الكلام إليهما فقال: ارجعا ليس بيننا وبينكم إلا السيف، ومزق الصحيفة ومحا ما فيها من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا علينا[15].
[1] مسند أحمد ٣/٣٣٢، والمستدرك للحاكم ٢/٦٢٤.
[2] رواه أحمد.
[3] الأحكام السلطانية للماوردي (ص ٩٨).
[4] المرجع السابق، ص ١٥.
[5] تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ٢/١٢.
[6] السياسة الشرعية ابن تيمية، ص٣ ، والفصل في الملل والنحل لابن حزم، ج٤، ص ۸۷.
[7] روح المعاني للألوسي ١/١٠٦.
[8] فتح الباري ١٧/٢٠، وسيرة ابن هشام ٢/٢٣٣ وبدائع الصنائع للكاسائي ١٠/٤٤١.
[9] تفسير ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز: ۳۹۷/۲، وقول ابن عطية نقلاً عن تفسير القرطبي: ١/٢٤٤.
[10] انظر تفصيل ذلك في كتاب: تهافت العلمانية في الصحافة العربية للمؤلف الفصل الثالث دار الوفاء بمصر.
[11] مسند أحمد: ٤/٢٢٧.
[12] السيرة لابن كثير ٣/١٨٢.
[13] فتح الباري ١٧/١٠٤.
[14] السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٧.
[15] السيرة النبوية: لابن هشام ٣/٢١٤ – ۲۲۳ والسيرة الحلبية ٢/١٠٣.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل