العنوان الديمقراطية بمفهوم دكتاتورية الفرد!
الكاتب أحد الغرباء
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 483
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 03-يونيو-1980
لو تم تطبيق الشريعة الإسلامية كما ينبغي لكان أول من يؤخذ بتلابيبه هو السادات
- الشعب المصري والخطاب التاريخي
لا جدال في أن الشعب المصري الطيب إلى أبلغ حدود الطيبة، قد اهتم اهتمامًا خاصًا بخطاب الرئيس السادات الأخير في الرابع عشر من مايو الماضي الذي ألقاه في مجلس الشعب بمناسبة ما أسماه بثورة التصحيح والشعب المصري الذي ضرب أروع الأمثلة أيضًا في الصبر والاحتمال وضبط النفس مقابل أن ضرب له أروع الأمثلة أيضًا في الضغط والحرمان والمعاناة لم يكن سبب اهتمامه مسبقًا بالخطاب «التاريخي» تطلعًا إلى جديد في السياسة يضع حدا لعنجهية إسرائيل وصلفها أو على الأقل جديد في التهكم على العرب وسياسة العرب، وإنما كان سبب اهتمام هذا الشعب الطيب بالخطاب الذي استغرق أكثر من خمس ساعات الدعاية الضخمة التي سبقته، مؤداها: إن الخطاب سوف يتضمن لا محالة ما يؤكد إجلاء المعاناة عن عاتق الشعب المكدود المطحون إلى غير رجعة... وانتهى الخطاب وأفاق الشعب من أحلام اليقظة بعد أن تأكد لديه أن الجبل قد تمخض فولد صرصارًا ميتًا لا فأرًا تدب فيه الحياة.
- سياسي قديم يحلل الخطاب
كنت في زيارة سياسي قديم نظيف لم يشترك في الحياة السياسية منذ بداية الحكم العسكري في يوليو عام ١٩٥٢م.
آثر أن يعيش في الظل نسيًا منسيًا ما دام راضيًا عن نفسه على أن يعيش تحت الأضواء عملاقًا أجوف يساير مرة ويداهن مرات يعيش على تأنيب النفس ووخزات الضمير، وسألته عما إذا كان قد سمع الخطاب «التاريخي» الأخير، أو على الأقل قد قرأه، فابتسم في هدوء- وقال: لم أقرأ، ولكني سمعته مكرهًا، لأن المرء قد يفرض عليه أن يسمع مكرها.
ولكن لا يفرض عليه أن يقرأ مكرها، كان لدي ضيفان عربيان عزيزان رغبًا في أن يستمعا إلى الخطاب من قبيل التسلية لا أكثر.
ماذا في الخطاب من جديد؟
وقلت له: لكني راغب في استطلاع رأيك عن أهم ما تضمنه الخطاب إن كان هذا لا يضايقك لأطمئناني إلى رأيك وما أقل اليوم من نطمئن إلى آرائهم.
بعد أن اختلط الحابل بالنابل وبعد أن صار كل ما تنشره وسائل الإعلام أو ما تخطه وتقوله الأقلام والألسنة المسايرة لكل عهد ولكل اتجاه بلا ضمير وبلا خلق ساقطًا من الحساب عند تقدير الأمور أو تقويمها.
وقال: أنت تعلم أنني قليل الكلام، ولكني كثير التفكير لا في شئون مصر وحدها، بل في شئون العالم الإسلامي في المقام الأول.
وشئون العالم العربي في المقام الثاني والفصل بين العالمين جريمة لا تغتفر، وهذا ما لم يدركه لا ولاة أمور العالمين من قبل، ولا يدركه ولاة أمورهما اليوم، فانهيار العالم الإسلامي انهيار كامل للعالم العربي وانهيار العالم العربي ليس إلا مقدمة لانهيار العالم الإسلامي...
ولمح محدثي بين عيني لمحات التطلع إلى انطباعاته الخاصة عن الخطاب «التاريخي»... فقال: لا تتعجل الأمور، ولن أحدثك عن الشعارات التي تتردد في كل خطاب مثال أسطورة «الديمقراطية»... «وسيادة القانون» و«ثورة التصحيح»… ومكاسب الشعب وما إلى ذلك من الشعارات الفضفاضة التي لا يصفق لها، ولا يهتف لها إلا كل ساذج، ولا ينعق لها إلا كل ناعق، فكل هذه الشعارات لا تغني ولا تسمن من جوع، لأنها حبر على ورق كما يقولون، وإني سائلك سؤالًا واحدًا: هل يجرؤ إنسان على نقد الرئيس؟... وإذا قدر له أن يرفع صوته أو يخط قلمه بالنقد فماذا يكون مصيره؟... لكني سأعفيك من الجواب لأني في غنى عنه... ولنتحدث عن البشائر:
أولًا- إلغاء الأحكام العرفية...
مثلا فهل كان لها مبرر من قبل؟ وبخاصة بعد معاهدة الصلح مع العدو الإسرائيلي؟ وقد مضى عليها زهاء عامين؟ ثم إن العبرة ليست بالإلغاء، وإنما بإحساس كل مواطن بالأمن في أعماق نفسه...
الشعور الفردي لدى الحاكم:
وقلت: لكن الشعب استقبل بكثير من السعادة تعديل المادة الثانية من الدستور، حيث أصبحت تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريعات والقوانين.
وقال مبتسمًا: منذ أن وضع الدستور المصري وهو ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، فهل كان لمثل هذه المادة أي مدلول تطبيقي؟ كثيرًا ما أقرأ لك أن المقصود من تطبيق الشريعة ليس إقامة الحدود فحسب- بل المقصود أن يكون الإسلام نظام حياة بأسرها، فهل نتوقع ذلك بعد هذا النص الدستوري الجديد؟
أظنك تقول: إن هذه مسئولية مجلس الشعب والأزهر ووسائل الإعلام وأنت تعلم أن مجلس الشعب مصدق «بتشديد الدال المكسورة، وليس بتشديد الدال المفتوحة»، وأن شيخ الأزهر ما زال يعين بقرار جمهوري وينحى بقرار جمهوري، وأن العاملين بوسائل الإعلام قوادون للسياسة الموجهة.
إن تطبيق الشريعة الإسلامية لو تم كما ينبغي لكان أول من يؤخذ بتلابيبه هو الرئيس فالامتيازات التي يتمتع بها لم يسبق لها مثيل حتى في عهود الأباطرة والأكاسرة دعك من الامتيازات المادية لأن الكفن كما يقول العامة- ليس له جيوب، ولكني أقصد الامتيازات الأخرى، فعلى الرغم من الطنطنة بالدستور فهو الدستور، وبرغم الجعجعة بسيادة القانون فهو القانون...
وحتى في خطابه التاريخي الأخير، جاء على لسانه: أصدرت أوامري بتطبيق قانون الوحدة الوطنية وقف نشاط الجمعيات الدينية غير المسجلة وبخاصة في المعاهد ودور العلم- لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة العمل السياسي يجب أن يتم من داخل الأحزاب السياسية والمجالس الشعبية... ألا تحس معي بأن الرجل غير مستعد لأن يتنازل قيد أنملة عن أن يظل وحده هو المشرع لا الله ولا مجلس الشعب؟! كيف يمكن حتى لنصف عاقل- أن يهضم حق الجمع بين تطبيق الشريعة الإسلامية وإقصاء الإسلام عن السياسة؟... أليست هذه هي « الأتاتوركية» نفسها ولكن مع شيء من اللعب بالألفاظ؟
موقف الأقباط تاريخيًا.
وقلت: لكن ألست معي في أن الرئيس لأول مرة يصرح بما يديره في الظلام قادة الكنيسة في داخل مصر، وأنصارها في خارج مصر، وقد كان فيما سبق لا يحمل إلا على الجماعات الإسلامية بصريح العبارة؟ وقال الرجل:
لست متعصبا ضد غير المسلمين لا في مصر ولا في غيرها، لأني مسلم أومن بسماحة الإسلام إلا أن لسماحة الإسلام حدودًا، ومواطنونا النصارى منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر منذ زهاء قرن من الزمان يفكرون ويدبرون ويتحركون بحكمة وعقل، وقد أدخل في روعهم أن مصر وطنهم، ونحن غرباء أو دخلاء كانوا طوال عهد الاحتلال الإنجليزي يحسون بأنهم في حماية الإنجليز، ومنذ أصبحت مصر تدور في فلك السياسة الأمريكية وهم أيضًا يحسون بأنهم في حماية أمريكا ومن هذا المفهوم يتحركون اليوم كما تحركوا بالأمس ولا جدال في أن الرئيس هو الذي منحهم الفرصة لكي يتنمروا ويستأسدوا ويتجاوزوا حدودهم بألوف الأميال، ولا تحسبن أن ما جاء في الخطاب عن تحركات الكنيسة تهديد لها، بل على العكس كان تهديدا للجماعات الإسلامية بالمعاهد والجامعات...
الحاكم هو الدستور؟!
قلت: وماذا عن التعديل الدستوري الخاص بمد رياسة الرئيس؟
قال: ليست المسألة في حاجة إلى تعديل في الدستور، ما دام الرئيس هو الدستور، وهو مجلس الشعب وهو القضاء وهو القانون وهو الصحافة، وهو المعلم الأول والفيلسوف الأول، والفقيه الأول بل هو الشعب والشعب هو... هو السياسة والسياسة هو هو الداخلية والخارجية على السواء... هل نسيت ما قاله عبد الناصر في مؤتمره الصحفي في مايو عام ١٩٦٧ إثر إعلان حالة الطوارئ؟ لقد قال: إنني لست «خرعًا» كأيدن، سوف أبقى عشرين سنة في المنطقة متحديا الغرب... فكمْ عاش بعد ذلك؟... ثلاثة أعوام وأربعة شهور!
وإذا كانت السياسة ملكًا لکارتر أو بريجنيف، وهي السياسة التي تملك اليوم أن تقوض عروشًا وتقيم عروشًا...
لقد كان عبد الناصر يطمع في أن يعيش كما عاش تيتو وفرانكو وسالازار ديكتاتور البرتغال ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه فإن الأعمار بيد الله، وحتى كارتر وبريجنيف بل روسيا وأمريكا... بيد الله، وهذا ما يجهله كل طاغية يقلقه أن يكون نصف إله...!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل