; الديمقراطية العوراء | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية العوراء

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2010

مشاهدات 1

نشر في العدد 1892

نشر في الصفحة 66

السبت 06-مارس-2010

الأخيرة

بقلم: أ. د. عبد المنعم الطائي[1]

الديمقراطية العوراء

مهما قيل عن ثوابت الديمقراطية الغربية، وعمقها التاريخي، وقدرتها على الفاعلية والتنامي والاستمرار، فإنها بإحالتها على سلوكيات التعامل الغربي مع العالم، سواء في مرحلة الاستعمار القديم أم الجديد، تبدو محاولة عوراء تنظر بعين واحدة.. فهي في الساحة الغربية نفسها تمارس حضورًا ملحوظًا قد يعمق حينًا ويبهت حينًا آخر وفقًا لشبكة من المؤثرات، لكنه حضور مؤكد على أية حال لا يكاد أحد ينكر ما حققه لشرائح اجتماعية واسعة النطاق هناك من نتائج، وما منحه إياها من فرص للتعبير والتحقق الأدبي والمادي على السواء.

 لكن هذه الديمقراطية ما أن تغادر ساحات الغرب باتجاه العالم الثالث، وبخاصة عالم الإسلام حتى تنكمش وتتضاءل وتغيب لكي تفسح الطريق أمام السلطان الغربي، أيًا كان العرق الذي ينتمي إليه والعقيدة التي يعتنقها، لكي يمارس كل صنوف القسر والإكراه والتأحيد الفكري، ويحجب عن «الآخر» آية فرصة، إلا في حالات استثنائية لا يقاس عليها للتعبير عن الذات وضمان الحقوق المشروعة ولو في حدودها الدنيا.

 وإذا كان الغرب «الديمقراطي» كما يسمى قد مارس أيام تعدد قياداته، هذه الثنائية اللاأخلاقية في التعامل مع الآخر، فأحرى به وقد تمركزت مقدراته ومقدرات العالم من ورائه تحت سلطان القيادة الأمريكية المتفردة، أن يمضي بالمعادلة الجانحة... بالرؤية العوراء.. بالثنائية التي تحفر خندقًا بين الغربي والشرقي، إلى المدى حيث ينفلت عقال القوة، وتغيب حسابات الردع ومعادلات التوازن الدولي المفقود.

 ثمة ما يخطر على البال في هذه العجالة، لمجرد المقارنة أو الذكرى.. عندما أتيح للمسلم أن يقود العالم زمن تألقه العقدي، والعسكري والحضاري، منح الإنسان أيًا كان موقعه من العقيدة أو العرق أو اللون أو الطبقة أو الجغرافيا، حرية الانتماء وفرصة التحقق الذاتي، أي أنه قدر على أن يكون «ديمقراطيًا» بالمفهوم الأخلاقي الذي تفرضه ضرورات هذا الدين.

ومضت ثلاثة عشر قرنًا دون أن تشهد الأرض الإسلامية، كما يقول «سير توماس أرنولد» في كتابه المعروف «الدعوة إلى الإسلام» حالة واحدة أكره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام.

وفي مقابل هذا، وفي اللحظة التي أتيح فيها للنصراني الغربي في إسبانيا أن يسقط آخر موقع إسلامي في غرناطة، نفذت واحدة من أبشع المجازر في التاريخ البشري عنفًا ووحشية.. عملية اغتيال شرسة الأمة بكاملها وتصفيتها فكريًا وجسديًا ودينيًا وحضاريًا.. أليس هم أجداد الإنجليزي والفرنسي والروسي والأمريكي؟ أليس هؤلاء هم أحفاد «فردیناند» و«إيزابيلا»؟

وعندما دخل الصليبيون القدس عام ٤٩٢ هـ ذبحوا باعتراف مؤرخيهم سبعين ألفًا من أهالي المدينة المقدسة بين شيخ وطفل ورجل وامرأة.. وعندما استعادها الناصر صلاح الدين ودخلها محررًا لم يقتل رجلًا واحدًا!

والمرأة الفرنجية التي جاءت تبكي وتتضرع لأن طفلتها أفلتت منها وضاعت في فوضى الانسحاب الفرنجي من القدس، طمأنها صلاح الدين ووضع من يسهر عليها، وبعث ثلة من رجاله يبحثون عن طفلتها المفقودة لكي يردوها إليها.. رغم أنه يعرف أن هذه المرأة كان أبوها أو جدها قد ذبح بسكينه عشرات الأطفال والنساء لحظة دخول القدس..

 وعندما أتيح للصربيين أن يدخلوا مدن البوسنة والهرسك هتكوا عرض خمسين ألف فتاة مسلمة في أيام قلائل تحت مظلة جريمة التطهير العرقي، التي تمثل بحد ذاتها الجريمة الكاملة النقيضة للديمقراطية، والتي تمكن مرتكبها من الإفلات من العقاب أو حتى الإدانة.

 واليوم فإن الغربي المتحضر لن يستطيع أن ينسلخ عن جلده، وتمركز قيادته في دولة واحدة قدر لها أن تحكم العالم لمدى لا يعلمه إلا الله، قد يقود إلى شواهد دموية أخرى بغض النظر مع أو ضد كل الممارسات الديمقراطية التي تحمي الإنسان هناك في ديار الغرب، لكنها تذبحه هنا في ديار الإسلام.

 إن «فردیناند» و«إيزابيلا» ومحاكم التفتيش تنتظر دائمًا اللحظة المناسبة لكي تواصل اغتيالها لفكر الآخر، وعقيدته كلما أتيحت لها الفرصة بغض النظر عن تعددية القيادة الغربية أو تفردها .. فالأمر سواء.. ولا وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217)

 



[1] باحث وأكاديمي عراقي 

الرابط المختصر :