العنوان الدول النامية أزمة ديون أم مشكلة نظام؟
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 55
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
اختتمت المؤسسات
المالية الدولية المنضوية تحت البنك والصندوق الدوليين في مطلع - الأسبوع الماضي
أعمالها في سيئول بعد - اجتماعات استمرت أربعة أيام ناقشت فيها أهم القضايا
الاقتصادية الدولية، وإذا استثنينا مشروع إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار
الهادف؛ لتشجيع تدفق الاستثمارات في الدول الأعضاء، باعتباره الوجه الإيجابي في
الدورة السنوية لهذه المؤسسات، فإن الاجتماع بعد مخيبًا لآمال الدول النامية على
وجه الخصوص.
فقد استطاعت الدول الصناعية المتقدمة إحباط
الدعوة لإصلاح النظام المالي العالمي.. وعلى الرغم من أن مشكلة الديون قد شغلت
حيزًا كبيرًا من المناقشات؛ إلا أن الدول المتقدمة لم تجد فيها ما يستحق عناء
التفكير من أجل إيجاد حلول ناجعة. ولقد تبنت الولايات المتحدة من خلال ما قدمه وزیر
خزانتها جيمس بيكر مشروعًا غامضًا يقضي بأن تعمل الدول المتقدمة لزيادة
استثماراتها في الدول النامية، والتي انخفضت من ۱۷ مليار دولار عام ۱۹۸۱ م إلى ۱۲
مليار دولار عام ۱۹۸۲،
إلى ۸ مليارات عام ۱۹۸۳م. إضافة إلى تقديم الدول والبنوك الدائنة قروضًا
جديدة تصل إلى ۲۰ مليار دولار على ثلاث سنوات، وذكر أن المؤسسات
المتعددة الجنسية والبنك الأمريكي للتنمية يمكنها أن تقدم نحو ۹ مليارات دولار حتى عام ۱۹۸۸م. وبالرغم من أن الاقتراحات الأمريكية لا تعد
من التوفيق بمكان حتى تقلل من تفاقم المشكلة، إلا أنها وجدت معارضة وانتقادًا
حادًّا من قبل الدول المتقدمة باعتبار أنها افتقدت عنصر المشاركة والمشاورة فيها.
تشخيص
الإشكالية:
في نظر دعاة
وأتباع المدارس الاقتصادية الغربية تعتبر مشكلة الديون نابعة من الإمكانية
المتوفرة للدول المتقدمة في تصدير مشكلاتها الاقتصادية للدول النامية، تبعًا
لوضعية الاقتصاد الدولي السائد. فنجد قضايا التضخم وغلاء الأسعار ونقص السيولة
تلقي بظلالها الثقيلة على هذه الدول؛ مما يتسبب في تفاقم تراكم الديون. وقد يرى
بعض هؤلاء أن جوهر الإشكالية يتلخص في شروط التبادل غير المعادل في التجارة
الدولية بين المواد الأولية المنتجة من قبل الدول النامية والمواد المصنعة
الغربية، وحصيلة هذا الاستنتاج والمرتبط عضويًا بآلية النظام الاقتصادي للدول
المتقدمة لا يعدو إطار الأزمة إلى مجال الحلول فهو جزء من إدارة أسباب الشقاء
وتأجيل للأزمة، وليس حلًا حقيقيًا لها. وقد يرى البعض بناءً على التشخيص المتقدم
أن الحل يكمن في توفر الآتي:
1- التباطؤ في
تقديم قروض جديدة تساعد في توفر سيولة لإكمال مشاريع التنمية.
2- إعادة
الجدولة للديون والتخفيف من خدماتها والفوائد عليها.
3- معالجة نقص
السيولة الدولية وتحسين الأوضاع المالية العالمية حتى تتمكن الدول النامية التخلص
من آثار ارتفاع الدولار.
وبالطبع تنطلق
هذه الحلول ضمن إطار التأجيل للمسألة بدلًا من الشروع في تجاوزها، وفي اعتقادنا أن
القضية مشكلة النظام الاقتصادي السائد في الدول النامية، وليست مشكلة جزئية تتصل
بالديون أو النظام النقدي الدولي أو نظام التبادل التجاري.
مشكلة ديون أم
مشكلة نظام:
إن مديونية
العالم الثالث أو «الدول النامية» تتراكم بشكل دوري؛ نظرًا لأنه لا يستطيع بجانب
الضغط المتولد من النمو الاقتصادي للدول المتقدمة والمتزامن مع التحطيم الداخلي
العناصر نموه الذاتية، مما تتسع معه الهوة بين ما يوفره من مدخلات وما يصرفه في
أوجه الاستهلاك المتعددة، ولذا فإن هناك استحالة عملية في حصول العالم الثالث على
نقطة بداية، تمكنه من الاعتماد النسبي على الذات والخروج من حيز التبعية والاستلاب
تجاه الاقتصاديات المتقدمة للدول الصناعية. وتاريخيًّا فإن النظم الاقتصادية في
الدول النامية كانت وليدة للنظام ومتطلبات الرأسمالية الغربية، وليست وليدة
الإمكانيات والظروف الخاصة بالدول النامية، وهذه النشأة غير السوية هي التي
بموجبها تم الانتقال إلى النمط الإنتاجي السائد. فالمواد الأولية التي تتميز هذه
البلدان بالإنتاجية العالية فيها لم تكن في يوم من الأيام على علاقة مباشرة بتلك
المجتمعات، بل استدخلت وفقا لمتطلبات واحتياجات الدول المتقدمة. وبذلك قوضت الدول
النامية الأنماط الإنتاجية التقليدية التي كانت تفي باحتياجاتها لمصلحة الاقتصاد
الرأسمالي.
ولقد أسهمت طرق
التبادل التجارية على حصول البلدان النامية على السلع الغذائية بأسعار رخيصة
نسبيًّا على التحول الكامل لإنتاج المواد الأولية، بل والتخصص في مادة أولية واحدة
رئيسية كالبن في البرازيل، والقطن في مصر والسودان، والسكر في كوبا، والنفط في دول
الأوبك. وتحولت الطاقة الإنتاجية إلى نحو اقتصاديات الخدمات والسياحة، والتي تعد
نمطًا استهلاكيًّا متقدمًا وليست إنتاجًا، فالمشكلة إذن ليست مشكلة جزئية عابرة،
وإنما هي أكثر تجذرا وأشد خطرًا، فهي قضية النظم الاقتصادية السائدة.. وبناءً على
هذا فإن استقلالية وعدم استقلالية النظام الاقتصادي للبلدان النامية يعتمد على
التلبية المباشرة لاحتياجاتها بشكل تتوفر معه الأنماط الحرفية والإنتاجية القادرة
على إحداث الاستقلالية.. وإلا فإن التوجيه والتحكم في حركة اقتصادها ستظل في
الخارج وبيد الدول الصناعية الكبرى، وواضح هذا في نهج التبادل التجاري في المواد
الأولية بلا استثناء بما في ذلك النفط.
وعقب الاجتماع
الأخير للبنك الدولي، فإن كثيرًا من البنوك العالمية أبدت عدم الاستجابة لنداء
الاستثمار والإقراض للدول النامية؛ بناءً على أن هذه الدول لا تنتفع من وراء
الإقراض؛ إذ إنها تسخر هذه القروض من أجل حاجاتها الاستهلاكية. بل إن بعض الدول قد
وصلت إلى مشارف الانهيار الاقتصادي؛ مما جعلها تضع أراضيها عرضة للإيجار؛ لكي تعيش
مما تدره عليها من تقديم تلك التسهيلات للدول الكبرى.
وخلاصة المسألة
توجز في أن الدول النامية استمرأت النهج الاستهلاكي، وتصورت أن في هذا تكمن
التنمية في الوقت الذي دمرت فيه الحرفية، وأسباب الحرفية لمصلحة الاقتصاد المتقدم
للدول الصناعية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل