; الدول النامية: أزمة داخلية أم خارجية؟ | مجلة المجتمع

العنوان الدول النامية: أزمة داخلية أم خارجية؟

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 780

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-أغسطس-1986

  • على الدول النامية إدراك أن الاقتصاد العالمي يعتمد على خلق الأزمات وتنميتها.
  • كل الحلول التي لا تعتمد على الذات تبقى شعارات غير قابلة للتنفيذ.

افتتح في القاهرة في منتصف الأسبوع الفائت مؤتمر مجموعة الـ٧٧ للتعاون الاقتصادي بين الدول النامية والذي تشارك فيه ١٢٧ دولة، وقد انقسم المؤتمر في بداية مداولاته إلى مجموعتين، تولت الأولى منهما القيام باستعراض شامل للأوضاع الاقتصادية والسياسة والاجتماعية على المستوى العالمي، واستراتيجية المستقبل. وتولت المجموعة الثانية متابعة تنفيذ برامج التعاون بين الدول النامية، ومعوقاتها. على أن تجري مناقشة مفتوحة حول أفضل السبل لاستخدامات صندوق الائتمان التابع للمجموعة، هذا ومن المتوقع أن تستمر المداولات لستة أيام، وسيصدر المؤتمر بعدها «إعلان القاهرة الثاني» والذي سيرفع لقمة عدم الانحياز المزمع عقدها في هراري عاصمة زمبابوي في مطلع شهر سبتمبر المقبل ويتناول الإعلان كيفية تعزيز التعاون بين دول المجموعة في المرحلة القادمة. وما تجدر الإشارة إليه هنا أن المؤتمر الأول للمجموعة قد انعقد في القاهرة عام ١٩٦٢ وصدر عنه «إعلان القاهرة الأول» وكان فاتحة إنشاء مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة «الانكتاد». هذا ويأتي المؤتمر في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة للدول النامية حيث بلغت مديونيتها ما يقارب ترليون دولار «١٠٠٠ مليون» وما زالت أركانها تهتز تحت وطأة الحروب الداخلية والمنازعات الحدودية وعدم الاستقرار السياسي حيث بلغت فاتورة استيراد السلاح من الدول الصناعية الكبرى ٣٠ مليار دولار بينما يعاني أكثر من ٢٠٠ مليون من مواطني الدول النامية من سوء التغذية وتهديد المجاعات وفي ذات الوقت قد أشارت إحصائية المنظمة العالمية لرعاية الأطفال «اليونيسيف» إلى أن أكثر من مليوني طفل ماتوا في العام الماضي بسبب الحصبة، وعلى الرغم من التفاوت النسبي بين اقتصاديات المجموعة إلا أن قاسمًا مشتركًا من المعاناة يجمع بينها حيث تتجلى تلك المعاناة في وضعيتها ضمن النظام الاقتصادي العالمي وسيطرة الدول المتقدمة على زمام المـبادرة فيه مما أحدث اختلالًا عالميًا أشبه بأزمة أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.

الأزمة:

أشار بعض أعضاء المؤتمر إلى مسببات الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها الثقيلة على دول المجموعة حيث أجملت في جمود وتدهور العلاقات الاقتصادية الدولية بين الدول النامية والدول الصناعية المتقدمة «حوار الشمال والجنوب» وما تبع ذلك من إجراءات الحماية الجمركية على تدفق التجارة ومسألة نظام عالمي للتجارة التفضيلية وفقدان النظام الاقتصادي العالمي لعناصر التوافق مع المجموعة النامية إضافة لأزمة الديون الخانقة وفقدان السيولة في ظل النظام النقدي السائد، أما على المستوى المحلي والعلاقات الداخلية للدول النامية فيما بينها فإن المشكلة تعدو مجرد فقدان الحد الأدنى من التعاون والتنسيق إلى مراحل الصراع فيما بينها مما دعا بعض الأعضاء إلى التنبيه إلى ضرورة تقويم العلاقات الداخلية وتكثيف جهود التعاون بين الدول النامية، وسواء كانت تفاعلات الأزمة في شكلها الخارجي مع الدول المتقدمة أو في وضعها الداخل بين الدول النامية فإن الهيكل الاقتصادي الفردي لكل دولة من الدول النامية يتفرد هو الآخر بنصييه المستقل في تعميق الأزمة الاقتصادية ما يجعل نطاق الحلول يتخذ وضعيات متدرجة ومتباينة وعليه تبقى مهمة المؤتمر ليست فقط في المناداة بإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية ومناشدة الدول الصناعية المتقدمة في فسح المجال أمام حركة النمو لدول المجموعة وإنما لا بد من تحسس مواطن الداء الداخلي لكل دولة ومن ثم تكامل الجهود من أجل إنقاذ الهياكل الاقتصادية ومعالجة أزماتها المزمنة.

الخروج من الأزمة:

وفقًا لاقتراحات المؤتمر الداعية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية في أطرها المختلفة «محلية وإقليمية ودولية» فإن أبرز الحلول يتلخص في دعوة الدول المتقدمة إلى تحسين نمط التبادل التجاري بخاصة تعديل أسعار المواد الأولية «المنتج الرئيسي للدول النامية» واعتماد مبادئ تصنيفية في معالجة أزمة الديون بإعفاء الدول الأقل نموًا وجدولة مريحة للدول النامية ذات الظروف الاقتصادية المتوسطة حتى تستطيع استعادة قواها الاقتصادية وكما أن هناك اقتراحًا بالاعتماد على الذات بإنشاء بنك للجنوب ليساهم في فك أزمة السيولة للدولة النامية ويوفر شروطًا أفضل في تمويل مشاريع التنمية.. ومهما تكن اقتراحات الدول النامية ذات فعالية ومقدرة عملية على إزاحة أسباب الشقاء عن ٤/٣ العالم إلا أنها تبقى دون رصيد طالما الأوضاع السياسية للدول النامية لا تحظى بمكانة مرموقة بين المجموعة الاقتصادية للدول المتقدمة كما أن كثيرًا من الاقتراحات المتعلقة بشأن تعديل الميزان التجاري الدولي الذي يشكو من تطفيف الدول الرأسمالية لن تجد سبيلها للتنفيذ لا لصعوبتها وتكاليفها الباهظة على خزائن الرأسمال الغربي. فالعالم الصناعي الرأسمالي والشيوعي أيضًا -ينفق يوميًا في سباق التسلح والقضاء ما يكفي لحل الأزمة الاقتصادية الدولية- ولكن السبب يكمن في أن حتمية الدورة الاقتصادية الرأسمالية تعتمد على الأزمات فلا بد من «دائن» و«مدين» ومتقدم ومتخلف. فالقضية إذن تتعلق بالوجود الحضاري والسيادة الاقتصادية والسياسية للدول الصناعية المتقدمة فمن هنا فإن الحلول التي لا تعتمد على الذات تبقى حبرًا على ورق وحتى إشعار آخر.

المجموعة الإسلامية ودورها:

تشكل الدول الاسلامية ضمن مجموعة الـ 77 كما ذا ثقل سياسي يصل إلى 40٪ في الإطار السياسي وعلى المستوى الاجتماعي السكاني فإن حجمها يتجاوز 60٪ لوجود أقليات إسلامية لا يستهان بها في الدول النامية غير الإسلامية.. والمجموعة الإسلامية التي تنظمها «منظمة المؤتمر الإسلامي» تستطيع أن تلعب دورها المرتقب في حل الأزمة الاقتصادية اعتمادًا على إمكانية التجانس الكامنة في وحدة ثقافتها وتطلعاتها وما تملكه في الجانب المادي من طاقات اقتصادية وموارد طبيعية مما يؤهلها لأداء دور مستقبلي يتجاور وضعها الحالي بمراحل إذا ما التفت إلى ذاتها بتقوية أواصر الأداء الاقتصادي فيما بينها والتعبئة الرشيدة لمواردها المهدرة وتبني استراتيجية تعتمد على الذات وتزكى أسباب نمو نماذج اقتصادية جديدة بعيدة عن النموذج الغربي بأشكاله المختلفة «الاشتراكي، الرأسمالي» لا سيما وأن رصيدها الفكري المتمثل في التوجه الإسلامي يعد فاتحة التحرك لتعبئة الجماهير في إبداع أنماط إنتاجية وتكون نموذج اقتصادي متفرد.

فهل تنتبه المجموعة الإسلامية إلى طاقاتها المجمدة لتعيد العدالة لاقتصاديات العالم المختلفة وتساعد على إخراج الدول النامية من ربقة التبعية الاقتصادية لوكالات الظلم التاريخي في الدول الصناعية؟

الرابط المختصر :