; الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي

الكاتب عبدالجليل السيد أحمد الغربللي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

مشاهدات 87

نشر في العدد 639

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

• الدولة القومية والتيارات الدينية، محاضرة ألقاها د. محمد خلف الله بجمعية الأدباء الكويتية

• من ارتضى أن يحكم شرعًا غير شرع الله فإنه بذلك قد حكم على نفسه بالسقوط في النار.

• الإسلام بسماحته قد أعطى الفرص لمن يريد أن يبقى على دينه.

أيها السادة، احذروا الدعاة العلمانيين هذه الأيام؛ فهم يلبسون لكل مناسبة ثوبها، إنما هم يدعون إلى نفس المفاهيم والمبادئ العلمانية وجل هدفها إصباغ الشكوك حول جدوى الدعوة إلى منهج الله، فأمام المد الإسلامي الشعبي نشطون في البحث عن أطروحات جديدة تشكل ألغامًا في طريق الدعوة والدعاة. وهذه الأيام يطرحون الدولة القومية ويدعون أن الآيات القرآنية قد أذنت بها ولا تعارض بينها، أي بين الدولة القومية وبين ما جاء به الإسلام. وأخطر ما في الأمر أنهم يستخدمون من القرآن الكريم آيات ويدعون أنها حجج لهم لا عليهم مثلما سنثبت بإذن الله. ويدللون بنصوص القرآن أن الرابطة الدينية ليست بالضرورة أساس العلاقات بين الناس، لأن الدولة القومية تضم فئات من الناس مختلفي الديانة فلا بد والحال كذلك من إيجاد أساس يوحد بين هذه الفئات المختلفة في العقيدة.

  • ماهية الدولة القومية:

الدولة القومية في رأيهم الأساسي فيها المواطنة وليست الرابطة الدينية، وهي تتكون من قوم متجانسين تربطهم روابط عديدة تدفع بهم لتحقيق دولتهم، ويستمد رئيس الدولة سلطته منهم لا من أية سلطة أو تشريع سماوي. ويستشهدون من قصص القرآن أن كل نبي من الأنبياء قد صدقته طائفة من قومه وكذبته طائفة أخرى، وفي ذلك دليل بأن القوم الواحد المتجانسين في اللغة والثقافة يعيشون في نفس المكان قد تباينت دياناتهم، فمنهم من أسلم ومنهم من كفر ومنهم أهل الكتاب، فإن دولتهم القومية لا يلزم أن تكون روابط أفرادها دينية، لأن هذه الدولة تتسع لأكثر من دين واحد وأن أساسها هو المواطنة.

ويدعون أن القرآن قد أذن لتأسيس الدولة القومية من خلال حديثه، وتناول كلمة القوم بأكثر من ٧٠٠ مرة، بينما كلمة الأمة لم يتناولها بمثل هذا العدد، مثل: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ (سورة الأنعام:٦٦). ويقول الرسول: «إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا». لذلك هم يحورون معاني القرآن من خلال العناصر الرئيسية للدولة، وفي رأيهم تلك العناصر هي المكان واللغة. وبما أن القوم المذكورين في آيات القرآن متباينة دياناتهم، فإن الرابطة الدينية لا يلزم أن تكون الأساس في دولتهم القومية وذلك بنص القرآن كما يدعون.

وتأسيسًا على ذلك فبما أن الدولة القومية تستمد أسسها من واقع المواطنة وتتسع لأكثر من دين واحد، بالتالي فإن رئيس الدولة له أن يستمد تشريعاته من واقع ظروف الناس ومصلحتهم وليس من التشريعات الإسلامية. وتكون مصلحة الناس هي أساس التشريع وليس ما أنزل الله من تشريعات في إطارها الإسلامي المتكامل، لماذا؟ لأن أساس الدولة ليس الدين إنما المواطنة. هذه باختصار الخطوط العريضة للأطروحة الأولى للدولة القومية، وأخطر ما يواجه الدعوة الإسلامية ذلك التنظير العلماني بعد وضع الحلة الإسلامية لخداع من في نفوسهم مرض للتشكيك في رغبة الأمة والناس، ليكون الإسلام وتعاليمه المحور الرئيسي لمعاملاتهم، وهي التي تحكم علاقاتهم بعضهم ببعض، وإن أدى ذلك إلى تزييف حقائق القرآن الكريم حينما يدعون أن دولتهم القومية من الكتاب، وما هي من الكتاب في شيء إنما يريدون أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا.

  • تعرية الأطروحات العلمانية:

وإذ نتصدى لتلك الحملات إنما لتبيان زيفها وتعرية الأهداف التي يسعى لتحقيقها العلمانيون بعدما شاهدوا أن المد الإسلامي أصبح أكبر من ترويجهم لمبادئهم الاشتراكية منها والرأسمالية، وأصبحوا يتبعون ترويج المفاهيم من جنس ما هو رائج فاخترعوا مفهوم الدولة القومية. وعلينا ونحن نستعرض تلك الأطروحات في تنشيط ذاكرتنا لحديث معلمنا ورسولنا الكريم حين خاطب الصحابي حذيفة بن اليمان حين قال: «كان الناس يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه يا رسول الله؟ قال: أقوام يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: نعم هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضن بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». رواه الشيخان.

  • كلمة حق أريد بها باطل:

نعم قد نتفق معكم أيها العلمانيون بأن القوم يمكن أن يضموا أناسًا مختلفي الديانات، ولكن أن نستدل من تباين ديانات القوم في أن دولتهم لا تكون إسلامية، وبأن روابطهم ليست بالضرورة أن يستمدوها من الشريعة الإسلامية فهنا نختلف معكم؛ فالإسلام بسماحته قد أعطى الفرص لمن يريد أن يبقى على دينه فله ذلك دون إكراه، ولكن ميز الحق جل شأنه الدين الإسلامي عن بقية الديانات، فمفهوم الدين عند الله هو الإسلام فإذا كان الله تعالى قد خص الإسلام لتجسيد مفهوم الدين، فكيف بكم أيها العلمانيون تساوون بين الإسلام والديانات الأخرى وتجعلونه في نفس المرتبة! والواجب يدعوكم لاتباع مفهوم الدين عند الله وليس مفاهيمه عند العباد، فيقول تعالى في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (سورة آل عمران:١٩).

 لذلك من الجهل أن نساوي بين هذا الدين الذي ميزه الله في جماعة وبين أديان الفئات الأخرى في نفس القوم أو الجماعة، ولا بد من أن يَسْمو هذا الدين عن بقية الأديان، ولكن كيف يتم ذلك؟ أي ما هو دليلنا حول أن تخضع روابط الناس مختلفي الديانات في القوم الواحد للدين الإسلامي أو في الدولة التي يراد إقامتها؟

  • سمو الدين الإسلامي عن بقية الديانات:

بعد أن ميز الحق الدين الإسلامي وخصه بمفهوم الدين كان لا بد أن يتم تجسيد هذا السمو وهذه الخصوصية بشكل أو بآخر على الناس؛ فكان ذلك من خلال تأسيس الروابط التي تربط بين الناس في معاملاتهم الاجتماعية والاقتصادية وقضاياهم السياسية وطموحاتهم وآمالهم على أساس من الدين الإسلامي. وهذا ليس تخريجًا من عندنا، بل هو من خلال نصوص القرآن الكريم فيقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (سورة آل عمران:١٠٣). 

حقائق عظيمة من الله عز وجل لأولي الألباب يجدر الإشارة بها:

۱ – يدعونا، بل يأمرنا الله عز وجل أن نتمسك بهذا الدين الإسلامي وأن نجعله محورًا رئيسيًّا لمعاملاتنا وقضايانا. فأية قضية يواجهها المجتمع نرجعها إلى حكم الله وحكم رسوله، وبالتالي فإن روابط الناس الاقتصادية والتجارية إنما نستمدها من كتاب الله وسنة رسوله، وهو الشكل الوحيد للاعتصام بحبل الله كقوم متجانسين يتكلمون نفس اللغة ويسكنون في مكان واحد، وإلا كيف يكون الاعتصام؟

٢ – ينبئنا الله تعالى مصير قوم قد اختاروا شرعًا غير شرع الله ورضوا أن يحكم علاقاتهم روابط غير دينية أي غير إسلامية، فأخبر عنهم أن العداوة والبغضاء كانتا تغلب على علاقاتهم بعضهم ببعض، وأخبر عن المصير الذي كان ينتظر هؤلاء القوم حين أخبر عن قوم قريش أنهم كانوا على حافة من نار جهنم لولا رحمة الله عز وجل أن أخرج هذا الدين، فكان حبل نجاتهم من الغرق في جهنم. ليس ذلك فحسب، بل إن من شأن هذا الإسلام أن ألف بين قلوب هؤلاء القوم فانتشر الإيثار بين فئاتهم واختفى احتكار السلع وذهب البغي والبغاء، وساد العدل بين مجتمع المدينة وتتالت انتصارات المسلمين، وتحققت السعادة الدنيوية من خلال المفاهيم الإسلامية. ولن نستطيع أن نعدد ما حققه الإسلام، فكيف لهؤلاء القوم أن يحققوا كل ذلك دون أن يكون للدين الإسلامي الأساس في ذلك والسبب الرئيسي لتحقيق تلك النتائج؟ ألا ترون أيها العلمانيون أن من ارتضى أن يحكم شرعًا غير شرع الله فإنه بذلك قد حكم على نفسه بالسقوط في النار مثلما أخبر الحق عن قوم قريش. حتى وإن كانت تلك الأهواء تمثل غالبية المجتمع، فإن ذلك لن يعصمهم من النار. إذًا تعدد الديانات في مجتمع ليس حجة لفصل التعاليم الإسلامية عن أن تكون المحور الرئيسي للروابط التي تربط المجتمع الواحد. أما الطوائف الأخرى فإن الإسلام قد أفرد من التشريعات والضوابط ما يكفل لهذه الفئات حريتها وحقوقها كاملة دون تحيز، والرسول الكريم في حديثه أعلاه لم يستثن الفئة الإسلامية من أن يوجد بينها من يدعو إلى غير سنته، فهل في ذلك حجة على عدم الدعوة وسيادة التعاليم الإسلامية! بل إن القوم الواحد يحمل بين دفتين طوائف وفئات متعددة، إنما السيادة هي لتعاليم الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله. هذه التعاليم هي الرابط الرئيسي لعلاقات الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهل يعي العلمانيون هذه الحقائق ويعودون إلى رشدهم؟ نأمل ذلك. 

ولنا في بقية أطروحاتهم عن الدولة القومية مواقف قادمة.

الرابط المختصر :