العنوان الدولة العثمانية ومسلمو الأندلس
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003
مشاهدات 86
نشر في العدد 1567
نشر في الصفحة 36
السبت 06-سبتمبر-2003
في زيارتي للقاهرة عام ۲۰۰۲ بمناسبة افتتاح معرض الكتاب الدولي ضمني مجلس مع بعض المثقفين، فوجه لي أحدهم لي - باعتباري مهتمًا بالتاريخ العثماني - سؤالًا فقال: لماذا لم تقم الدولة العلمانية بمساعدة مسلمي الأندلس وتركتهم تحت رحمة الإسبانيين حيث لاقوا العذاب والأهوال وأجبروا على اعتناق النصرانية.
قدمت إجابة مختصرة عن السؤال وقد لاحظت أن هذه الشبهة موجودة لدى الكثير من المثقفين الذين يجهلون التاريخ العثماني مع الأسف، لذا رأيت تناول هذا الموضوع.
من المعلوم لدى الجميع أن تفرق المسلمين في الأندلس إلى دول طوائف أضعفهم، وأن العديد من حكام هذه الدول الصغيرة بدؤوا يستعينون بالإسبان ضد الحكام الآخرين من المسلمين وهكذا بدأت القصة الأليمة لأفول شمس الإسلام من سماء الأندلس وبينما كان المسلمون غارقين في خضم الفرقة والشتات، خطأ الإسبان خطوة مهمة في مضمار الوحدة عندما تزوج فرديناند ملك أراغون من إيزابيلا ملكة قشتالة، وأصبح الهم الوحيد للإسبان القضاء على آخر دولة إسلامية في الأندلس وهي دولة بني الأحمر في غرناطة، والتي كان يحكمها آنذاك أبو عبد الله محمد (توفي عام ١٥٣٨م) وامتدت مدة حكمه عشر سنوات (١٤٨٢ - ١٤٩٢م).
والحقيقة أنه كان من المتوقع انتهاء حكم مسلمي الأندلس قبل هذا التاريخ بمئات الأعوام لولا المساعدات الخارجية التي كانت تأتيهم من الدول الإسلامية في شمالي إفريقيا فقد قامت دولة المرابطين، لنجدتهم ضد ألفونسو السادس ملك قشتالة ثم جاءت مساعدات دولة الموحدين ذلك وبقيت أسرة الموحدين في الأندلس حتى انتصار الفونسو الثامن عليها في معركة نافاس بعد دي طولوسا.
ولكن الوضع تغير في أواخر عمر دولة بني الأحمر في غرناطة، فلم تكن هناك دول إسلامية وفي قوية في شمالي إفريقيا، بل دول ضعيفة أحيانا كثيرة دول متعاونة مع الإسبان والفرنسيين مثل دولة بني حفص في تونس، والمرينيين في المغرب كما قام الإسبان بسد مضيق جبل طارق ليمنعوا وصول أي نجدة من مسلمي شمالي إفريقيا إلى الأندلس فلم يبق أمام مسلمي الأندلس سوى الاستنجاد بأقوى دولتين إسلاميتين آنذاك وهما الدولة العثمانية في آسيا الصغرى ودولة المماليك في مصر، فأرسلوا وفدًا لكل منهما طلبًا لنجدتهم وصل الوفد الأندلسي إلى أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية التي كان على رأسها السلطان بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح، وقام رئيس الوفد بتسليم رسالة استغاثة مؤثرة حفظها التاريخ من مسلمي الأندلس إلى السلطان نورد هنا مقدمتها:
الحضرة العلية وصل الله سعادتها وأعلى كلمتها، ومهد أقطارها، وأعز أنصارها وأذل أعداءها حضرة مولانا وعمدة ديننا ودنيانا، السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين قامع أعداء الله الكافرين، كهف الإسلام وناصر دين نبينا محمد ، محيي العدل، ومنصف المظلوم ممن ظلم ملك العرب والعجم والترك والديلم ظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه ملك البرين وسلطان البحرين حامي الذمار، وقامع الكفار مولانا وعمدتنا، وكهفنا وغيثنا لا زال ملکه موفور الأنصار، مقرونًا بالانتصار مخلد المآثر والآثار مشهور المعالي والفخار مستأثرًا من الحسنات بما يضاعف الأجر الجزيل، في الدار الآخرة والثناء الجميل والنصر في هذه الدار، ولا برحت عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد ومجردة على أعداء الدين من بأسها، ما يروي صدور السفح والصفاح وألسنة السلاح باذلة نفائس الذخائر في المواطن التي تألف فيها الأخاير مفارقة الأرواح للأجساد، سالكة سبيل الفائزين برضا الله وطاعته يوم يقوم الأشهاد. وكان هناك مع هذه الرسالة أبيات طويلة من شعر مؤثر للشاعر أبي البقاء صالح بن شريف يصف مأساة المسلمين في الأندلس وغدر الأعداء بهم:
سلام عليكم من عبيد تخلفوا | بأندلس بالغرب في أرض غربة |
أحاط بهم بحر من الروم زاخر | وبحر عميق ذو ظلام ولجة |
سلام عليكم من عبيد أصابهم | مصاب عظيم يا لها من مصيبة |
سلام عليكم من شيوخ تمزقت | شيوخهم بالنتف من بعد عزة |
سلام عليكم من وجوه تكشفت | على جملة الأعلاج من بعد سترة |
سلام عليكم من بنات عوائق | يسوقهم اللباط قهرًا لخلوة |
سلام عليكم من عجائز أكرهت | على أكل خنزير ولحم جيفة |
وبعد هذه المقدمة المؤثرة تشرح القصيدة غدر الأعداء الإسبان وكيف يقومون بتنصير المسلمي قهرًا وجبرًا، وكيف أن المسلمين جاهدوا ولكنهم قلة أمام جموع الأعداء:
قدرنا ونصرنا وبدل ديننا | ظلمنا وعملنا بكل قبيحة |
وكنا على دين النبي محمد | نقاتل عمال الصليب بنية |
وتلقى في الجهاد عظيمة | بقتل وأسر ثم جوع وقلة |
جاءت علينا الروم من كل جانب | بجد وعزم من خيول وعدة |
فكنا بطول الدهر تلقى جموعهم | فنقتل فيها فرقة بعد فرقة |
وفرسانها تزداد في كل ساعة | وفرساننا في حال نقص وقلة |
فلما ضعفنا خيموا في بلادنا | ومالوا على بلدة بعد بلدة |
وجابوا بأنفال عظام كثيرة | تهدم أسوار البلاد المنيعة |
وشدوا عليها الحصار بقوة | شهورًا وأيامًا بجد وعزيمة |
فلما تفانت خيلنا ورجالنا | ولم نر من إخوتنا من إغاثة |
وقلت لنا الأقوات واشتد حالنا | أحطناهم بالكره خوف الفضيحة |
وخوفًا على أبنائنا وبناتنا | من أن يؤثروا أو يقتلوا شر قتلة |
على أن نكون مثل من كان قبلنا | من الدجن من أهل البلاد القديمة |
ثم يقول الشاعر بأنهم أصبحوا ضحية الغدر وعدم الوفاء بالوعود والبنود التي بلغت خمسة وخمسين بندًا في عقود الصلح من أنهم يستمرون في إقامة شعائرهم الإسلامية بكل حرية، ولكنهم عندما دخلوا تحت حكمهم نسوا تلك الوعود والعهود وتركوا المسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما فإما التنصر أو القتل:
وتبقى على أذاننا وصلاتنا | ولا تتركن شيئًا من أمر الشريعة |
ومن شاء منا الجر جاز مؤمنًا | بما شاء من مال إلى أرض عدوة |
إلى غير ذلك من شروط كثيرة | تزيد على الخمسين شرطًا بخمسة |
فقال لنا سلطانهم وكبيرهم | لكم ما شرطت كاملًا بالزيادة |
فكونوا علي أموالكم ودياركم | فكونوا كما كنتم من قبل دون أذية |
فلما دخلنا عقد زمامهم | فينا بنقض العـزيمة |
وخان عهودًا كان قد غرنا بها | ونصرنا كرها بعنف وسطوة |
وأحرقت ما كانت لنا من مصاحف | وخلطت بالزبل أو بالنجـاسة |
وكل كتاب كان في أمر ديننا | ففي النار ألقوه بهزءة وحقرة |
ولم يتركوا فيها كتابًا لمسلم | ولا حقًا يخلى به للقراءة |
ومن صام أو صلى كل حالة | ففي النار يلقوه كل حالة |
وفي رمضان يفسدون صيامنا | بأكل وشرب مرة بعد مرة |
وقد أمرونا أن نسب نبينا | ولا نذكرنه في رخاء وشدة |
ثم يستغيث الشاعر سلطان الدولة العثمانية ويعقد آماله عليه:
فها نحن يا مولاي نشكو إليهم | فهذا الذي نلناه من شر فرقة |
عسى ديننا يبقي لنا وصلاتنا | كما عاهدونا قبل نقض العزيمة |
وإلا فيجلونا عن أرضهم | بأموالنا للغرب دار الحبة |
فأنتم بحمد الله خير ملوكنا | وعزتك تعلو على كل عزة |
وثم سلام الله قلته ورحمة | عليكم مدى الأيام في كل ساعة |
دعا السلطان بايزيد الثاني الصدر الأعظم والوزراء والقواد إلى مجلس اجتماع طارئ لبحث الموقف وما الذي تستطيع الدولة العثمانية تقديمه في تلك الظروف.
بحث المشاركون في المجلس الظروف التي تمر بها الدولة العثمانية آنذاك، ونوع ومدى المساعدة التي تستطيع الدولة تقديمها لمسلمي الأندلس ولسوء حظ مسلمي الأندلس فقد كانت الدولة العثمانية تمر بظروف قاسية جدًا، كما كان بعد المسافة، وعدم وجود طريق بري مباشر إليها يزيد من حدة المشكلة ويعقدها.
الظروف الصعبة للدولة العثمانية:
نستعرض هذا باختصار شديد الظروف الصعبة التي كانت تعيشها الدولة العثمانية آنذاك:
١- كانت الدولة العثمانية آنذاك في حرب مع دولة المماليك في مصر، بسبب نزاعات بدأت من عهد السلطان محمد الفاتح (والد السلطان بایزید الثاني). فقد عرض السلطان محمد الفاتح على أشرف سيف الدين حاكم دولة المماليك في مصر (الذي كانت مملكة الحجاز ونجد تحت سيطرته) قيام الدولة العثمانية بتعمير وإصلاح قنوات الماء في الحجاز دون مقابل تيسيرًا للحجاج فقوبل برفض فظ من قبله. ومما زاد من التوتر بين الدولتين قيام المماليك بفرض ضريبة على الحجاج العثمانيين وفي عهد السلطان بايزيد الثاني أبدى المماليك رغبتهم في ضم منطقة جوقور أوه العثمانية إلى الأراضي السورية التي كانت تحت حكمهم كما حدثت مشكلات أخرى بين الدولتين لا نتطرق إليها هنا، والخلاصة أن الوفد عندما جاء إلى السلطان كانت الجيوش العثمانية في حرب مع جيوش المماليك التي تقدمت فعلًا إلى منطقة جوقور أوه.
٢ - كانت الدولة العثمانية تعيش مشكلة الأمير جم (الأخ الأصغر للسلطان بايزيد) الذي شق عصا الطاعة على أخيه السلطان مطالبًا بالعرش لنفسه، وحدثت معارك بين الأخوين انتهت بانتصار السلطان بايزيد وهرب الأمير جم إلى مصر حيث استقبل قبل حاكم مصر بحفاوة وكان هذا عاملًا مضافًا لزيادة التوتر بين البلدين. مما أدى إلى إشعال فتيل الحرب بينهما ولم تقف مشكلة الأمير جم عند إحداث التوتر بين هاتين الدولتين بل إنه عندما أسر من قبل القراصنة وهو على ظهر سفينة وتم بيعه إلى البابا، أصبح ورقة تهديد في يد الدول الأوروبية والبابا ضد الدولة العثمانية وأدى إلى توتر العلاقات بين الدول الأوروبية وبين الدولة العثمانية، وأدى إلى تحالف صليبي جديد من البابا جويلس الثاني وفرنسا والمجر وجمهورية البندقية ضد الدولة العثمانية. مما حدا بالدولة العثمانية إلى تركيز اهتمامها إلى الخطر القادم إليها من أوروبا.
3-كانت الدولة الصفوية تحاول نشر المذهب الشيعي في الأناضول وترسل المئات والآلاف من شباب التركمان الشيعة. بعد تدريبهم. إلى الأناضول لهذا الغرض وكانت نتيجة هذه الجهود حدوث حركات عصيان مسلحة قادها الشيخ جنيد أولًا ومن بعده ابنه حيدر أي كانت هناك قلاقل كبيرة في الأناضول ولم تتخلص الدولة العثمانية من هذه القلاقل ومن خطر الدولة الصفوية إلا في عهد السلطان سليم ابن السلطان (بايزيد الثاني). إذن الدولة العثمانية كانت في ضائقة شديدة وكانت في حرب فعلية مع المماليك من جهة، وفي مشکلات كبيرة مع الدول الأوروبية، حيث نرى أنه بعد سنوات قليلة اضطرت تركيا لإعلان الحرب على المجر وعلى بولندة، كما اتفقت بولندة والمجر وليتوانيا ضد الدولة العثمانية وأعلنت عليها الحرب، كما كانت تعاني من وجود قلاقل وحركات تمرد وعصيان في الداخل. لا نريد الخروج عن الموضوع وإبراز تفاصيل جانبية. ولكن كان من الضروري إلقاء نظرة على وضع الدولة العثمانية آنذاك.
بعد دراسة لكل الظروف الداخلية والخارجية قرر السلطان بايزيد إرسال قوة بحرية تحت قيادة كمال ريس، على وجه السرعة. كان ذلك في عام ٨٩٢هـ- ١٤٨٧م أي قبل سقوط غرناطة بخمس سنوات وكانت الدولة العثمانية بعملها هذا تعلن الحرب على عدة دول مسيحية في أورويا... كانت تعلن الحرب على قسطاليا، وعلى أراغون وعلى نابولي وعلى صقلية وعلى البندقية أي أن الدولة العثمانية على الرغم من مشاكلها الكثيرة - التي ذكرنا أهمها. كانت الدولة الإسلامية الوحيدة التي مدت يد العون لمسلمي الأندلس على قدر طاقتها، ودخلت من أجلهم في حالة حرب مع دول عدة بينما وقفت الدول الإسلامية الموجودة في شمالي إفريقيا والتي كان بإمكانها من الناحية الجغرافية مساعدة مسلمي الأندلس كالدولة الحفصية في تونس والدولة الوطاسية في المغرب التي استلمت الحكم من المرينيين)، بينما لم يكن باستطاعة لا دولة المماليك ولا الدولة العثمانية إنقاذهم. قام كمال ريس يضرب سواحل جزر جاربا ومالطا وصقلية وساردونيا وكورسيكا ثم ضرب سواحل إيطاليا ثم سواحل إسبانيا، وهدم العديد من القلاع والحصون المشرفة على البحر في هذه السواحل وقام أحيانًا بإنزال جنوده في بعض السواحل لهدم تلك القلاع. ولكنه لم يكن يستطيع البقاء طويلًا، لأن الحرب البحرية لا تكفي للاستيلاء على المدن ولا سيما المدن الداخلية البعيدة عن البحر، فلا بد من مشاركة القوات البرية التي تستطيع التوغل في الداخل وتثبيت وإدامة السيطرة على المدن المفتوحة. ولم يكن هذا ممكنا آنذاك لبعد الشقة بين الأندلس وبين الدولة العثمانية وكذلك بين مصر والأندلس ولو صرفت الدولة العثمانية كل طاقتها وحاولت الوصول برا إلى الأندلس وهذا ما لا يتوقعه عاقل لكان عليها محاربة العديد من الدول الأوروبية لعشرات الأعوام. هذا علمًا بأن الدول المسيحية كانت قد قطعت كل صلة لمسلمي الأندلس مع البحر الأبيض المتوسط، كما سدوا مضيق جبل طارق ليمنعوا وصول أي نجدة إليهم من الدول الإسلامية كما قام كمال ريس بقصف بعض سواحل تونس بسبب كون الدولة الحفصية الحاكمة في تونس في حلف مع الإسبان ومع فرنسا ضد إخوانهم من مسلمي الأندلس يقول البروفسور أحمد آق کوندوز، في كتابه الوثائقي (الدولة العثمانية المجهولة حول القوة البحرية التي أرسلتها الدولة العثمانية. وكم كان من المؤسف أن هذه القوة البحرية العثمانية اضطرت حتى إلى مواجهة الدولة الحفصية في تونس لكونها تقوم بمساعدة الفرنسيين ولكون الدولة العثمانية في حرب مع المماليك فقد وقعت هذه القوة البحرية بين نارين لذا لم تؤد هجمات هذه القوة البحرية إلى نتائج ملموسة وفي عام ٨٩٧هـ / ١٤٩٢م استسلمت مدينة غرناطة وانتهى حكم المسلمين في الأندلس. ولكن هذه القوة البحرية قامت بنقل ما يقارب ۲۰۰ ألف من المسلمين التاركين بيوتهم والهائمين على وجوههم من الأندلس، ونقلتهم إلى المغرب وإلى الجزائر.
أما الوفد المرسل إلى دولة المماليك في مصر فلم يحصل على أي نتيجة أيضًا، حيث إن مصر بعيدة عن الأندلس، ويحتاج إنقاذ هؤلاء المسلمين إلى قوة برية كما كانت في حرب مع الدولة العثمانية كما ذكرنا كان الأشرف سيف الدين قايتباي (١٤٦٨- ١٤٩٦م) هو الذي يحكم دولة المماليك آنذاك، فلم يجد وسيلة لنصرة مسلمي الأندلس سوى إرسال وفود إلى البابا وإلى الإسبان ليقول لهم إن هناك العديد من المسيحيين يعيشون في مصر وفي سورية وأنهم يتمتعون بكامل حرياتهم الدينية ولا يتعرض لهم أحد، ويحذرهم أنه سيقوم بقتل جميع المسيحيين وإجبارهم على اعتناق الإسلام إن قام الإسبان بقتل المسلمين أو إجبارهم على التنصر ولم يهتم الإسبان ولا البابا بهذا التحذير الذي عدوه مجرد تخويف لأنهم يعلمون أن الدين الإسلامي يمنع إكراه أحد على ترك دينه وقد ادعى الإسبان لوفد مصر أن المسلمين تنصروا بعل إرادتهم ولم يجبرهم أحد على هذا. بشهود زور تم تهديدهم وتخويفهم فشهدوا بذلك.
وقد سجل الشاعر الأندلسي المسلم
أبو البقاء صالح بن شريف في شعره هذه الحادثة فقال:
وقد بلغت إرسال مصـر إليهم | وما نالهم غدر ولا هتك حرمة |
وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا | رضينا بدين الكفر من غير قهرة |
وساقوا عقود الزور ممن أطاعهم | ووالله ما نرضى بتلك الشهادة |
لقد كذبوا في قولهم وكلامهم | علينا بهذا القول أكبر فرية |
ودين رسول ما زال عندنا | وتوحـــــيــــــدنا لله في كل لحظة |
ووالله ما نرضى بتبديل ديننا | بغير أذي منهم لنا ومساءة |
ثم يذكر الشاعر أسماء المدن التي عذب أو أحرق أهلها أو ذبحوا بالسيف:
فسل وحرا عن أهلها كيف أصبحوا | أسارى وقتلى تحت ذل ومهنة |
وسل بلفية عن قضية أمرها | لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة |
وضيافة بالسيف مزق أهلها | كذا فعلوا أيضا بأهل البشرة |
وأندرش بالنار أحرق أهلها | بأجمعهم صاروا جميعًا كفحمة |
وأنا أحب أن أعتذر من القراء الكرام لكوني نكأت جرحًا قديمًا غائرًا في أعماق قلوبنا، ويحق لهم أن يعتبوا على ويقولوا: إن الأحداث الأليمة المتتالية الحالية والمصائب المتوالية تكفينا وزيادة فلم تضف إليها ذكرى فاجعة قديمة وهم محقون في هذا، ولكن كان من الضروري شرح حادثة تاريخية مهمة، والظروف التي أحاطت بها.