; الدولة الأموية ظالمة مظلومة.. (٢-٣) | مجلة المجتمع

العنوان الدولة الأموية ظالمة مظلومة.. (٢-٣)

الكاتب د. هشام الحمامي

تاريخ النشر السبت 30-يناير-2010

مشاهدات 58

نشر في العدد 1887

نشر في الصفحة 42

السبت 30-يناير-2010

  • في أواخر عهد معاوية رشح ابنه يزيد للخلافة فوافق عليه الجميع عدا أهل المدينة. 
  • سيئة واحدة للخليفة عبد الملك ابن مروان تمثلت في دموية الحجاج ابن يوسف الثقفي كانت كفيلة بمحو حسناته الكثيرة واعماله الجليلة.
  • خطأ علمي ومنهجي ان نحاكم عصرا ماضيا بأعراف ومفاهيم عصر حاضر.. فخلال العصر الاموي كانت السلطة في كل العالم تنتقل بالوراثة.

في أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- بدأ يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ورأى أنه إن مات قبل أن يحسم مسألة خلافته قد تتجدد الفتنة ثانية.. فقام -رضي الله عنه- باستشارة أهل الشام فاقترحوا أن يخلفه أحد من بني أمية أيا من كان فرشح ابنه يزيد، فوافق عليه الجميع عدا أهل المدينة الحسين وابن الزبير، وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس .. وكان اعتراضهم على الفكرة نفسها لا على يزيد بعينه.

الحديث إذن عن أهلية يزيد لم يكن موضع خلاف كما تحدثت بعض الكتب فها هو محمد ابن الحنفية يقول عنه : قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازما للسنة، كما أن خروج أمثال : عبد الله بن الزبير، وعبدالله بن عباس وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري في جيش تحت قيادته لفتح القسطنطينية دليل على أن الرجل كان يتصف بالاستقامة ويتمتع بالكفاءة والمقدرة وإلا لما وافق أمثال هؤلاء الأفاضل من الصحابة أن يتولى قيادتهم شخص مثل يزيد. 

الأستاذ محب الدين الخطيب علق على هذا الموضوع قائلا: «إذا كان مقياس الأهلية للحكم على يزيد أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما : فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر، وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة والقيام بحرمة الشريعة والعمل بأحكامها والعدل في الناس والنظر في مصالحهم والجهاد في عدوهم وتوسيع الآفاق لدعوتهم والرفق بأفرادهم وجماعاتهم فإن يزيد لم يكن أقل من غيره في ذلك... لم يغفل ابن خلدون التعليق على هذه الحادثة المهمة في التاريخ الإسلامي.. فقد رأى بداية أن الفترة النبوية فترة استثنائية انتصر فيها الوازع الديني على العصبية القبلية ولما بدأ هذا الوازع يقل عند الناس كان لابد من عودة قانون العصبية إلى مسار التاريخ. ويقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم ولا يُظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم – كلهم – أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه».. ومن قال: إن معاوية كان أول من ابتدع الوراثة في الإسلام فقد أخطأ الظن فدافع معاوية في عهده لابنه يزيد بالخلافة من بعده كان محمولًا على البيعة من الناس، وليس كونه محمولًا على الوراثة، ولو كان ما رآه هو الأخير لما احتاج إلى بيعتهم بل لاكتفى ببيعته منه وحده، وقد سبقه بذلك عمر بن الخطاب من بيعته لأبي بكر يوم السقيفة، وسبقه أبو بكر أيضًا في وصيته العمر بولاية العهد من بعده، وما فعله عمر حين حضر الخلافة في السنة.. 

ضرورات الوقت:

 طبقًا لهذا الفهم فإن عيد معاوية بالخلافة؛ لأنه يريد كان ضرورة من ضرورات الوقت وخطا علمي ومنهجي أن نحاكم عصرًا عاصيًا بأعراف ومفاهيم عصير حاضر، وخلال هذا العصر كانت السلطة في كل العالم تقريبا تنتقل بالوراثة ولم يعرف التاريخ استثناء لذلك إلا فترة حكم المدن اليونانية القديمة وفترة الخلافة الراشدة بعد عهد النبي  والمشترك في هاتين الفترتين أنها كانت ديمقراطية تحكم على رقعة صغيرة من الأرض ويضاف بالطبع للفترة الراشدة صلاح الناس أما حينما تطورت إلى إمبراطوريات كبيرة اختفت تلك اللحظات الاستثنائية وعاد مرة أخرى قانون انتقال الحكم وفق العرف السائد وهو الوراثة.

 واستمر هذا القانون يحكم الأرض حتى وقت قريب إلى أن توصلت البشرية إلى طريقة اختيار واحد منها دون أن يكون له قوة إلا كفاءته، وتلتزم قوى الأمة بان تجعل عملية الاختيار أمينة وبان تحمى هذا الاختيار من العبث به. 

أهم الرموز:

ولا يمكن الحديث عن الدولة الأموية دون الحديث عن أحد أهم رموزها واحد كبار رجال الدول في كل العصور «عبد الملك بن مروان» (٨٦٢٦ هـ) حسناته كثيرة وجليلة لكن سيئة واحدة من الاستثنائية حفظها الله التاريخ في أكبر ناهدة عرض تدلل على الاستبداد والدموية والشراسة في معاملة الشعوب الحجاج بن يوسف الثقفي وإذا جاز منطق الحسنات يذهبن السيئات في مواضع كثيرة فإن جوازه في مسألة الدماء به بعض الصعوبة فكما قال رسول الله  وما زال المسلم في سعة من أمره ما لم يسمح دعا .... لكن الحديث عن الدولة الأموية في أهم محطاتها لا يمكن يغير التاريخ العبد الملك بأنه أول من صك العملة العربية بعد أن كان التعامل بالعملة البيزنطية، وأول من عرب الدواوين لتكون العربية ليست لغة ولسانًا فقط، بل روحا لحضارة وعنوانا لأمة. وأول من سار بالناس إلى بلاد الروم كما روت كتب التاريخ وتابع بنفسه شؤون إدارة الدولة على مستوى اتصالها بالمجتمع وأكمل الفتوحات غربًا وشرقًا.

 قيادتان كبيرتان:

 حين تولى عبد الملك الخلافة (٦٥هـ) كانت الدولة الإسلامية تعيش أجواء فرقة وخلاف تندر بعودة الفنية والقتال الداخلي مرة ثانية إذ كانت هناك قيادتان كبيرتان في العالم الاسلامي القيادة الأولى عبد الله بن الزبير في الحجار والعراق والقيادة الثانية عبد الملك بن مروان في الشام ومصر، ولنا أن تعلم أن عبد الله بن عباس (خبر الأمة). ومحمد ابن الحنفية بن على بن أبي طالب وهما من هما في العلم والورع – رفضا أن يبايعا أيا من القيادتين إذ يبدو أن هوة الخلاف بينهما كانت كبيرة.. ولنا أن تلاحظ أيضا أن سنة الحكم الوراثي التي بدأت بيزيد بعرض اجتماع الأمة على خليفة دون الوقوف كثيرا على الطريقة التي جاء بها .. هذه الطريقة لم ينظر اليها عبد الله بن عباس بكثير من الاهمية والا لكان بايع عبد الملك استمرارا للسلطة المركزية وهو ما لم يحدث.. ان يكن من أمر فلم يكن عبد الملك بالرجل السهل، وقرر أن يستمر وانتصر على مصعب بن الزبير وأخذ البيعة من أهلها لنفسه، وأمر الحجاج بن يوسف الثقفي بإنهاء أمر الحجاز، ولم يضع له أي ضوابط في كيفية هذا الإنهاء: ففعل الرجل ما يشيب له الولدان .. وانتهت المسألة بالفعل، وتجلت مواهب الحجاج في القدرة الفائقة على التعامل مع مثل هذه الملفات الحساسة، فأمره عبد الملك بالذهاب إلى العراق ليكون واليا عليها: فأخضعها خضوعًا كاملًا هي الأخرى... واستتب الداخل تمامًا تحت قيادة واحدة وخليفة واحد. 

قد تكون الصورة التاريخية لعبد الملك كقائد قوي العزيمة شديد الشكيمة أخفت وراءها صورة أخرى لأحد كبار العباد الفقهاء، وهي الحالة التي سنراها تتكرر كثيرًا على طول التاريخ الإسلامي: عين تقطر دمعا ويد تقطر دما! ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

كان أبو الملوك – كما يسمى في كتب التراجم – واسع العلم متعبدا ناسكا .. وكان عبد الله بن عمر يعتبره أحد فقهاء الأمة وكان لا يُرى إلا في المسجد .. وتحكي المصادر التاريخية أن التكليف بتولي الخلافة جاءه وهو يقرأ القرآن في مسجد رسول الله ، ومن فرط إعجاب عمر بن عبد العزيز «مجدد الأمة الأول» به سمى ابنه عبد الملك. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

167

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

203

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

157

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17