العنوان الدور الفرنسي في تذويب الحواجز العربية الصهيونية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 162
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 12-يوليو-1994
·
فرنسا:
تمديد العون لعرفات من أجل سيطرته على الصحوة الإسلامية في فلسطين وليس المساعدات
المالية سوى المدخل الأساسي في نظر الفرنسيين من أجل الوصول إلى الهدف المنشود.
بعد زيارته لغزة وأريحا يقوم عرفات بزيارة إلى
باريس لتسلم جائزة «للسلام» بمقر اليونسكو، ولإجراء محادثات مع مسؤولين فرنسيين
بحضور إسرائيلي.
جائزة بوانيه للسلام!
ففيما يتعلق بزيارته لليونسكو (منظمة الأمم
المتحدة للتربية والثقافة)، فإنها تتنزل في إطار تسلم جائزة فيليكس هوفوات بوانيه
«للبحث عن السلام» لعام 1993م، والتي تقرر في شـهر سبتمبر «أيلول» في نفس السنة
منحها بالإضافة إلى عرفات لكل من بيريز الوزير الإسرائيلي للشؤون الخارجية ورابين
(رئيس الحكومة الإسرائيلي). ويحضر تسليم الجائزة عدد كبير من الشخصيات السياسية
والفكرية ورؤساء العديد من الدول.
وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذه
الجائزة أقرت عام 1989م، وبمبادرة من 120 دولة بمقتضى قرار من الندوة العامة
لليونسكو من باب إكرام أول رئيس لساحل العاج الذي لقب بـ «داعية السلام والوفاق
والأخوة والحوار لحل كل نزاع داخل البلاد وخارجها»، علمًا بأن هذا الرجل خلف بعد
وفاته في أرذل العمر إرثًا ثقيلًا من الفساد السياسي والديون والتبعية الثقافية
والاقتصادية والسياسية لبلاده للقوى الكبرى.. وقد عبر شعب ساحل العاج عن سخطه على
نظام بوانيه في العديد من المظاهرات ومسيرات الاحتجاج التي قمعت بقوة، وتحول هذا
المستبد إلى «بطل» يستحق الإكرام!
من ناحية أخرى فإن فريق التحكيم الذي منح هذه
الجائزة كان برئاسة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق والحاصل على جائزة
نوبل للسلام، والعارفون بشؤون الشرق الأوسط يعرفون دور هذا السياسي اليهودي في
عملية التطبيع الإسرائيلي-العربي منذ أن كان يعمل في الإدارة الأمريكية، علمًا بأن
جائزة بوانيه قد تم تسليمها عام 1991م إلى كل من ديكلارك ومانديلا، وفي عام 1992م
إلى أكاديمية القانون الدولي في لاهاي.
لكن إذا كان مانديلا قد تسلم هذه الجائزة بعد
تحقيق الغاية الكبرى التي ضحى من أجلها هو وشعبه طوال عشرات السنين، وبعد أن تحولت
السيادة بالفعل إلى الأغلبية السوداء وصاحبة الحق الشرعي في الحكم في جنوب
إفريقيا، فإن عرفات يتسلم جائزة السلام وما زال شعبه يرزح تحت نيران القهر
الإسرائيلي.
والأدهى والأمرّ أن المناطق التي تحولت تحت
إشراف الفلسطينيين في إطار حكم ذاتي نظريًّا، بدأت تشهد إرهاصات تسلط فلسطيني من
طرف الشرطة التي يبدو أن مهمتها ستنحصر مع الوقت في حماية عرفات وحاشيته من مناصري
السلام المزعوم، وقمع كل صوت معارض؛ خاصة في صفوف حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
فأي معنى لهذه الجائزة ولهذا السلام إن لم يكن تفويضًا لعرفات للقيام بدور الحارس
الأمين على المصالح الإسرائيلية في المنطقة؟
تعزيز الحضور الفرنسي
وفي هذا الإطار يتنزل الدور الفرنسي
الديناميكي في تكريس مسار التطبيع عبر الصداقات العميقة بين الطرف الفرنسي
وبالتحديد شخص الرئيس ميتران والطرف الإسرائيلي خاصة الحزب العمالي ورئيسه بيريز.
ويصب دور فرنسا في تعزيز الحضور الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط من أجل أخذ موقع
يتماشى والدور التاريخي لهذا البلد الأوروبي، والذي تقلص في النظام الدولي الجديد
والهيمنة الأمريكية.
ويبدو أن الطرف الفرنسي -بحكم عقدته مع
الجزائر- أكثر حساسية للنشاط الإسلامي على الساحة الفلسطينية ومنطقة الشرق الأوسط
عمومًا وخارجها (البوسنة - المغرب العربي - إفريقيا)، وأكثر معرفة بتفاصيل هذا
الملف، لكن الخلفية التاريخية تبقى تسيطر على الذهنية السياسية الفرنسية. ولهذا
تسعى إلى تقديم يد العون لعرفات من أجل سيطرته على تنامي الصحوة الإسلامية في
فلسطين، وليست المساعدات المالية سوى المدخل الأساسي في نظر الفرنسيين -من أجل
الوصول إلى الهدف المنشود. علمًا بأن جزءًا مهمًا من هذه المساعدات سيصرف في
المجال الأمني إلى جانب المسائل الأخرى المكملة له، وكانت فرنسا قد ساهمت في إقامة
تلفزيون فلسطيني، ولا يخفى الدور الإعلامي والثقافي في توجيه الرأي العام.
إلا أن أبعاد الدور الفرنسي تتجاوز المجالات
السياسية والثقافية والاقتصادية، لتلمس الجوانب النفسية، وهذا هو الأخطر، ذلك أن
الصراع العربي-الإسرائيلي يعمق الحواجز النفسية بين العرب واليهود التي تعود إلى
فجر التاريخ.
والكيان الصهيوني ومن ورائه القوى الكبرى
يعلمون بأن التطبيع العربي-الإسرائيلي لن يستكمل شروطه إلا بإسقاط هذه الحواجز
النفسية التي تستحيل عملية إزالتها كليًّا؛ لأن التربية القرآنية تغرس في نفوس
المسلمين شعورًا بالحذر الشديد من مكر اليهود، هذه التي ركز عليها النص القرآني،
وأكدتها السيرة النبوية المطهرة.
ولذلك تسعى فرنسا بكل جهودها لتذويب هذه
الحواجز؛ اعتمادًا على خبرتها الدبلوماسية، وإشعاعها الفكري والثقافي في مجالات
العلوم الإنسانية (الاجتماعية والنفسية من ضمنها)، وتأتي في هذا الإطار تهيئة
المناخ المناسب وإتاحة الفرص لتلاقي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مباشرةً أو عن
طريق وساطات فرنسية وغربية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل