; الدوافع الأمريكية لغزو هاييتي | مجلة المجتمع

العنوان الدوافع الأمريكية لغزو هاييتي

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1111

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-أغسطس-1994

  • ·       تبدل المصالح الأمريكية بدل الجبهة التي تدعمها واشنطن.

    ·       أمريكا هي التي دبرت معظم الانقلابات العسكرية في هاييتي وحينما جاء عسكريون مناوئون لها تسعى الآن لإزالتهم بالقوة.

    هاييتي دولة "إفريقية" في البحر الكاريبي، مساحتها 27750 كيلو مترا مربعا، أي أقل من الكويت وقطر معا بقليل وتمثل واحدة من بلدان الجزر في البحر الكاريبي بين الأمريكتين الشمالية والجنوبية، ولا يقتصر انتماؤها الإفريقي على التطابق الكبير بين أوضاعها المأساوية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية وبين أوضاع غالبية البلدان الإفريقية فقط، بل يشمل ذلك أيضا انتماء 96% من سكانها إلى أصل إفريقي، كما يشمل أساليب التعامل الدولي وعلى وجه التحديد الغربي معها، استعبادا في عهد الاستعمار الاستيطاني، واستغلالا اقتصاديا وسيطرة سياسية على السلطة بعد الاستقلال، هذا فضلا عن أوجه الشبه بينها وبين رواندا أو الصومال من حيث إن أحداثها الداخلية التي تعتبر من الثمار المرة المتأخرة للعهد الاستعماري، تضع القوى المسيطرة عالميا أمام ضرورة التصرف بعد أن أصبحت منذ نهاية الحرب الباردة، تفضل لو لم يكن لأمثال تلك الدول وجود على الخارطة أصلا!!.

    الأبعاد التاريخية للموقف الأمريكي

    والموقف الأمريكي.. وكذلك القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي بإطلاق يد واشنطن للتحرك العسكري، يمثلان خطوة أخيرة في مسلسل من الأحداث لا يسهل استيعابه إلا في إطار تاريخي، وقد كانت الجزيرة التي تضم هاييتي وجمهورية الدومينيكان حاليا، مستعمرة استيطانية إسبانية منذ ارتدت الأطماع التجارية للشركات الأوروبية الرداء العسكري وركبت الأساطيل البحرية باسم اكتشافات جغرافية لتبسط سيطرتها وسيطرة الدول التابعة لها على ثروات العالم، وكما هو الحال مع أي صفقة تجارية بين شركتين تنازل الاستعمار الإسباني عام 1697م فيما يسمى معاهدة ريجسفيجك للسلام، لمنافسه الفرنسي عن ثلث الجزيرة الذي يمثل هاييتي اليوم، ولكن لم يكن يوجد في المنطقة ما يكفي من السكان لاستعبادهم في زراعة تربتها الزراعية الخصبة، وعلى وجه التحديد لإنتاج قصب السكر والقهوة والقطن مما أرادت الشركات الفرنسية إنتاجه فجلبت فرنسا الأفارقة رقيقا يعملون في خدمة أصحاب المزارع الفرنسيين "البيض" وأحفاد أولئك الرقيق هم الذين يمثلون الآن 96% من أصل سبعة ملايين نسمة في هاييتي، وهم الذين ثاروا على الاستعمار الفرنسي عام 1791م فأخرجوه واستطاعوا رد محاولة نابليون بونابرت للسيطرة على أرضهم من جديد بين عامي 1802 و 1804 م، وإلى ذلك الحين لم تكن الأطماع الأمريكية باتجاه الجنوب قد ظهرت للعيان، فكان أهل هاييتي قادرين بطاقاتهم المحدودة على الاحتفاظ باستقلالهم، بل والسيطرة على الجزء الباقي من الجزيرة الذي كان الاستعمار الإسباني في مرحلة تراجعه عالميا عاجزا عن السيطرة عليه، فخضعت لهم الجزيرة بكاملها ما بين عامي 1822 و 1844م، ولكن الاستقلال السياسي لم يصل إلى مستوى تحقيق النهضة الاقتصادية.

    الاستعمار الأمريكي لهاييتي

    وبقيت هاييتي عاجزة عن تجاوز اعتمادها المطلق على ثروتها الزراعية، وكذلك عاجزة عن منع تغلغل الشركات الأمريكية فيها تدريجيا، كما صنعت في سائر بلدان المنطقة، حتى وصل ذلك إلى مرحلة الغزو العسكري عام 1915م، ولم تخرج الولايات المتحدة الأمريكية من هاييتي عسكريا إلا في عام 1934م، وبقي "الاستعمار الأمريكي المالي"، بمعنى الكلمة، فقد كان من شروط الرحيل العسكري بقاء مستشارين أمريكيين بصلاحيات واسعة النطاق، يتحكمون في اقتصاد هاييتي التي تعتبر أشد فقرا من سائر البلدان الأمريكية الوسطى والجنوبية "ومتوسط دخل الفرد حاليا في حدود 370 دولارا في السنة" وكان على هذه الدولة الفقيرة الحديثة الاستقلال المحدودة الموارد أن تسدد للدولة الكبرى الثرية القروض التي لم تتراكم عليها إلا في ظل الاستعمار العسكري الأمريكي لها وسياسته فيها، وخرج "المستشارون" عام 1947م بعد استكمال سداد الديون، وآنذاك فقط بدأت مرحلة إصلاحات اقتصادية وسياسية محدودة.

    دعم "الديمقراطية" على الطريقة الأمريكية

    على النقيض من سائر ما يتردد في الوقت الحاضر من مزاعم بصدد وقوف واشنطن إلى جانب الديمقراطية وحقوق الإنسان في هاييتي مباشرة أو عبر مجلس الأمن الدولي إلى درجة تبرير الغزو العسكري المحتمل قبل نهاية أغسطس "آب" 1994م، فإن الجهود الأمريكية المباشرة كانت على مدى خمسين عاما من وراء تثبيت الأنظمة الاستبدادية والاستغلالية من خلال طبقة صنعها الاستعمار الأمريكي من قبل، تجمع ما بين العسكريين وأصحاب المزارع والمصانع وقطاعات توصف باليمينية من الكنيسة الكاثوليكية.

    لقد كانت الفترة الوحيدة التي ضعف فيها تأثير النفوذ الأمريكي في هاييتي هي الفترة ما بين عام 1947 و 1957م، وهي بالذات الفترة التي شهدت محاولة إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية، في بلد خلفه الوجود الإسباني فالفرنسي فالأمريكي أميا بنسبة 90% آنذاك- وهي الآن في حدود 50%، وزراعيا على حسب حاجة الشركات الأجنبية، فكان يعتمد على الزراعة بنسبة 85% من الدخل، وأمكن خلال الصناعات المحدودة التي نشأت بعد العهد الاستعماري، رفع حصة المصنوعات من الدخل إلى 21% حاليا، والخدمات العامة إلى 45% وبقي للزراعة 34% كما خلفه دون مرافق صحية أو منشآت عامة، ودون بنية هيكلية تسمح بقيام وضع اقتصادي مستقر.

    ولم تنتكس محاولة الإصلاح إلا من خلال انقلاب عسكري في نهاية عام 1956، ومن ورائه الأيدي الأمريكية، فقد أوصل إلى السلطة دوفاليير الأول- رئيسا لمدى الحياة- ثم ابنه عام 1971م حتى أجبر الأخير على مفارقة السلطة عام 1986م. كانت القوات الأمريكية في حمايته ليتمكن من مغادرة البلاد، وعند خروج الموالين لواشنطن فقط استؤنفت مسيرة الإصلاح السياسي وصدر أول دستور يسمح بالانتخابات العامة جرى إقراره في استفتاء شعبي عام 1987م.

    لقد كانت المعركة السياسية والاقتصادية في هاييتي معركة السكان أنفسهم ضد طبقة لا تزيد نسبتها على 5% ارتبطت بالولايات المتحدة الأمريكية، بولائها ومصالحها وأسلوب معيشتها. وكذلك بممارسة الاستبداد الداخلي بمختلف مظاهره، وهي التي كانت من وراء الانقلاب العسكري الأول عام 1988م ضد الوضع الدستوري الجديد، وآنذاك لم تتدخل واشنطن بطبيعة الحال، وإنما قامت ثورة شعبية عام 1990م، أسقطت السلطة العسكرية، ومكنت من إجراء انتخابات جديدة في 16/12/1990م، نجح فيها أرستريدي بنسبة 67.7% فاستلم منصبه في 7/2/1991م، ولم يبق فيه سوى بضعة شهور فأسقطه انقلاب عسكري آخر من الطبقة المتأمركة المذكورة ذاتها في 20/9/1991م، واستلم الحكم قائد الجيش الحالي راؤول سيدراس.

    حتى ذلك الحين لم تكن السياسة الأمريكية قد بدلت "الجبهات" في هاييتي، وكانت المخابرات المركزية الأمريكية وراء الصورة التي نشرت داخل الولايات المتحدة الأمريكية عن الرئيس المعزول أرستريدي أنه مختل معتوه، ووجدت الدعم على ذلك من جانب ما يوصف بالجناح اليميني المسيطر على الكنيسة الكاثوليكية في هاييتي، وهو من القساوسة في الكنيسة نفسها، ولكنه يمثل ما يسمى الجناح المعارض الذي تحرك لدعم الفقراء والمضطهدين ضد الطبقة المسيطرة، وإلى وقت قريب، بقي أرستريدي نفسه يعارض الغزو الأمريكي لبلاده رغم وجوده في الأرض الأمريكية، ويعبر عن ذلك بقوله: "إنه لا يريد أن يضعه الجنود الأمريكيون في كرسي الرئاسة مجددا" ولا يزال أنصاره داخل هاييتي بعد أن أوصلتهم المقاطعة الاقتصادية ومعهم عامة الشعب إلى أقصى درجات البؤس يعلنون أن هذا الوضع المأساوي للسكان هو الذي يجبرهم على تأييد التدخل العسكري الدولي "شريطة ألا يبقى الأمريكيون في البلاد كما صنعوا عام 1915م" وكان أرستريدي أيضا يصرح بأنه "لا يثق بواشنطن، فقد تعلم من دروس التاريخ أنها تقف في النهاية وراء الطبقة المسيطرة"، ويبدو أنه لم يعلن تأييده للتدخل العسكري باسم مجلس الأمن الدولي الآن إلا بعد أن أعطى التدخل هذا الطابع الدولي، وتحددت المهمة زمنيا بصورة تضمن ولو "إمكانية المطالبة" بالانسحاب لاحقا، والأرجح أنه اقتنع بأن السياسة الأمريكية قد تبدلت في الآونة الأخيرة.

    ورطة كلينتون.. ومصير مجلس الأمن الدولي

    ولكن ما الذي يرجح وقوع تبدل في السياسة الأمريكية تجاه المسيطرين على السلطة، من أنصارها القدماء والطبقة التي يمثلونها؟

    لا شك أن هاييتي كدولة من دول البحر الكاريبي لم تعد في محور اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية كما كانت تلك الدول منذ أزمة كوبا، وظهور استعداد واشنطن آنذاك للمخاطرة بحرب نووية، لمنع وجود خطر شيوعي وعسكري قوي في منطقة نفوذها القريبة جغرافيا.. وإذا كان هذا الدافع قد سقط نسبيا من بين الدوافع التي جعلت واشنطن تدعم مختلف الأنظمة العسكرية والاستبدادية في المنطقة ضد كل ما تشتم منه رائحة الشيوعية، فإن العامل الاقتصادي لا يوجد بالنسبة إلى العلاقات مع هاييتي بحجم يبرر الاستعداد الأمريكي لغزو عسكري، وصحيح أن 56% من صادرات هاييتي تذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأنها تستورد منها 47% من وارداتها، ولكن حجم الصادرات بمجموعه لا يزيد على 103 ملايين دولار، وحجم الواردات في حدود 347 مليون دولار، وأمام هذه المعطيات لا ينبغي استبعاد السؤال الذي يبدو غريبا للوهلة الأولى: هل تريد واشنطن غزو هاييتي فعلا، أم أنها وجدت نفسها في ظروف تدفعها إلى ذلك مرحلة بعد أخرى؟

    أول ما بدت علاقة كلينتون بأوضاع هاييتي للعيان، كان أثناء المعركة الانتخابية ضد الرئيس السابق بوش وهو يحاول الظهور في مظهر الدفاع عن القيم الإنسانية والقانونية الدولية، كما فعل من خلال مواقفه- المنسية في هذه الأثناء- بصدد التدخل لمصلحة المسلمين في البلقان، ومن تلك المواقف معارضته لسياسة بوش التي كانت تمنع اللاجئين عبر البحر من هاييتي إلى الأراضي الأمريكية من البقاء فيها أو حتى الوصول إليها، ومع ازدياد الضغوط الاقتصادية الخارجية على البلد الفقير وازدياد موجة الهجرة، نكث كلينتون بوعده هذا بصورة واضحة قبل أن يمضي عاما واحدا في منصبه، فأعلن في 14/11/1993م عن الأخذ بسياسة سلفه وأقام حاجزا بحريا مسلحا لصد اللاجئين عن الأرض الأمريكية.

    لقد تحولت هاييتي في موازين السياسة الأمريكية، من دولة كان فرض سيطرة الطبقة العسكرية والثرية فيها، يحقق المصالح الأمريكية لمنع انتقال عدوى الشيوعية من كوبا إلى بقية دول المنطقة، إلى دولة لا يوجد فيها مصلحة أمريكية كبيرة، وبالمقابل أصبح وجود هذه الطبقة في السلطة يسبب للدولة الكبرى "انزعاجا" يتمثل في تلك الجموع البشرية المهاجرة، في مدة يعطي كلينتون فيها الأولوية المطلقة لتحسين الوضع الاقتصادي الداخلي، وما دام إسقاط السلطة الحالية، وترسيخ وضع آخر يحقق في الوقت نفسه التطلع إلى بعض العدالة الاجتماعية والسياسية في هاييتي فلا بأس من استخدام عنوان دعم الديمقراطية في هاييتي للسياسة الأمريكية على صعيدها.

    وليس لمجلس الأمن الدولي في هذا الإطار دور سوى أنه وسيلة.. فغزو جرانادا وباناما وليبيا لم ينتظر قرارا من مجلس الأمن الدولي، ولا احتاج إلى تغليفه بشرعية مواثيق دولية، أما غزو هاييتي فيوفر من خلال عنوان دعم الديمقراطية الأرضية المناسبة للقيام به باسم مجلس الأمن الدولي، لا سيما أن موافقته الآن ميسرة ما دامت تتم بطريقة المساومات، وهذا ما جرى بالفعل خلال شهر يوليو "تموز" الماضي، فحصلت روسيا مقابل موافقتها على الغزو؛ على الوعد بأن يوضع عنوان مجلس الأمن الدولي بصورة مشابهة على وجودها العسكري في جيورجيا أيضا، كما- يرجح- أن تكون الصين قد حصلت مقابل امتناعها عن التصويت على وعد بتخفيف التشدد الأمريكي بالشروط المطلوبة منها في مفاوضات جنيف الجارية حاليا، بصدد انضمام الصين إلى المنظمة العالمية للتجارة والجمارك، ولا يضير القوى الدولية صاحبة القرار أن تتلوث سمعة مجلس الأمن الدولي ودوره في إقرار السلام والأمن لدى علماء السياسة والقانون الدولي ما دام القانون النافذ هو المصالح والمساومات عليها.. أما أن تفقد الدول الأصغر ثقتها في المجلس وقراراته فهذا ما لا يقدم أو يؤخر في الأوضاع الدولية الراهنة شيئا، وإلا لظهرت النتائج من قبل من خلال التعامل مع قضايا أخرى كقضية البوسنة والهرسك والصومال وفلسطين وكشمير وأمثالها.

    ويبقى أن مخاوف واشنطن من الغزو على ما يبدو أكبر من مخاوف السلطة العسكرية في هاييتي نفسها، ولا قيمة هنا للموازنة بين الطاقات العسكرية وسواها فلا مجال للموازنة أصلا، كذلك لا مجال لتلك المخاوف بتناقض كلينتون مع وعوده السابقة أو بعدم تأييد السياسة الأمريكية في عدد من البلدان الأمريكية الوسطى والجنوبية- باستثناء الأرجنتين- أو بسبب أن كلينتون لا يحظى داخليا في غزو هاييتي على التأييد إلا من ولاية فلوريدا بسبب الهجرة إليها، ولكن يبدو أن أحداث الصومال واضطرار الأمريكيين إلى الانسحاب منه، تلعب دورها في المخاوف من تكرار ذلك بصورة مشابهة في هاييتي، أثناء مدة ما بعد الغزو العسكري المباشر، إذا ما انسحب جيش هاييتي مع ما بين يديه من عتاد وذخائر وأموال، فاعتصم قسم كبير منه- كما أعلن ذلك رسميا بالفعل- ليمارس حرب عصابات ضد الوجود العسكري، فلو وصل الأمر آنذاك إلى درجة إرغام واشنطن على الانسحاب فسيترك ذلك أثرا واسع النطاق في المنطقة بمجموعها، وسيجرئ مزيدا من الدول على التمرد ضد الإرادة الأمريكية.

    (*) خدمة خاصة لــ"المجتمع" من قدس برس.

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 79

104

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

الجيش الأمريكي.. مسطول!

نشر في العدد 242

101

الثلاثاء 25-مارس-1975

توقفت مهّمة كيسنجر