; الدلالات الجغرافية والتاريخية وراء مناسك الحج | مجلة المجتمع

العنوان الدلالات الجغرافية والتاريخية وراء مناسك الحج

الكاتب عمر إدريس الرماش

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000

مشاهدات 82

نشر في العدد 1392

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 14-مارس-2000

• مشاهد الحق من كتب الرحلات

•  الدلالات الجغرافية والتاريخية

•  مكمن الأسرار في مواقيت الزمان والمكان

•  من مقاصد الحج الأمنية والإيمانية

•  يوم الرحيل

• الدلالات الجغرافية والتاريخية وراء مناسك الحج

يتجلى مبدأ وسطية الإسلام في وقوع مكة وقبلة الصلاة في وسط الكرة الأرضية إشارة إلى قيام الأمة بواجب الشهادة على الإنسانية جمعاء

الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، فرضه الله على عباده المؤمنين مرة في العمر، وهو مقيد بالاستطاعة المادية والصحية، قال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (سورة آل عمران: 97) وعلى المؤمن الذي ينوي إداء هذه الفريضة العظيمة أن يكون على علم وبينة بمناسك الحج ومقاصدها الشرعية سواء الإحرام، أو الطواف، أو الوقوف بعرفة، أو السعي بين الصفا والمروة، أو واجباته كالحلق أو التقصير، ورمي الجمرات، وغير ذلك نظرًا لما يتجلى في هذه المناسك من معان ودلالات مهمة، فضلًا عما تمتاز به من جوانب جغرافية وتاريخية خاصة وعميقة، قال الله -تعالى- ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (سورة الحج: 27)، إن هذه الآية الكريمة تكشف الجوانب الجغرافية والتاريخية لمناسك الحج؛ إذ لاتزال البشرية تلبي نداء خليل الله إبراهيم -عليه السلام- بزيارة البيت الحرام من أجل توحيد الله، وعبادته، وتعظيم حرماته: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ (سورة الحج: ٣٠)، وكذلك يتجلى مبدأ الوسطية في وقوع مكة المكرمة وقبلة الصلاة في وسط الكرة الأرضية، وهذه إشارة إلى قيام الأمة الإسلامية بوظيفة الشهادة على الإنسانية مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (سورة البقرة: ١٤٣)

     ولفريضة الحج معان عميقة، ومدلولات كبيرة، إن سفر الحاج للحج تدل على ركوب النعش، ولبس ثياب الإحرام تنبه إلى لبس الأكفان، ومسافة الطريق من بلد الحاج إلى مكة مثل حياة البرزخ والوصول إلى الميقات كالحشر إلى ميقات القيامة، والتلبية تمثل مثال لسفر الآخرة، فوداع الأهل والأحباب يذكر الحاج بسكرات الموت، ومفارقة الوطن تدل على الخروج من الدنيا، وركوب الراحلة إجابة الداعي بعد البعث (۱) وتبين فريضة الحج كذلك مبدأ المساواة بين البشر بأسمى معانيها، مبدأ واحد، ولباس واحد، وسلوك واحد، ونداء واحد، قال -تعالى-: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (سورة الحجرات: 13).

     كما أن في نداء التلبية «لبيك اللهم لبيك» ترسيخًا لمبدأ المساواة بين الناس، وإبرازًا لعظمة الله وملكه، وأنه لا قيمة للمال والجاه والقوة والولد، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ومَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (سورة فاطر: 15-17).

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ:

    للطواف حول الكعبة والحركة الدائرية معان ودلالات كثيرة، من أهمها الاستمرارية الدائمة والأبدية الخالدة المستمرة، ولا يعي هذه الحقيقة إلا الإنسان المؤمن الذي يعرف ماهية وجوده في هذه الحياة، ويعمل ويجد للدار الآخرة، بينما الآخرون يدورون حول المال والجاه والسلطة والشهرة والشهوة، قال -تعالى-: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا (سورة الإسراء: 84)، إن لطواف الحاج حول الكعبة حكمًا جليلة، يقول الإمام الغزالي في كتاب «أسرار الحج»: «واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة الحافين حول العرش، الطائفين حوله، ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت، بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت؛ حتى لا تبتدئ الذكر إلا منه، ولا تختم إلا به، كما تبتدئ الطواف من البيت، وتختم بالبيت، واعلم أن الطواف الشريف هو الطواف بحضرة الربوبية، وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت» (۲).

    إن الإنسان المؤمن الذي يسعى بين الصفا والمروة يتذكر قول الله -عز وجل-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ (سورة الروم: ٥٤)، ويقول كذلك: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ (سورة الحج: 5).

      ومن خلال حركة السعي بين الصفا والمروة نستحضر المرأة المؤمنة هاجر زوجة إبراهيم -عليه السلام- وهي تجد من أجل الحصول على الماء حتى إذا عجزت واستقصت الأسباب جاءها الفرج من عند الله -عز وجل- الذي يسبب الأسباب، وهكذا فإن حركة السعي تذكر بوجوب إخلاص النية لله، واتخاذ الأسباب في الحياة، وتقوى الله واليقين بقوته وقدرته: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (سورة البقرة: 197).

    إن يوم عرفة -يوم الحج الأكبر- بحشوده الجامعة يذكر الإنسان بيوم القيامة يوم الحج الأكبر، فيتذكر المسلم خطاياه وذنوبه فيلح في التوبة، ويجتهد في الاستغفار، فيكرمه الله بالعتق من النار، كما روى مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-، وأفضل الذكر يوم عرفة كلمة التوحيد «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (رواه أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، واللفظ له) وبسبب هذه الكلمة ينال المسلم شفاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (رواه البخاري 1/35).

رمي الجمار وصراع مع الشيطان: 

     روى البيهقي في سنته، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه أن الشيطان عرض لإبراهيم -عليه السلام- عند الجمار الثلاث: جمرة العقبة، والوسطى، والصغرى، فرماه النبي إبراهيم بالحصى حتى ساخ في الأرض، فعند ممارسة هذه الشعيرة يقتدي المسلم بمنهج الأنبياء: ﴿كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ (سورة الممتحنة: 4)، إن مشهد رمي الجمرات يذكر بالصراع الذي تغلب فيه الأنبياء على إبليس وضعف سلطانه أمام عباد الله الصالحين: ﴿قٰالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ (سورة ص: 82-83).

     الحاج حينما ينحر الهدي، ويشترك معه المسلمون ينحرون أضاحيهم، إنما يعبر بذلك، ويعبرون معه عن تقربهم إلى الله، وشكرهم له على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، والمساعدة الفقير، قال -تعالى-: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (سورة الحج: 36).

     وهذه الشعيرة توضح كذلك البعد الاجتماعي للإسلام، والربط بين الفعل والهدف الاقتصادي للعبادات فيه.

عمر إدريس الرماش- تاونات - المغرب

---------------------------------

الهوامش:

(1) الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثيقة لابن بحرق الحضرمي، طبع

دار الحاوي، ص ١٩٥.

(۲) إحياء علوم الدين للإمام أحمد أبي حامد الغزالي، المجلد الأول، ج۳.

ص ٥٧ طبع دار الفكر، بيروت.

الرابط المختصر :