; الدكتور نجيب الكيلاني على السرير الأبيض | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور نجيب الكيلاني على السرير الأبيض

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

مشاهدات 80

نشر في العدد 1120

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

نجيب الكيلاني.. أديب الأمة على السرير الأبيض

نجيب الكيلاني من الرواد المؤسسين لمسيرة الأدب الإسلامي إبداعًا وتنظيرًا، وجاهد في سبيل ذلك مذ كان طالبًا يشدو بالأدب ويسعى إلى دخول الدائرة الإبداعية بوصفه الروائي الإسلامي الأول.

رحلة نجيب الكيلاني الأدبية والفكرية لا تستوعبها كلمة عابرة ولا دراسة قصيرة، ولكنها تحتاج إلى مجلد كبير يحكي تفاصيل هذه الرحلة إنسانيًّا وأدبيًّا وفكريًّا، وقد حاول بعض الباحثين الدخول إلى رحلة نجيب الكيلاني من أمثال محمد حسن بريغش، وعبد الله صالح العريني، وكاتب هذه السطور وآخرين من العرب والمستشرقين الذين بذلوا جهدًا مخلصًا لقراءة أدبه وسيرته وتقديمها للقراء من خلال وجهات نظر متعددة. هناك منعطفات تشير بعض المفارقات في حياة نجيب الكيلاني، منها: أن الجيل الجديد في مصر لم يتعرف على أدبه.

في حين أن أدبه يحمل قضايا مصر وآمالها وهمومها في سطوره ورواياته وأشعاره، والطريف أن بداياته القصصية تربَّى عليها الجيل السابق للجيل الحالي، فقد كانت بعض رواياته التي فازت بجوائز وزارة التربية والتعليم مقررة على الطلاب، وكانت تثير في نفوسهم كثيرًا من الشجن والشوق لتحقيق أماني الأمة والكفاح في سبيلها، وكان أبرز هذه الروايات "الطريق الطويل".

سبب المفارقة أن نجيب الكيلاني عاش قرابة الثلاثين عامًا خارج البلاد في الكويت ودولة الإمارات العربية، وكان من حظ أبناء العالم العربي، إلا مصر أن يسمعوا إليه، وقد سبق لكثير من الدول العربية أن قررت كتبه لسنوات طويلة في مختلف مراحل التعليم، مما أكسبه شهرة في البلاد العربية، في الوقت الذي تساءل فيه مخرج تلفزيوني مصري عمن يكون نجيب الكيلاني، حين قرأ إحدى رواياته وأراد إخراجها مسلسلًا تلفزيونيًّا.

ومن المفارقات التي نتجت عن منعطفات في حياته أن نجيب الكيلاني طبيب مارس الطب تطبيقًا وإدارة، فإذا به يكون المريض الذي يجتمع حوله الأطباء. أقصد كبار الأطباء؛ ليعالجوه من أمراض بذل جهده لمعالجتها أو الإرشاد لعلاجها، ولعله صار أشهر طبيب يخضع لمتابعة زملائه وأدواتهم الجراحية، لقد أصيب بفيروس الكبد، وكان يشرف على علاجه الدكتور علي مؤنس - طبيب الكبد المعروف... ولكن إصابته بالفيروس تضاءلت أمام اكتشاف مرض آخر في غدة البنكرياس، وهو ما جعله يخوض تجربة صعبة ودقيقة، حيث أجريت له عملية جراحية استغرقت نحو خمس ساعات بعد فحوص طبية طويلة ومكثفة، ونام نجيب الكيلاني على السرير الأبيض لتحوطه قلوب المحبين ودعوات المخلصين، وفي هذه التجربة كانت المفارقة الأخرى حيث لم يلقَ اهتمامًا ممن كانوا أولى برعايته وتقديره، وجاء الاهتمام من أصحاب الفضل والكرم الذين أغدقوا عليه اهتمامًا كبيرًا.

وأسبغوا عليه رعاية لا يجحدها إلا عاق قبل ثلاثة شهور تقريبًا كتبت كلمة في بريد "الأهرام" عن أديب وكاتب يحتاج إلى العلاج واهتمام الجهات المختصة نظرًا لدقة مرضه وحتى هذه الساعة لم يتحرك أحد، ولم تسأل هيئة مجرد سؤال. في الوقت الذي كانت تتسابق فيه الصحف إلى نشر أخبار عن مرض ممثل معروف يملك من الأموال ما يملكه كبار المليونيرات، فقد أرسل إلى لندن في وضع خاص وعولج على نفقة الشعب بأموال الشعب ثم قيل إنه يخدم الأمة.. كيف؟ وهل الكاتب الذي يحمل هموم أمته وأحلامها لا يخدمها أو لا يستحق الاهتمام والرعاية مثل الممثل المليونير الذي اشترى أول تليفون مرئي في الدولة؟ على كلٍّ، فإن الأمة لا تعدم الخيرين الذين يملكون حسًّا كريمًا بقيمة أبنائها المخلصين الموهوبين الذين جاهدوا في سبيل كرامتها ومستقبلها، وكان استقبال نجيب الكيلاني في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض دليلًا على الخير في هذه الأمة، وقبل ذلك في مبعوثها إلى يوم الدين.

إن تجربة نجيب الكيلاني على السرير الأبيض، مادة أدبية حية نأمل أن يستثمرها بعد أن يمُن الله عليه بالشفاء العاجل لقد كان على السرير الأبيض مثالًا للمريض الملتزم الذي يسمع ويطيع وفي الوقت ذاته كان يمثل المريض المؤمن الصابر الذي يسلم لله تسليمًا مطلقًا، يقول نجيب الكيلاني كنت أجزع عندما أذهب المستشفى أما هذه المرة فقد سلمت أمري لله ساعة أن أعطوني إبرة التخدير لم أدر شيئًا إلا عندما أفقت تساءلت عما فعلوا وهكذا بات موقفه من العملية الجراحية الدقيقة ومن المستقبل يسأل الله الشفاء، ويطلب من زائريه الدعاء، وفي أثناء الزيارة يتذكر قصصًا وحكايات ومواقف، يحكيها بتفاصيلها الدقيقة، وبالرغم من مرارة بعضها إلا أنه لا يُشعر زائريه بشيء منها.

وفي غمرة العلاج يذكرني بمشروعاته التي لم تكتمل، ويقول لي إنني أكتب القصة الثالثة عن عبد المتجلي بعنوان هجرة عبد المتجلي، وكان قد أصدر روايتين إحداهما، اعترافات عبد المتجلي والثانية تحمل عنوان "امرأة عبد المتجلي" ويريدها أن تكون ثلاثية معاصرة تحمل مشاعر وأشواق الجيل الجديد وإلى جانب مشروعاته يتحدث عن مخطوطاته التي ضاعت وقصائده التي فقدت، ولكنه لا يفقد الأمل في الله أو في المستقبل، ومن المفارقات أن أحد العاملين بالمستشفى وهو إريتري الجنسية، فرح فرحًا غامرًا عندما عرف أن المريض نجيب الكيلاني هو كاتب رواية "الظل الأسود" التي تحكي مأساة المسلمين في الحبشة تحت حكم الإمبراطور فقد كان العامل يظن أن أحدًا في العالم الإسلامي لا يعلم بمأساتهم، ولكن رواية "الظل الأسود" أعادت إليه الأمل في المسلمين.

إن نجيب الكيلاني كان وما زال ابنًا حقيقيًا للأمة الإسلامية، ومعبرًا عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويكفي أن رواياته عن المسلمين المضطهدين في الاتحاد السوفييتي والصين وإندونيسيا ونيجيريا، كانت بشيرًا باستقلالهم الذي تحقق الكثير منه بعد انهيار الإمبراطورية الشيوعية. إن قلوب المحبين مع نجيب الكيلاني تدعو له، وتسأل الله أن يشفيه ليغرد بقلمه المسلم على صفحات الكتب والصحف فأدعو له ومن الله الشفاء والمنة.

 

الرابط المختصر :