; الدكتور عيسى عبده يتحدث إلى "المجتمع" عن: رحلته في أوروبا وأمريكا واليابان | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور عيسى عبده يتحدث إلى "المجتمع" عن: رحلته في أوروبا وأمريكا واليابان

الكاتب أبو عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1971

مشاهدات 41

نشر في العدد 53

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 30-مارس-1971

«لقد أصبحت أعتقد أن الدعوة في بلد لم يعرف الإسلام أيسر من الدعوة في بلد تزعم أنها تعتنقه» الدكتور عيسى عبده يتحدث إلى المجتمع عن: رحلته في أوروبا وأمريكا واليابان حديث أجراه: أبو عبد الله حرصت المجتمع على لقاء مع الأستاذ الدكتور عيسى عبده بعد رحلة استغرقت خمسة أشهر، فأوفدت أحد محرريها لينقل إلى قرائها خواطر الدكتور وانطباعاته عن هذه الجولة التي قام بها في اليابان وأمريكا وأوروبا ليتفقد أحوال الدعوة ويطلع على سير الدعاة هناك، ورغم أن الدكتور كان مريضًا وصحته لا تسمح له بمقابلة أحد إلا أنه حرص مشكورًا على الإجابة عن أسئلتنا فجزاه الله عنا خير الجزاء. وأسرة تحرير المجتمع تدعو من كل قلوبها للدكتور بالشفاء العاجل. • قمت بجولة إلى اليابان ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، فهل كانت هناك دواع لسفركم هذا؟ - لا بد لكل عمل من دافع وإلا كان اضطرابًا في الأرض بغير قصد ويقول بعض العلماء الفرق بين الفعل والعمل هو أن الفعل مطلق السلوك الظاهري، وأما العمل فلا بد من عمل وراءه وقصد يهدف إليه، أما في رحلتي التي استمرت خمسة أشهر فقد كان الدافع إليها محاولة الإسهام ولو بقدر يسير في خدمة الدعوة إلى الإسلام، وكان الهدف التعرف على أحوال بعض الدعاة وأساليبهم لعل في مثل هذا الاطلاع ما يساعد على توكيد الصالح من الأساليب والتحذير مما عدا ذلك. • يقال إن اليابانيين متعطشون إلى الإسلام، فإلى أي حد يصدق هذا القول؟ - نعم في اليابان عناصر طيبة بين المثقفين فقد رأيت مثلًا في جامعة «أوزاكا» اثنين من الأساتذة اليابانيين أحدهما يسمى «كاجايا» والآخر اسمه «أكيدا» يرغبان في الاقتراب من الإسلام، وكذلك من عامة الشعب أفراد يتوقون إلى اعتناق الإسلام ومع ذلك فالذي حدث أنه في أربعين عامًا مضت لم يدخل أحد في دين الله إلا بضع مئات موزعين على جزر اليابان وقلما يتصل بعضهم ببعض والتقصير واقع من الدعاة والهيئات المشتغلة بالدعوة. وقد لاحظت مثلًا أن المراكز الإسلامية والمساجد تتحول مع الزمن إلى مؤسسات تشبه التمثيل السياسي أو القنصلي وتشبه المصالح الحكومية التي يؤمها الناس طلبًا للرزق وهذا بطبيعة الحال لا ينفي أن قلة مؤمنة تحترق بما تبذله من جهد وبما تتحمله من تضحيات، ولكن كيف يجدي عمل هذه القلة في أمة زاد تعدادها عن «110» ملايين من الأنفس وهبت عليها رياح الإلحاد والمادية والشيوعية والصبغة الغربية. أقول ماذا يجدي في مثل هذه الظروف أن تكون هنالك قلة مؤمنة تبذل كل ما في وسعها فيذهب هذا الجهد كصيحة في صحراء، إنني أضع اللوم كله على الأمة الإسلامية التي تملك المال ولا ينقصها الرجال وإنما تنقصها العزيمة وإخلاص العمل لوجه الله. • والرأي يا دكتور عيسى؟ ما يصلح لليابان يصلح لكثير من بلاد الشرق الأقصى سواء أكانت هذه البلاد تعرف الإسلام أم لا تعرفه، أريد بذلك بلادًا مثل تايلاند والفلبين وإندونيسيا وهذا الذي يصلح هو اختيار جماعات مثقفة ومحصنة بالزواج تعيش في كل بلد منها وتعمل على تربية نواة من أهل البلاد، وينبغي لمن يصل إلى بلد أن يتقن لغتها ويتعرف على عادات أهلها ويعيش بينهم طويلًا ثم تنتقل بعد ذلك المهمة إلى دوائر أكثر اتساعًا وتتألف من أهل البلاد أنفسهم حين يؤمنون وينشرون الدعوة. وقد يعترض البعض على ذكر اليابان مع بلد عرف الإسلام كإندونيسيا مثلًا فأقول إن الفهم الصحيح للإسلام قد تراجع كثيرًا حتى أصبح هذا الدين غريبًا في البلاد التي دخلها من قرون، ولقد لمست هذه الحال المؤلمة إلى حد أنني أظن أن الدعوة في بلد لم يعرف الإسلام أيسر من الدعوة في بلد يزعم أنها تعتنقه. • في اليابان جماعات إسلامية فما النشاطات التي تقوم بها هذه الجماعات؟ - التجمع على التوحيد ونشر الدعوة غير قائم في هذه البلاد ولذلك يجب أن ننظر إلى العناصر الصالحة على حقيقتها وهي أنهم أفراد يتفاوت تفاني كل منهم بحسب إخلاصه لله جل شأنه، أما الجماعات فتشغلها شئون الدنيا والتنافس على كسب مادي حاضر أو مرتقب ويحدث أحيانًا أن تشتد غيرة البعض من أجل فكرة أو نحلة من النحل التي ابتدعتها الفرق على نحو ما هو معروف في التاريخ، ثم إن العصبية القومية تفرق بين هذه الجماعات وهذا القول ينطبق على الشرق الأقصى وعلى دول أخرى. • إلى أي مدى تأثر اليابانيون بالاتجاهات اليسارية المعاصرة مع أن اليابانيين يحرصون كما يقال على تقاليدهم وعاداتهم؟ - الأمة اليابانية تتميز بالنظام واحترام القانون والقواعد إلا أن العرف القديم والتراث يتراجعان أمام الصبغة الغربية والشيوعية بسرعة مخيفة، صحيح أن الإنتاجية في تزايد والكفاية الشخصية في الصناعة والتجارة والفنون تترقى إلى حد أنها تهدد الغرب، هذا كله صحيح ولكن الأمة الشرقية المحافظة التي عاشت في النصف الأول من القرن العشرين تقف الآن على مفترق الطرق، فالمحافظون على التقاليد وعلى الوقار والآداب هم بقية من الجيل الماضي وأما الكثرة من الشباب الذي يبلغ العشرين أو نحوها -أي شباب ما بعد الحرب- فقد انخلع من القديم وسار مع التيار العارم الذي يجرف كل القيم التي كانت من قبل راسخة. وهذا السؤال يثير قضية قائمة في معظم البلاد الصناعية ذلك أن التعلق بما يسمى مستوى المعيشة والرفاهية والمتع الحسية قد رسخت في الأذهان وأصبحت الدافع الأول للجماعات وأصبح الكلام عن الوقار والمحافظة والقيم الخلقية أصبح كل ذلك في نظر الكثرة الغالبة المشتغلة بالإنتاج نوعًا من الرجعية والتخلف وقد غلبت على الناس في معظم البلاد الصناعية تلك المفاهيم التي تنتشر مع المذاهب اليسارية والتي تنتشر أيضًا في ظل الرأسمالية لأن المذاهب الاقتصادية التي يظن البعض أنها متصارعة قد اتفقت في الفساد وأريد بالفساد هنا غلبة الجنس والمتع الحسية الأخرى وأهمها الطعام والشراب. إنني أرى بوضوح أوثانًا معنوية جديدة تعبدها البلاد الصناعية وأهمها شيء يقال له مستوى المعيشة، وشيء آخر يقال له القومية وأعتقد أن الإنسانية لم تشهد نظير هذا التدلي في أي عصر من العصور ويرى بعض الباحثين أن اتجاه الفكر والجهد إلى غزو الفضاء مثلًا إنما هو هروب من الواقع بعد أن ضاقت به النفوس الطيبة وما أقلها. • كانت لديكم صورة عن الولايات المتحدة قبل السفر، فهل تغيرت هذه الصورة؟ - نعم تغيرت لأنني حرصت على السفر بالسكة الحديدية بين الغرب والوسط زهاء يومين كاملين بالقطار ورأيت البراري والأراضي الشاسعة التي تتسع لعشرات الملايين من البشر وتستوعب ألوف الملايين من رؤوس الأموال، وإذ كنت أرقب هذه المساحات المترامية كنت أفكر في قضية فلسطين ومزاعم الغرب إنه ما نشط لمساندة اليهود أو الصهاينة إلا لكي يكفل لهم وطنًا قوميًا ولو أن الغرب كان صادقًا لوجد من الولايات الوسطى من أمريكا أرضًا تتسع لإضعاف أضعاف اليهود. لقد أحزنتني هذه الحال لأن المشتغلين بالقضايا العامة في بلادنا يغفلون عن أن الخصومة قائمة بين الكفار وبين المسلمين وحسب فليست قضايا الساعة هي من أجل وطن قومي أو رحمة بشعب مضطهد أو شعور بالذنب كما يقال عن ألمانيا وما فعلته باليهود، كل ذلك هراء وسخف صغير جاز على الخاصة ولا أقول العامة وحسب. هذه ناحية وناحية أخرى لاحظت الولايات المتحدة تتميز بالاحتكار والاستغلال ولقد قال بعض الكتاب الأمريكيين أنفسهم أن هذه الدولة تحكمها أو تتحكم في مصائرها العصابات. كذلك لاحظت أن المشتغلِين بالأديان ويقال لهم في غير بلاد المسلمين «رجال الدين» يطوعون الحكم من أجل الإبقاء على أرزاقهم وإن كانت خبيثة وهم على أية حال في موقف لا يحسدون عليه رغم الجهود التي يبذلها بعضهم، ولقد قرأت في نشرة أصدرتها جمعية دينية هناك ما يلي: قالت النشرة: إن المواليد في العالم الغربي ثلاثون مليونًا في كل سنة ويقابل هذا الرقم نظيره تمامًا من عمليات الإجهاض الجائز قانونًا وتقول النشرة أيضًا: إن ما يجري من الإجهاض سرًا ولا يدخل في هذه الإحصائية غير قليل ولكن حصره عسير، وتقول النشرة: إن المواليد الذين يبلغ عددهم ثلاثين مليونًا هم شرعيون أو معترف بهم قانونًا ويدخل في هذه الحسبة كل طفل عقد والداه عقدًا في الكنيسة أو في المكاتب المدنية ولو قبل ميلاد الطفل بيوم واحد، ويدخل في هذه الإحصائية أيضًا من اعترف ببنوته ولو بعد ميلاده، ثم إن النشرة أيضًا تحلل هذه الأرقام وتردها إلى البلاد الغربية تباعًا، وبعبارة موجزة رأيت الأسرة تنهار في كل هذا العالم الذي بلغ في الإنتاج المادي والتكنولوجيا مبلغًا يملك على الشباب السطحي النظر في كل مشاعره. • أُتيحت لكم لقاءات بعض شبابنا المسلم المغترب في الولايات المتحدة، فما أوجه النشاط التي يقومون بها؟ وماذا تنتظرون منهم؟ سألت عن إحصائية المسلمين في الولايات المتحدة ولم أجد جوابًا شافيًا والجماعات المشتغلة بالدعوة كثيرة وتمثل طائفة من الفرق التي أسلفت الإشارة إليها إلا أن الطلاب والأساتذة والخريجين الذين درسوا في الولايات المتحدة ثم عاشوا فيها قد اجتمعوا فيما يسمى «اتحاد الطلبة المسلمين» بالولايات المتحدة وكندا، وهذه هي الهيئة التي وجهت إلى الدعوة لزيارة فروعها وهي من خير الجماعات المشتغلة بالدراسات الحادة وبنشر الفكر الصحيح عن الإسلام. ولكن الأموال الكافية تنقص هذه الجماعة فهي تعيش على الاشتراكات القليلة والتبرعات النادرة وقد رأيت من رجالها أفرادًا يفرضون احترامهم على العالم كله بما جبلوا عليه من إخلاص وتضحية متصلة. سفر 500 ميل لصلاة الجمعة هذا ويلاحظ أن الولايات المتحدة في مدنها وقراها بلاد شاسعة والمسافات فيها كبيرة ولذلك يعاني كل داعية مشقات كبيرة في الاتصال بالآخرين ولأضرب لك مثلًا أنه لكي نؤدي صلاة الجمعة لأول مرة بعد وصولي سافرت مع بعض الصحاب ستين ميلًا أي تسعين كيلومترًا وجاء غيري من بعد خمسمائة ميل لكي يؤدي صلاة الجمعة ويشهد اجتماعات دورية، ثم إن الصلاة تقام في قاعة تستأجر بضع ساعات. البقية في العدد القادم
الرابط المختصر :