; الدكتور عبد الحميد الغزالي في حوار حول: الاقتصاد المصري .. المشكلة والحل !! | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور عبد الحميد الغزالي في حوار حول: الاقتصاد المصري .. المشكلة والحل !!

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989

مشاهدات 95

نشر في العدد 923

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 04-يوليو-1989

القاهرة – من مراسل المجتمع:

  • الإنسان المصري قادر على الابتكار والإبداع في أشد الظروف صعوبة.

يحظى الأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي، أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، بمكانة خاصة بين أساتذة الاقتصاد في الجامعات العربية، وهو من أبرز العلماء المتخصصين في الاقتصاد السياسي، وهو أيضًا من أشد المتمرسين لتطبيق الحل الاقتصادي في كل المجالات وبخاصة مجال الاقتصاد، ثم هو لم يقف عند البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية بل تجاور ذلك إلى المشاركة في الحياة العامة وفقًا للشعور العام نحو تطبيق النظام الإسلامي في مجال الاقتصاد، حيث رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب ثم مجلس الشورى على قوائم التحالف الإسلامي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي هو الذي أشرف على رسالة الدكتوراه للدكتور يسري مصطفى وزير الاقتصاد المصري الحالي.. التقت المجتمع بالدكتور الغزالي لتستطلع رأيه حول مشكلات الاقتصاد المصري ورؤيته لكيفية الخروج من هذه الأزمة الطاحنة التي اشتدت حدتها في السنوات الأخيرة متمثلة في وصول حجم الدين الخارجي إلى أكثر من أربعين ألف مليون جنيه بخلاف الديون العسكرية، وعلى المستوى الداخلي ارتفعت الأسعار- أسعار السلع الأساسية - بصورة جنونية وانخفضت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بصورة حادة والأوضاع ما زالت مستمرة في التدهور.

قلت للدكتور الغزالي: ما  تصوركم التشخيصي الصحيح لأزمة الاقتصاد المصري؟

فقال: بصفة عامة يمكن القول بإن الأزمة تتمثل في ضعف الإنتاج، وإن الخروج منها لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق زيادة الإنتاج، وعليه تنحصر المعالجة عمليًا في كيفية إحداث هذه الزيادة، ويمكن القول أيضًا بإن مشكلة ضعف الإنتاج ترجع إلى أن الاقتصاد المصري يعاني من حالة من الركود التضخمي الحاد، أي انكماش واضح في النشاط الاقتصادي مع ارتفاع مفرط في الأسعار، وترجع هذه الحالة بدورها إلى المشكلات الهيكلية التي تتعرض لها القطاعات الاقتصادية المختلفة في ظل استهلاك - عام وخاص - متصاعد ومديونية خارجية متفاقمة وسياسات اقتصادية واستثمارية مترددة ومضطربة.

 

اختلالات في كل القطاعات

قلت: ما أهم المشكلات الهيكلية التي ترونها ؟

فقال: أهم المشكلات والاختلالات الهيكلية

أولًا: الاختلال بين استهلاكنا وانتاجنا من السلع الأساسية وعلى رأسها القمح.

ثانيًا: الاختلال بين احتياجاتنا الاستثمارية وقدرتنا على التمويل الذاتي لهذه الاستثمارات

ثالثًا: الاختلال بين النفقات العامة - خاصة الدفاع والأمن والتمثيل الخارجي - والإيرادات العامة، ثم الاختلال بين وارداتنا وصادراتنا والاختلال بين الأجور والأسعار... وهذا الاختلال الأخير يعد أساسًا محصلة الاختلالات السابقة، ومن ثم تشتعل الأسعار ارتفاعًا، بينما لا تتحرك الأجور إلا تحركًا بطيئًا... وعليه تكون النتيجة انخفاض واضح ومستمر في الدخل الحقيقي للفرد، أي مقدار ما يشتريه دخله النقدي من سلع وخدمات... واستنادًا على ما سبق تتلخص «الأزمة الاقتصادية» في عجز القطاعات السلعية والخدمية - حتى الآن - عن توفير سلع وخدمات.. بكم وكيف مناسبين لاحتياجات الأعداد المتزايدة من السكان، بجانب زيادة مستمرة في الاستهلاك بشقيه العام والخاص، مما أدى في النهاية إلى حدوث اختلال متزايد في التوازن الداخلي والخارجي، الأول: في صورة عجز متزايد في الموازنة العامة وزيادة مستمرة في المديونية الداخلية للجهاز المصرفي، والثاني: يتمثل في صورة عجز متزايد في ميزان المدفوعات وزيادة مستمرة في المديونية الخارجية لبقية دول العالم.

قلت للدكتور الغزالي: ما آثار هذه الأزمة، وهل تعتبر غير قابلة للعلاج ؟

فقال: هذه الأزمة لها آثارها السلبية على المستوى العام للأسعار، فيأخذ في الارتفاع المستمر، وأيضًا على قيمة الجنيه المصري في مقابل العملات الأجنبية - وعلى رأسها الدولار - فتأخذ في الانخفاض المستمر، وإذا استمر هذا الوضع الخطير - بعنصريه الداخلي والخارجي - دون معالجة جادة وشاملة فسوف يهدد بالتأكيد جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالفشل، ومن ثم يحرم الإنسان المصري من حقه المشروع في تحقيق مستوى معيشة أفضل، وبالرغم من خطورة الأزمة فإنه يتعين التشديد على حقيقة أنها قابلة للمعالجة، بل يتوافر في الواقع أمام الاقتصاد المصري إمكانات حقيقية للخروج منها إلى آفاق إنمائية شاسعة في المستقبل، ولعل أهم هذه الإمكانات الإنسان المصري نفسه، فهو القادر - بعون الله تعالى - إذا ما أتيحت له الفرصة على التصدي والتحدي والإبداع والابتكار في أشد الظروف - الفنية - صعوبة.

 

محاور أساسية للعلاج

قلت: ما المحاور التي تقترحونها لمعالجة الاختلالات التي ذكرتموها في الاقتصاد المصري ؟

فقال: في تصوري ترتكز المعالجة على المحاور التالية:

1.  زيادة انتاج السلع الأساسية على المستويين الرأسي والأفقي، باستخدام الموارد العاطلة في الزراعة والطاقات غير المستغلة في الصناعة، وبرفع جاد وملموس - بالوسائل المعروفة - في الإنتاجية.

2.  تمويل استثماراتنا ذاتها بقدر الإمكان وفقًا لنظام أولويات واضح ومحدد، وعن طريق حشد مقصود للموارد المالية الوطنية، وهي ليست بالقليلة كما اتضح من ظاهرة شركات توظيف الأموال.

3.  ترشيد حقيقي للنفقات العامة خاصة في مجالات الدفاع والأمن والتمثيل الخارجي، بما لا يضر بدفاعاتنا وأمننا وسمعتنا الخارجية، مع إجراء  تعديل جذري في نظامنا الضريبي، وهنا يطرح النظام المالي الإسلامي نفسه كنظام عملي فاعل، حتى يدفع القادر ما عليه من التزامات تجاه مجتمعه دون تهرب واهتزاز؟.

4.  تنمية الصادرات وفقًا لإستراتيجية إنتاجية وتصديرية تأخذ في الاعتبار مقومات الإنتاج المحلي، وهياكل واحتياجات الأسواق الخارجية مع ترشيد الواردات بما يحمي الصناعات الوطنية، ويلبي مستلزماتها الإنتاجية ولنجرب أن نعيش في حدود إمکاناتنا اختيارًا قبل أو بدلًا من أن نجبر على ذلك !

5.  تحديد واضح لمجالات عمل القطاعات المؤسسية «العام والخاص والمشترك والتعاوني» بما يضمن أكفأ استخدام ممكن للموارد على أساس من التكامل والتعاون الذرائعي وبعيدًا عن الأيديولوجيات «الخصخصة والعمعمة».

6.  ترشيد استخدام القروض الخارجية وفقًا لضوابط واضحة، مع العمل على وقفها نهائيًا في فترة مستقبلية وإيجاد بدائل - عند الحاجة- کالاستثمار المباشر والمشاركة، والعمل على تصفية المديونية القائمة جزئيًا بجدولة السداد، وجزئيًا «بالرسملة» في مشروعات غير إستراتيجية، وجزئيًا بالإقساط إن أمكن.

7.  ربط الأجور بالإنتاجية، مع تحريك مدروس للأجور يضمن حدًا لائقًا من مستوى المعيشة، عند التحرك المدروس والمنضبط للأسعار، والذي يعكس التطور الفعلي لهيكل نفقات انتاج السلع والخدمات المتداولة في ظل سياسات اقتصادية ومالية ونقدية وتجارية واضحة ومحددة.

8.  دعم التعاون الاقتصادي بتنظيماته ومؤسساته المختلفة بين الدول العربية والأفريقية والإسلامية وفقًا لإستراتيجية التكامل الاقتصادي على أساس عدد من الداخل، منها المشروعات المشتركة والسوق المشتركة وتنسيق الخطط الإنمائية.

9.  محاربة جادة وشاملة ومدروسة لكل مظاهر الفساد والإفساد، ومحاربة جادة وشاملة ومدروسة لوباء المخدرات الذي يستهدف تدمير قلب مجتمعنا وهم الشباب.

10.             التمسك بكل ما نستطيع، وعلى كافة المستويات بالشرعية والقانون، والتأكيد في وسائل إعلامنا المختلفة على ترسيخ قيمنا التي رفعت العمل - أي الإنتاج - إلى مرتبة الجهاد، بل العبادة للخالق تبارك وتعالى.

شرطان ضروریان

وأخيرًا لكي تتحقق هذه المعالجة المقترحة على أرض الواقع لا بد من اقتناع الإنسان المصري بجدواها، ولا بد من إحساسه الحقيقي بالمشاركة في صنع القرارات المرتبطة بها، ولكي يتم ذلك - والكلام للدكتور عبد الحميد الغزالي - لا بد من أن يتوافر للإنسان المصري شرطان:

الأول: أن يتمتع بقدر مناسب من الحرية، وهنا يتعين أن نتمسك بالديموقراطية ونعمقها بعيدًا عن الشعارات.

والثاني: أن يحس الإنسان - فعلًا لا قولًا - بأنه غير مستغل، فبدون الحرية والعدالة، لن تنجز شيئًا يستحق الذكر في معركتنا لتحقيق حياة أفضل مهما كثرت الموارد المادية، وتنوعت مكوناتها ومصادرها.

قلت: وماذا عن دور المشروع الاقتصادي الإسلامي ؟

فقال: المشروع الإسلامي يقدم كل متطلبات المعالجة الجادة والفاعلة لهذه الأزمة، لأنه يقوم بالإنسان وللإنسان في ظل إطار عقيدي واضح ينبثق من جوهر الغاية من وجود الإنسان على ظهر الأرض، وهو عبادة الخالق بالمعنى الواسع، والذي يشمل بالأساس إعمار الأرض إعمارًا شاملًا ومستمرًا لتحقيق الحياة الطيبة الكريمة عليها، والفوز بالجنة في الحياة الآخرة، ومن ثم يقدم هذا المشروع الشرطين الأساسيين لتنفيذ هذه المعالجة من قبل الإنسان، وهما حرية حقيقية للفرد وعدالة واضحة في توزيع ثمار الجهد الإنمائي... كما يقدم معالجات محددة، وفقًا لضوابط عملية لكل عناصر الأزمة الاقتصادية من ضعف للإنتاج وإفراط في الاستهلاك وتضخم سرطاني في القطاع العام، وانخفاض في الإنتاجية وتدهور واضح في خدمات الصحة والتعليم والإعلام والإسكان واستشراء لمظاهر الفساد الإفساد على كافة المستويات واستفحال المديونية الخارجية، وتفاقم التبعية واشتعال الأسعار، والانخفاض الحاد والمستمر في قيمة العملة الوطنية، والانخفاض الحاد والمستمر في مستوى معيشة الإنسان... إلى آخر هذه العناصر في الاقتصاد المصري.

إذًا فليس مقولة الإسلام هو الحل شعارًا يطرح، وإنما هو برنامج محدد قابل للتطبيق لإخراج الإنسان من ضيق ومأزق الأنظمة الوضعية إلى رحاب وسماحة الإسلام والحياة الطيبة المحققة في ظله...

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل