العنوان من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة.. الدكتور زكي علي ( ١٣٢٥ - ١٤١٩هـ / ١٩٠٥ - ١٩٩٩م)
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 57
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 36
السبت 20-يونيو-2009
- خلال بعثته إلى فرنسا فوجئ بالكذب والافتراء على الإسلام فقرر التفرغ للدعوة والتصدي لأباطيل خصوم الإسلام في الغرب.
- ألف ٦ كتب باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية صدرت في أوروبا دفاعا عن الإسلام.
- صاحب إسهامات أدبية وفكرية إسلامية نشرتها عدة صحف ومجلات عالمية.
- د. مختار الوكيل: له الفضل على الحركة العربية الإسلامية في ربوع سويسرا وألمانيا وفرنسا وغيرها.
- سامي حقي: أسلم على يديه كثير من الخلق رغم حياة الغربة والمعاناة الشديدة من شظف العيش.
ولد ببلدة "أنشاص البصل" بمحافظة الشرقية بمصر سنة ١٩٠٥م، ونشأ نشأة دينية، حيث تلقى الدراسة الأولية والابتدائية بالزقازيق والقاهرة، ولما قامت الحركة الوطنية المصرية في سنة ۱۹۱۹م، وهو بالمدرسة الخديوية انضم إلى صفوفها، ونشرت له مقالة وطنية في جريدة "النظام"، تحت عنوان: "في سبيل الاستقلال"، ثم التحق بمدرسة الطب المصرية، ونال إجازة الطب في سنة ١٩٢٧م.
حياته العلمية: عُيِّن طبيباً بمستشفى "قصر العيني"، وفي سنة ١٩٢٨م انتقل طبيبا لشركة الزيوت الإنجليزية (شل) بالغردقة على البحر الأحمر، ثم سافر إلى فرنسا في بعثة تعليمية سنة ۱۹۳۱م، وهناك وجد الكذب والافتراء على دين الإسلام من المستشرقين وأعداء الإسلام الذين شوهوا صورة الإسلام في أعين الأوروبيين بحيث لا يقرأ صحيفة أو يحضر ندوة أو مجلسا إلا ويجد فيه التعريض بالإسلام والافتراء على القرآن ورسول الإسلام، والتشويه لتاريخ المسلمين، حتى إن بعض من زامله في الاغتراب كان يصدق تلك الأكاذيب والأباطيل، فقرر التفرغ للدعوة إلى الله، والتصدي لتفنيد تلك الأباطيل، ودحض الشبهات المثارة.
وقد انتخب عضواً في (جمعية تاريخ الطب الفرنسية)، ونشر عدة رسائل عن الطب العربي في كل من باريس وفيينا وبرلين وقد اقترح عليه أمير البيان "شكيب أرسلان"، وزعيم المجاهدين في أوروبا المقيم في جنيف أن ينتقل إلى جنيف، ليتعاونا في الذود عن حياض الإسلام، والرد على شبهات أعداء الإسلام.
معرفتي به
أول معرفتي به كان عن طريق الأخ الدكتور "سعيد رمضان" الذي حدثني عنه وعن جهاده، وقد وفقني الله لزيارته في بيته في سويسرا، وجلست إليه طويلاً، ووجدت فيه ما حدثني عنه الدكتور سعيد رمضان وأكثر فقد وجدت فيه البساطة والتواضع والزهد حيث كان يسكن في شقة غاية في البساطة، ويقوم على خدمة ضيوفه بنفسه، رغم كبر سنه، وكان يأكل من الطعام القليل، وينام قليلا، ومعظم وقته كان يقضيه في المطالعة والقراءة والكتابة وتتبع أخبار المسلمين في كل مكان.
وكان لقائي به في أواخر عمره، ولكني وجدت فيه الحيوية التي يتمتع بها، والنشاط الجم الذي يمارسه والحرص الدؤوب على معرفة ما يجري للمسلمين في كل مكان والعمل المتواصل لبيان منهج الإسلام الحق المستقى من الكتاب والسنة، والحرص على تعريف غير المسلمين بحقيقة الإسلام، ودعوته الدعاة المسلمين وأصحاب الرأي والمال إلى الوقوف بجانب إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم وبخاصة في البلدان التي يشكلون فيها أقلية، وتتبعه لما يكتب ضد الإسلام من قبل المستشرقين وتعقب كتاباتهم، وفندها وكشف عوارها وزيفها وبين الصورة الحقيقية المشرقة للإسلام.
مؤلفاته: أصدر الدكتور زكي علي ستة كتب في أوروبا عن الإسلام والعربية بثلاث لغات هي: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية.
وقد صدر أول كتبه عام ١٩٣٨م بالاشتراك مع الزعيم "أغاخان"، وكان بعنوان: "الإسلام في العالم".
والثاني صدرت طبعته الأولى في جنيف عام ١٩٤٤م ، وكان بالإنجليزية، وعنوانه "لمحات عن الإسلام".
والثالث بالفرنسية، وصدر في جنيف عام ١٩٤٥م بعنوان "أوروبا والإسلام"، وترجم إلى العربية في لبنان عام ١٩٤٩م.
والرابع بالفرنسية أيضا، وحمل عنوان "اللغة العربية في العالم"، ونشرته مدرسة الترجمة بجامعة جنيف سنة ١٩٥٠م، ثم ترجمته إلى العربية مجلة "الأنوار" في "تطوان" بالمغرب سنة ١٩٥٠م.
والخامس بعنوان: "تأثير الثقافة الإسلامية في الغرب"، وصدر في "أولتن" بـ "سويسرا" عام ١٩٦٠م.
والأخير بعنوان: "هذه هي الشعوب البيضاء"، وطبع في لوزان بسويسرا عام ۱۹۷۳م.
مؤلفاته الطبية
له عدة أبحاث ومقالات طبية في مجالي تاريخ الطب، وعلم الجراحة، ومنها رسالته حول "الطب العربي وأثره في مدنية أوروبا"، وبحث بالفرنسية بعنوان: "تاريخ الجراحة العربية في إسبانيا (الأندلس)"، وبحث بعنوان: "الدهانات التالية للعمليات الجراحية"، بالإضافة إلى العديد من المقالات.
مراسلاته وكتاباته الأخرى
للدكتور "زكي علي" إسهامات أدبية وفكرية أخرى، فقد كتب الشعر والمقال والخاطرة، وتراسل مع عدد من أعلام العالم الإسلامي، ونشرت إسهاماته في "الفتح" لصاحبها "محب الدين
الخطيب"، وفي مجلة
"الرائد" الهندية
وفي مجلة "البريد
الإسلامي" لصاحبها
"محمد توفيق أحمد
سعد"، وفي "منبر
الشرق" لعلي الغاياتي
فضلا عن كتاباته باللغات الأوروبية.
أما مراسلاته
فكانت مع عدد من
المشتغلين بالفكر والأدب الإسلامي، ومنهم الكاتب الإسلامي "أنور الجندي" وعلماء وأدباء "ندوة العلماء" بالهند: كالشيخ "أبي الحسن الندوي"، و"محمد الرابع الحسني الندوي"، وغيرهم، ومع الدكتور "محمد إقبال"، ومع الشيخ "محسن باروم" من أعلام النهضة الأدبية والإعلامية السعودية، والأديب الطبيب الدكتور "غريب جمعة"، ومع المهندس "محمد توفيق" الذي يبدو أنه قد التقاه في سويسرا أثناء بعثة الأخير إليها .
و
في قصيدته التي نشرتها "الفتح" عام ۱۹۳۸م تحت عنوان: "وداع مصر بعد فراقها":
| وداعا منك يا مصر وداعا | وليس البعد عنك هوى مطاعا |
| ولست بهاجر وطني، ولكن | جحود بنيك الهبني التياعا |
| فراق ثم بؤس طول سبع | شداد ما وجدت بها متاعا |
| ولم أك يائساً أبداً ولكن | دوام العسف علمني الصراعا |
من أقواله :
يقول الدكتور زكي ما ترجمته: "لقد بدأت منذ إقامتي في جنيف أراقب تطور العالم جميعه، وبخاصة العالم الغربي، فشهدت وأنا في "فيينا" مولد النازية في ألمانيا، كما راقبت نشاط الفاشية في إيطاليا، ودرست الحركة الشيوعية في روسيا، وعلاقة أوروبا بغيرها من الدول خارج هذه القارة، فرأيت الشعوب البيضاء تكن العداء الخالص للشعوب الملونة وما اقترب فيما بينها إلا ليبتلع المنتصر في حربه هذه الشعوب المظلومة، بعد أن يكون قد نحى الشعوب المنهزمة عما يريده من الغنائم والأسلاب، وهذا ما قصدته البلاد الرأسمالية في أوروبا، حين خافت نفوذ ألمانيا وأشياعها، واعتبرته مهددا مناطق نفوذها .
أما ادعاء هذه الشعوب تمسكها بالمسيحية، فباطل لا ينهض له دليل صحيح؛ لأن الإيمان الحقيقي بالله يجب أن يبقى راسخا في النفس، ولكن المسيحي الأوروبي يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، فيؤدي صلاة رسمية لا تتصل بمشاعره، لأنها لا تنهاه عن المنكر حين يقترف المظالم في حق الشعوب المجاورة، فضلا عن الشعوب النائية. إذن فالعاطفة الدينية التي يدعو إليها المسيح لا وجود لها عند المنتسبين إلى المسيحية في أوروبا جميعها .
وإذا كان التقدم الصناعي قد اكتمل عند الغرب، وتطور تطورا هائلا، فإن الذي يرقب هذا التطور يجده في مده الاستثماري قد أصبح إلها يُعبد، يُضحى في سبيله بكل تعاليم الأديان، فالعلم الصناعي هو الإله المعبود اليوم هناك، إذ تحول المسيح لديهم إلى عقل إلكتروني، فأصبح المصنع هو الكنيسة.
نعم، إن الكنيسة مفتوحة الأبواب ولرجالها احترامهم الخالص بين الأفراد ولكن أين تعاليم المسيح؟!".
قالوا عنه:
يقول الشيخ محمد عبد المطلب- رحمه الله- حين قرأ كتابه عن الطب العربي، وهو قطعة من النثر البليغ بدأت بمقطوعة شعرية رائعة لم ينشرها القائمون على طبع ديوانه بعد وفاته، وقد كتبها قبل شهر واحد من رحيله ، وفيها يقول:
| زكي اتئد في طلاب العلا | فإنك أدركتها من كتب |
| سموت إلى المكرمات الكبار | سمو الزمان إذا ما غلب |
| وبوأت أسلافك السابقين | بالعلم فوق مدار الشهب |
يقول محمد لطفي جمعة:
"إنه لم يصنع كاتب حديث، ولا قديم بلغة غير لغته كتابا على النمط العالي، كما صنع الدكتور "زكي علي"، نزيل جنيف، وخادم العلم والوطن والملة، وإذا كان هذا الرجل الفذ لا يزال في منتصف العقد الرابع، كما علمنا من بعض عارفيه الثقات، فلا يعلم إلا الله ما يصل إليه بعد عشرين عاما من الدرس والتنقيب والتأليف، فهو يمتاز قبل كل شيء بالصدق والأمانة في النقل، كما يظهر ذلك في الفصلين اللذين عقدهما لحضارة الإسلام ولتوسع الإسلام، وامتداده ونفوذه، ويمتاز بخلة ثانية نفيسة هي قدرته على سرعة الإلمام بحقائق العلم، ووقائع التاريخ وسهولة هضمها ، وصياغتها في أفضل قالب وأبلغه وأوضحه، وقد دل بكتابته في الإسلام على قدرة في التأليف بالإنجليزية بدرجة أسلوبه العربي الرائع".
يقول الأستاذ أحمد أبو الفتح:
"أرى من الواجب أن أذكر ما يقوم به العالم الجليل الدكتور "زكي علي"، الذي يقيم في جنيف، منذ أكثر من أربعين سنة، وقد آثر هيئة التقشف، فهجر مزاولة الطب ليكرس نفسه للرد على كل سؤال حول الإسلام وللتصدي لكل تشويه، وذلك بنشر الحقائق في الصحف المختلفة".
ويقول الدكتور مختار الوكيل:
"لا شك أن للدكتور "زكي علي" فضلا على الحركة العربية والإسلامية في ربوع سويسرا والنمسا وألمانيا وفرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية فهو كما قال الأستاذ أبو الفتح ينشر المقالات والأبحاث الطوال شارحاً حقيقة الفكر الإسلامي، وكان يدرس الآداب واللغة العربية في جامعة جنيف وأفادت منه أجيال من رجالات سويسرا في هذا المجال وكثير منهم تبحر في دراسة الفكر الإسلامي، واهتدى على يديه إلى الطريق المستقيم".
يقول الأستاذ إحسان سامي حقي:
-من أدباء الشام المجيدين- متحدثا عن "رابطة الثقافة الإسلامية" التي أنشأها الدكتور "لقد رفض الدكتور "زكي علي" الرجوع إلى مصر مؤثرا الخدمة الدينية لعقيدته ومثابرا على توضيح تعاليم الإسلام، فدخل في هذا الدين الحنيف على يده كثير من الخلق، ولجمعيته مكتب وبهو للمحاضرات، مرة في كل أسبوع، حيث يجتمع لديه كثير من مختلف الطبقات والشعوب.
ورغم ما يقاسيه الدكتور من شظف العيش وخشونته في تلك الأصقاع، إذ ليس له فيها من معين ولا يساعده أحد من الخارج، فإنه لا يزال مثابرا على جده ونشاطه، ولا أغالي إذا قلت: إنني لم أجد رجلا يتحمل ما تحمله هذا الشاب في سبيل الخدمة العامة وليس الخبر كالعيان، وقد علمت أنه قضى يوم عيد الفطر، ولم يتناول فيه سوى الخبز الجاف، ومع ذلك فقد كان في هذا اليوم يستقبل المهنئين برابطة الثقافة، ويظهر البشاشة والسرور".
يقول د. محمد رجب البيومي:
"ومن توفيق الله أني راسلت بعض من أعرفهم في موطن إقامته بـ"سويسرا"، فأخذ يواليني بمجموعة من المقالات تعرف به وبمجموعة من الكتب ألفها متحدثاً عن مزايا دينه، ورادا شبهات المرجفين وبعدة صور له في مؤتمرات متكررة حتى احتل الرجل في نفسي منزلة أي منزلة، فدفعني الشوق إلى مراسلته وأنا أتهيب ذلك، ضناً بوقته أن يضيع في غير الأهم الأولى، ولكن نعمة الله قد غمرتني بالحسنى حين توالت رسائله إليّ تباعا فشفت غليلا، وأسعدتني بقراءتها، فكنت أعيدها مثنى وثلاث ورباع، وأقرؤها لأستفيد الجديد كلما قرأت، وكان يخيل إليَّ أني أحادثه، وأني أراه رأي العين بجسمه د ولحماً حين أقرأ ما يكتب إلي.
وفيما أرسل إليَّ قبل أن أتشرف بمراسلته كتيب عن رابطة الثقافة الإسلامية بـ"فيينا"، وبه نبذة عن أعمال الرابطة التي تأسست في 11/10/1932م".
وفاته
وقد توفي في "جنيف" بـ"سويسرا" سنة ١٤١٩هـ - ۱۹۹۹م، ونقل إلى مصر، حيث دفن في مسقط رأسه بمدينة "أنشاص البصل"، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي به عباده الصالحين، وحشرنا الله وإياه في زمرتهم.. آمين.
- تنبيه: هذه الحلقات بعضها خواطر من الذاكرة قد يعتريها النقص والنسيان. لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل على البريد الإلكتروني : alaqeelabumostafa@hotmail.com