; الدكتور الترابي في حوار صريح مع «المجتمع»: الفكر الإسلامي يواجه مرحلة التطبيق بعد فترة التنبيه العام | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور الترابي في حوار صريح مع «المجتمع»: الفكر الإسلامي يواجه مرحلة التطبيق بعد فترة التنبيه العام

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973

مشاهدات 21

نشر في العدد 136

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 06-فبراير-1973

في موسم الحج التقت «المجتمع» برائد من رواد الحركة الإسلامية الحديثة.. وقائد من قادتها الكبار.. ومفكر تآخت فيه الثقافة العصرية.. مع الثقافة الإسلامية الأصيلة..

يحمل القرآن بيمينه.. ويحمل مشكلات وقضايا عصره بيسراه.

التقَتْ «المجتمع» في موسم الحج الدكتور حسن الترابي، وهو الرجل القائم على ثغر السودان الشقيق.. في الزحف الإسلامي المعاصر.

حملت إليه «المجتمع» سؤالين رئيسيين:

الأول عن دور الفكر الإسلامي في مواجهة مشكلة التطبيق.. وهو موضوع هذا العدد..

والثاني عن «الحرية».. ومكانتها في تكوين الفرد وحياة الجماعة.. والإجابة عليه ستكون موضوع العدد القادم بإذن الله.

  • فهم الدين.. نعمة.. لا يحتكرها رجال.. ولا عصور
  • الجوهر الثابت هو القيم الأساسية.. والأصول الخالدة
  • جمود حركة الاجتهاد معصية لله وإضرار بالناس
  • الفقه الإسلامي اجتهادات بشرية موقوتة بزمانها وقضاياها

* دكتور حسن: لا يزال يغلب على الفكر الإسلامي المعاصر الميل إلى التعميم.. وإطلاق النداءات التفكيرية بالعودة إلى الإسلام -دون أن يقترن النداء بتقديم حل عملي- فهل ترون أن الوقت قد حان لكي ينتقل الفكر الإسلامي إلى مرحلة أكثر دقة.. وتحديدًا.. وأقرب رحمًا إلى الواقع ومشكلات الناس؟!

وأيهما أقرب إلى الصواب.. النظرية الجاهزة قبل الدخول في الواقع.. أم الاجتهاد من خلال الممارسة؟!

- الذي يلاحظ موقف الدين في زماننا.. موقف الدين كما هو الآن.. لا كما ينبغي أن يكون.. يرى مفارقة هائلة بين التصور والواقع.. فالأصل أصبح معلومات نظرية.. والشريعة ليست بمفهومات كلية بعيدة عن الواقع، ويمكن رد ذلك إلى أكثر من سبب.

فالإنسان لديه استعداد لتسلل الشرك إلى نفسه وحياته.. والجزء الذي يعقله الشرك في نفس أو حياة الإنسان هو انتقاص من مكانة الدين في الحياة والواقع.

قد يحنط الإنسان بنظرية الدين كنظام شامل.. بينما يبعد الدين -عمليًا -عن اقتصاده وحربه وسياسته.. وقانونه وفنه.

وسبب آخر هو: ضعف العلم الديني.. أو جمود حركة التجديد والاجتهاد. وطبيعي من العدل أن نقول: إن جميع الناس هم مستنفرة لرت كبيرة مستعدة لأن تستجيب لما يعنيها.. وما حال بينها وبين ما ينبغي إلا فقدانها «لدليل العمل» وخريطة السير في الحياة.

وكان على الفكر الإسلامي أن يواجه الواقع الجديد بغير مقولات الواقع القديم.. فلكل عصر فكره ورجاله وقضاياه.. والفهم نعمة لا تحتكر.. وفضل الله لا ينحصر في عصر أو عصور.. ولا في رجل أو رجال.

كل المحاولات التي يقوم بها البشر لفهم الشريعة وتفسيرها.. ما هي إلا مجهودات بشرية فقهية.. وقضائية مرحلية.. ليست خالدة.

وبمقتضى الإيمان.. ومقتضى الشرع يصبح في ظروف جديدة شيئًا آخر غير الذي كان في ظروف مغايرة.

الجوهر الثابت هو القيم الأساسية.. وكل ما سوى ذلك من صنع البشر لا يعدو أن يكون تفسيرًا وتقديرًا واجتهادًا.

لقد عجز الفكر الديني عن متابعة مشكلات الحياة وتطوراتها.. وهنالك حدث الانفصام بين الحياة والشريعة.. بين الدين والواقع.

وسنعود إلى هذه النقطة مرة أخرى بعد قليل.

* باعتبار الفكر الإسلامي المعاصر حركة تجديدية.. هل استطاع أن يخرج من دائرة العجز العام؟

عندما بدأت حركة الوعي الإسلامي الحديث.. وأدارت فكرها ودعت في اتجاه الإسلام.. اهتمت بالعموميات.

ذلك أنها كانت لا تملك «علمًا» إسلاميًا يعالج مشكلات الحياة كما ينبغي.

ولعل ترتيب الأولويات كان في الاعتبار. فقد كانت الحاجة في البداية إلى تنبيه الناس للدين من حيث هو دين.. ولاستجاشة عواطفهم نحو قضية الإيمان بالله واليوم الآخر.. وتحقيق الشريعة وعدالتها.. وربما كان الفكر الإسلامي لا يحتاج إلى أكثر من العموميات.. والمبادئ الكلية في الشريعة.

هذه اليقظة ولدت تيارات حركية نبهت قطاعات كبيرة من الشعوب.. وأصبح التوقف عند حد التعميم والتجريد هروبًا من تبعات مرحلة تالية.. يطالب بها الوعي الإسلامي الذي فجرته الحركة في البداية.

الحركة أصبحت أقرب إلى التأثير العملي على الحياة.. منها إلى مجرد عملية تنبيه وتذكير.

ومعظم الأدب الذي أنتجته الحركة الإسلامية في المرحلة الأولى، لا أقول إنه أمسى غير ذي فائدة لأن هناك من يحتاج إليه.

وبالنسبة لجموع أحرزت من الثقافة والوعي نصيبًا موفورًا نستطيع أن نقول: إن ذلك الإنتاج أصبح غير كافٍ وغير مشبع، ولابد من أن نتقدم خطوة إلى الأمام.. نتقدم لكي نترجم كل شعب العقيدة إلى مواقف عملية.

إن التوكل.. والصبر.. والاستقامة.. والاستمساك.. من شعب العقيدة.. وهي معانٍ تدفع الإنسان إلى الأمام.. وإلى العمل والإيجابية.

الحديث التجريدي عن هذه الموضوعات الحية لم يعد مقبولًا.. ولا مجديًا.. وحين نغرس هذه القيم في نفوس الناس.. ونصلح حياتهم بها.. ويندفعون إلى العمل والإنتاج.. يتبدى واجب آخر يتمثل في صياغة هذا الاندفاع إلى أهداف محددة: نهضة اقتصادية- نهضة سياسية- استقلال حقيقي عن المستعمر يورثنا العزة والمنعة.

ثم نضبط هذا التطور الشامل والحركة الدائبة بالجوانب التي تنظم الحياة.

التقوى -مثلًا -بدلًا من أن نتحدث عن التقوى عمومًا.. بالإشارة المجملة.. ننظر في العلاقات التفصيلية بين المسلمين في واقعهم الآن.. سواء كان واقعًا حضريًا أو زراعيًا.. أو صناعيًا.. ونفصل لهم مقتضى التقوى.. ومقتضى مخافة الله.. ومقتضى الإخاء.

إن أسئلة شتى تواجه الحركة الإسلامية.. كيف نبط العقيدة بالاقتصاد.. ونوجه النهضة الاقتصادية توجيهًا دينيًا.. كيف نوجه علاقاتها وتحكمها بمعاني العدالة التي يغرسها الدين في نفوس الناس؟

كيف نوجه السلطة السياسية.. توجيهًا سليمًا إلى الله.. ولله.. لا لذات السلطة؟

كيف نوجه بناء الكيانات المحلية بما يندرج في بناء الأمة.. وكيف نوجه بناء الأمة.. لكي يصلح للتعاون مع مسلمي العالم؟

* تسمح؟ الفقرة الأخيرة من السؤال الأول.. النظرية الجاهزة قبل الدخول في الواقع.. أم الاجتهاد من خلال الممارسة؟

قد يتيسر للحركة الإسلامية في موضع أو آخر الآن أن تشارك في السلطة أو تتولاها.

وفي الحالين لا بد من أن يكون لديها المناهج الواضحة حتى لا تغرق في زحمة المسؤولية فبعد المشاركة في السلطة أو توليها قد لا يتيسر لها ذلك.

والناس لا يقبلون من يتقدم للقيادة إلا إذا كان قد أقنعهم بأن لديه مناهج يمكن أن يعالج بها قضاياهم.

والقطاعات الواعية يهمها كثيرًا أن يكون لدى من يتقدم للقيادة.. مناهج.. وحلول.. واضحة وعملية..

وهنا لا أقصد أن تخوض الحركة في تفصيلات فقهية فرعية متشعبة.. فهذه ليست خطة حكيمة.. لأن التفاعل مع الواقع.. والممارسة العملية.. لهما نصيب كبير في تكوين وصياغة الأحكام الفقهية.. والبرامج العملية.

لا أرى.. ولا يمكن تحضير النظرية في الخيال المجرد.. ثم إقحام الواقع في هذه النظرية.

بيد أن السير بلا هدى -جملةً واحدة -أمر لا تتيسر معه دعوة الناس.. ولا يمكن والحالة هذه أن نقنع الجموع المثقفة والمؤثرة بما عندنا.. وبالتالي لن تلتف حولنا وتجعل لنا قوة سياسية ذات وزن تمكن الحركة من المشاركة في السلطة أو توليها.

فإذا تولت الحركة السلطة -ولم يكن عندها الخطوط الرئيسية للمنهج والعمل -ستواجهها مشكلات شتى.. وتغلبها.. وتخيب آمال الناس.. نظرًا لأن شعوبنا تحتاج -بعد تذكيرها بالله -إلى تحقيق الكثير من الأهداف العملية حتى تطمئن قلوبها.

فالزلزلة الفكرية التي تعرضت لها شعوبنا.. والمجالات الثقافية والمادية المختلفة رسمت في نفوس الناس بعض المظاهر حتى نسي الناس بعض ما جاءت به النبوة: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (القصص: 57).

وكثير من الناس لا ينظر إلى الإسلام هذه النظرة في الجوانب العقائدية والتعبدية.. علم يعمل لتقصي أثر الإسلام إلى مرحلة الارتداء الشامل.. وإنما يقوم الخوف من التخطف.. حين يتعلق الأمر بتطبيق الإسلام في المجالات الاقتصادية والسياسية والتشريعية.

هنا يلزم الحركة الإسلامية أن تعيد الطمأنينة إلى نفوس الناس فتقدم لهم من الفكر والمعاني.. والشيم المشرقة والاجتهادات القائمة.. ما يطمئنهم. فإذا قدر لها أن تشارك في السلطة أو تتولاها.. لزمها أن تطمئنهم بالواقع العملي.. فالنموذج العملي هو الذي يقنع الناس حقيقة.. ويرسخ يقينهم بما سمعوه أو قرأوه من أفكار واجتهادات ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: 1 – 3).

فبعد قيام النموذج العملي في المدينة أقبل الناس على الإسلام إقبالًا.. ودخلوا في دين الله أفواجًا..

وبقوة هذا النموذج.. ويسره وإشراقه ينفذ الفتح الإسلامي الحديث من قطر إلى قطر.. ويكون انتصارًا للحركات الإسلامية في بلدان أخرى.. وبالعكس.. إذا كان النموذج غير مشجع باءت بوزره الحركة الإسلامية صاحبة التجربة.. وأيضًا الحركات الإسلامية المماثلة.

وطبعًا.. الذي أقصده هو مناهج عريضة توضح للناس خريطة السير.. وتهديهم على بينة من أمرهم.

والناس الذين يسيرون في الطريق.. والناس الذين يدعون للسير في الطريق.. وبعد ذلك تتفاعل الخطوط العريضة مع الواقع العملي.. وعندئذ ومن خلال الممارسة تتضح المشكلات التفصيلية.. والعملية.. فتواجه بحلول عملية في ميدان التجربة.

وأريد أن أوضح أن هذه القضية بالغة الخطورة.. إن الدين قد انفصل عن الحياة بأثر من علل دينية أصابت المجتمعات.

والإسلام.. مهما تكن نظريته مرتبطة بالحياة.. ومهما يكن واعيًا وثابتًا.. فإن واقع المسلمين قد ابتعد عن الدين.. وعن الحياة حتى إن المرء يحس بأن بعض المفكرين الإسلاميين أنفسهم لم يستطيعوا التخلص كلية من رواسب هذا الابتعاد.. مما قعد بهم عن محاولات ضبط حياة الناس بالدين في كل شعب الحياة.

ونعود الآن لنقطة جمود الفقه الإسلامي.. التي وعدنا بالعودة إليها أنفًا.

الفقه الإسلامي الموروث.. بلغ الأمد الذي بينه وبين الحياة عدة قرون تكاد تبلغ العشرة.. أي منذ أن توقفت أو ضعفت.. أو كانت اجتهادًا ينبثق من اجتهاد آخر.. لا نابعًا من المصادر الرئيسية.

ورث آباؤنا ثروة فقهية كبيرة.. وظنوا أنها تكفيهم وتغنيهم عن التجديد.. أو الاجتهاد المواكب لتطور الحياة.. وتعقد المشكلات.. واتساع نطاق حركة الإنسان.

وحملهم على ذلك عدم التفريق بين الاجتهاد البشري المتغير.. وبين أصول الدين الثابتة.

اجتهادات فقهية متصلة بالشريعة.. والشريعة متصلة بالدين والعقيدة.. لأنهم تصوروا الأمر على هذا النحو منحوا اجتهادات البشر نفس قداسة الأصول الخالدة.. يضاف إلى ذلك أن الرجال الذين وضعوا هذه الاجتهادات كانوا في العلم والتقوى على قدم عظيم، فزاد الناس في توقيرهم وتهيّبهم لدرجة جعلتهم يهابون مراجعة أفكارهم.

لذلك كله ابتعدت الشريعة عن الواقع.

وحين يقع ذلك.. وإذا لم نجد الشريعة أو يجد الدين من يجدد أمره.. تأخر الدين.. ومضت الحياة في سيرها بلا هدى وبلا دين.

فالواقع.. أو الحياة العملية والمعاشية للناس لا تستطيع الانتظار..

* مشكلة التطبيق بالنسبة للفكر الإسلامي.. لها علاقة إلى حد كبير بالإفادة من التجارب الإنسانية. فهناك من يفهم من شمول الإسلام أن التطبيق الإسلامي يجب أن يقوم على إغفال كل تجربة إنسانية.. وأن نلغي -بداهة -جميع القوانين والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية.. بأحكام جاهزة.. لا عن طريق الانتقاء الذي يسبق موقفي الرفض والقبول.. نحب أن نعرف رأيكم.. إلى أي مدى يمكن أن يستفيد الفكر الإسلامي في التطبيق الحديث.. من التجارب الإنسانية؟

- هناك بضع حقائق ينبغي استصحابها ونحن نناقش هذه القضية.. وهي حقائق تدفع الفكر الإسلامي للإفادة من التجارب الإنسانية:

أولًا: تعاقب الرسالات السماوية.. وسيادة الديانات الكبرى -بالرغم مما أصابها من انحراف- ولدت أنماطًا من القيم الدينية الحقة.

لا يكاد بلد من البلدان.. ولا جيل من الأجيال خلت فيه تمامًا آثار الدين وقيمه.

الأديان جميعًا تعاقبت.. وأكدت معاني كثيرة في الأخلاق وفي نظم الحياة ووجهتها.. وبقيت هذه القيم رغم التحريف والانحراف.

والإسلام ذاته لم يكن دينًا جديدًا.. وإنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق.. ينسخ ويعدل.. ويهيمن.. ويربط آثار الدين الموجودة بالأصول الخالدة.. من جديد.

فتراث الإنسانية يزخر بفيض عظيم من الدين الإسلامي «إن الدين عند الله الإسلام».

ثانيًا: البشرية غير المهتدية بدين سماوي.. في تجاربها وتخبطها اهتدت إلى قدر محترم من المبادئ.. وأدركت أنها الحق.. وهذه المبادئ جاء بها الإسلام.. سواء فهم بمقتضاه التاريخي.. أو ببعض الرسالة التي أُنزلت على محمد عليه الصلاة والسلام.

وفق معيار الخطأ والصواب.. اهتدى الناس.. وأصبح من القيم المقبولة دوليًا -مهما كان الواقع- فكرة المساواة.. وفكرة الحرية.. وفكرة بناء الحكم على أساس الشورى بين الناس.. وليس على نزعة الجبروت والقهر.. وفكرة العدالة في العلاقات الاقتصادية.

قيم ثرة.. تنظم حياة الناس وتحكم علاقاتهم.. اهتدى إليها البشر بالمعيار العقلي للخطأ والصواب.. وكان الدين سيوفر عليهم هذا التخبط لو أنهم اهتدوا إليه ابتداءً.. لكن تأثرًا ببعض قيم الدين، وبالتجارب التاريخية، توصلوا إلى رصيد معقول من الفضائل والمكارم دعا إليها الإسلام.

ثالثًا: الإسلام قائم على العلم.. والعلم ليس كله نقليًا.. العلم النَقْلي هو العلم الشرعي فحسب.. الذي يبلغه الرسول.. ونأخذه عنه.

ومن العلم ما جعله الله عن طريق أسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا وعقولنا.. وهذا العلم يتعلق بالأشياء وبالطبيعة.. طبيعة النبات.. وطبيعة الحيوان.. وخواص المادة.. وخصائص المجتمعات.

فالله سبحانه وتعالى قد أودع فينا العقل لنبلغ به هذا العلم.. قد نخطئ.. لكن دائمًا نتقدم ونصحح أخطاءنا.. هذا العلم يتعلق بفهمنا لطبيعة الأوضاع التي نريد أن نطبق فيها منهجنا للشريعة.

وهذا العلم إذا لم نستخدمه لا نستطيع معرفة الواقع الذي نريد أن نطبق فيه هذه الأحكام..

وبغير هذا العلم يكون التطبيق خاطئًا.. وتكون الجهالة كبيرة.. ومعنتة.

حتى فهمنا الحديث للدين ينبغي أن يدخل فيه هذا العلم الحديث.

تخلف العلم الشرعي.. بينما مضى العلم العقلي في طريقه وتقدم.. خاصة لدى غيرنا.. فنحن فصمنا الحياة.. وأبعدنا العلم العقلي.. وتقدم الآخرون شوطًا بعيدة المدى.. وتوصلوا إلى نتائج هامة.. لا غنى لنا عنها.

وأقصد العلم الطبيعي.. الفيزياء.. الكيمياء.. والعلوم الطبية.. حتى العلوم الاجتماعية والتاريخ..

وأقصد تطبيقه تكنولوجيًا.. الآلة الحديثة.. وطريقة التنظيم الحديث.. وطريقة تقسيم العلم بين الناس.. هذه الاعتبارات الثلاثة تجعل الكلية مما لدى البشرية ذا فائدة لنا.

إما لأنه ذو صلة ببعض الأصول في الديانات أو لأنه حصيلة مرت بتجارب الخطأ والصواب أو لأنه نتاج العلوم الطبيعية.

وعندما نأخذ هذه التجارب ينبغي أن ننتبه حتى لا نأخذها جملة.. وبكل سلبياتها.. فالأثر الذي أُخذ من الديانات لا يخلو من تحريف.

والتجارب البشرية.. قد تكون وصلت إلى مستوى من النضج والإصالة.. والرشد يشابه بعض ما جاء به الإسلام.. ولكنها لم تبلغ مستواه.. وذلك لطبيعة الاختلاف الكبير بين المصدرين.

والعلم.. قد يكون هو أصلب ما توصل إليه عقل الإنسان.. ولكن قد تكون وجهته ضالة.

وكذلك النظم الاجتماعية التي تقوم عليها المجتمعات الأخرى، فالديمقراطية.. فكرة أكدت معنى الشورى.. وجعلت العالم يتقبل فكرة الشورى.. وجعلت احتمالات فهم الإسلام أقوى لدى الغرب.. فهم الآن أقرب إلى أن يتقبلوا فكرتنا.. فقد كانت الشورى فكرة منكرة من قبل، وكان مما يعوق انتشار هذا الدين رفض الإنسان لمبدأ الشورى.. أما الآن فقد تهيأوا لتقبلها ونحن يمكن أن نأخذ منهم الإجراءات التطبيقية.

أما توجيه الحياة السياسية وجهة غير دينية.. أما بعض عناصر التجربة الديمقراطية لديهم -كفكرة السيادة للشعب من دون الله.. وفصل الدين عن الدولة -هذه تجارب لا تعنينا.. ولا يحجبنا رفضها من الإفادة من المزايا الأخرى.

* من المسؤول عن تنحية الشريعة من واقع حياة المسلمين الحكام.. أم العلماء؟

في رأيي أن انحراف العديد من الحكومات الإسلامية وانفصال الدين عن الدولة.. مرده إلى تقصير الفكر الإسلامي أو علماء الإسلام في القيام بواجبهم العلمي.

فالفكر الديني -المرتبط بالشريعة وأصول الدين- تخلف عن مقتضيات الواقع.

والحياة في تطورها الدائب أنشأت مشكلات وطرحت قضايا جديدة واجهت الحكام والمسؤولين.. فالتفتوا إلى أهل الفكر والعلم الديني ابتغاء حل.. فيه من الله هدى.. فما استطاع العلماء أن يلبوا هذه الحاجة.

والتاريخ لن يقف من أجل الذين لا يريدون السير إلى الأمام.

وبمقدار سرعة التطور وعمق المشكلات.. كانت فجوة التنائي.. وعمق الانفصال.

لذلك اضطر الناس إلى معالجة واقعهم.. بالرأي العادي.. أو بالهوى والارتجال.. أو بالنقل من تجارب آخرين.

فانطلقت الحياة الحديثة انطلاقة غير إسلامية.. وكانت الحلول بالتالي غير إسلامية.. وضعف أثر الدين تبعًا لتناقص نصيبه في الحياة.

وكثير من الحكومات القائمة الآن في البلاد الإسلامية قد لا تكون حكومات ذات مقاصد إسلامية 100% ولكن ليس كلها مدبرة بعمد وعزم عن الإسلام.. فلو أنها وجدت برامج واعية وعملية مهتدية بالإسلام.. لكان هناك احتمال الأخذ بها.. ولنجا الفكر الإسلامي من خانة تبعة التقصير.

في ضوء هذا نرى أن قضية الاجتهاد.. تلح على المفكرين والعلماء إلحاحًا مستمرًا.

لابد من استصدار صيغ جديدة من الفكر الإسلامي.. سديدة النظر.. ممكنة التطبيق.. ومنطق المصلحة الإسلامية لا يقبل ولا يحتمل انتظار مجيء حكام في أعلى درجات الالتزام العقائدي.

بل إن وجود صيغ جديدة للتطبيق الإسلامي الحديث.. سيمنح الحركة الإسلامية خطوات واسعة للأمام.. ويربطها بالواقع -فهمًا للدين وصلة بالناس ومشكلاتهم، ويهيئ المناخ لبروز قيادات أَقْوَى التزامًا وتصميمًا.

ولا يبدو أن الوصول إلى قيام دولة إسلامية شاملة سيتم دفعة واحدة.. ومراعاة هذا الجانب أمر ضروري.. في التدرج بالناس إلى الالتزام بالإسلام.. وضروري في التدرج التشريعي والتطبيقي.. لأن المنبت لا أرضًا قطع.. ولا ظهرًا أبقى.

وإذا جاوزنا نطاقنا الخالص كمسلمين.. نجد أن العالم قد تهيأ لتقبل تجارب جديدة.. أكثر راحة وسلامة ورشدًا، ففي بلاد الغرب يتقبلون الإسلام لإشباع الحاجة الروحية.. والحقيقة أنهم لا يجدون في الفكر الإسلامي الذي يقدم لهم أي شيء يغريهم ويجذبهم لأخذ الإسلام في الجوانب المختلفة من حياتهم.

إن المشكلات والتجارب المرهقة قد شككت الناس هناك في أنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ونجاحنا في إنقاذ بلادنا مما تعانيه من الشقاء والتخلف والعنت.. نستطيع أن نجذب الشعوب الأخرى إلى تجربتنا الجديدة.. فتجد عندنا الإشباع الروحي.. والحل السليم لمشكلاتها مستقبلًا في نموذج ديني قائم في بلادنا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل