العنوان الدكتاتورية بين العبرة الصواب والعبرة الخطأ
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 49
السبت 27-ديسمبر-2003
قالوا عن الدكتاتور هو الطاغية الذي يتحدى صفات الألوهية والنبوة، ولما أراد الله سبحانه أن يخلق آدم أخبر ملائكته، والرسول الله حين أراد أن يخوض معركة بدر استشار أصحابه، والله يرحم عباده، والرسول يشفق عليهم، أما الطاغية فلا يُخبر بل يأمر، ولا يستشير بل يشير، ولا يرحم ولا يشفق بل يظلم ويبيد.
الدكتاتور: يتزوج الغرور فيلد ثلاثة أولاد: الحمق، والحقد، والجريمة.
الدكتاتورية إلغاء ملايين العقول والاكتفاء بعقل واحد، والازدراء بملايين الآراء، وتمجيد رأي واحد، وإهمال ملايين الفاعليات واستعمال فاعلية واحدة. تتقمص الملايين في شخص واحد، فتسافر إن سافر وتقيم إن أقام، وتبكي إن بكى وتَسخف إن سخَف وتهوي إن هوى وتجهل إن جهل، ولا تعرف طريقًا للمجد.
الدكتاتورية أبشع ردة في عصر الذرة والعلم والحرية إلى عصر الاسترقاق الجماعي في العصر الحجري الأول.
الدكتاتوريون: يصنعون الأوهام في عقول الأمة، لتستسيغ وهم عظمتهم، وما يستسيغها إلا سفهاء الأحلام، ومن ثم كان جل أنصار الطغاة من المنافقين والفاشلين والسخفاء، ولهذا كان أكبر عقاب للأمة المتخاذلة وجود طغاة بينها ودكتاتوريات فيها.
فلا تعجب من مغمورين سلط الطاغية عليهم الأنوار أن يحرقوا له البخور ويطبلون له بالمزامير، فلولاه لظلوا صعاليك ليس لهم ذكر، ومنبوذين ليس لهم مكان في المجتمع. ولهذا لا يخاف الطاغية وأعوانه من شيء حولهم مثل الحقيقة، ولا يعتمد على شيء كما يعتمد على الكذب والتمويه ولا يكره شيئًا كما يكره الصدق والصراحة والنور والرجولة.
الطاغية يحقق لأعداء الأمة من المكاسب ما لا يستطيعونها بالانتصار في المعارك، حيث يذل الأمة، ويميت أحرارها، ويحيي شرارها، ويقتل عزائمها ويقتلع رجولتها.
عبيد الطغاة يدافعون عنه إبقاء على حياتهم لا على حياته، وحبًا لاستغلالهم وإمتاعًا لشهواتهم. فإذا سقط، تنكروا له وبحثوا عن طاغية آخر أو عمالة سواه.
وبعد: لقد سقط طاغية العراق منذ أشهر وأمسك بتلابيبه منذ أيام، ولكن هل يعتبر غيره من الظلمة والطغاة، أم أن سحنتهم قد مردت على ذلك. وطبيعتهم قد صبغت به، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [ سورة البقرة: 11]ومن أسقطوه هل أسقطوه لطغيانه وفساده؟ نعم، لقد كان عهد صدام يفوق التصور من بشاعته. كان ساديًا طغى هو وأولاده والكثيرون من حوله، فالقتل والخطف والجلد والحرق والاغتصاب أمور عادية في سجونه المربعة وقطع الألسن والآذان والأعضاء أمر مألوف لدى زمرته، وقتله للمعارضين وتسلقه على أجساد رفاقه وتسلطه وسيرته كرئيس عصابة أمر مجمع عليه، ولكن هل كانت هذه الأسباب هي التي دعت المحتل إلى شن الحرب عليه؟
يجيب عن هذا السؤال «بتريك سيل»، الخبير البريطاني في شؤون الشرق الأوسط، فيقول: كلا... فسجله كان معروفًا تمامًا، ولكنه مادام يخدم مصالح الغرب كان يحظى بغض الطرف عن تجاوزاته لحقوق الإنسان، وعن وحشيته، فخلال ثماني سنوات مخضبة بالدماء بين 1980م و1988م، حارب صدام إيران وكان طول هذه الفترة يتلقى الدعم بالسلاح والمال والمعلومات السرية من جانب الدول الغربية، وكان سفيره يعتبر الصديق الحميم المدلل في واشنطن، كما كان ممثلوه يستقبلون بالحفاوة والشيكات في لندن وباريس، ولقد باعته الشركات الغربية المواد الأولية اللازمة لصنع الأسلحة غير التقليدية، وحين استخدم غاز الخردل على الأكراد في حلبجة اتجهت الأنظار إلى غير صدام ومرت الأمور بسلام.
السؤال الثاني: هل سقوط صدام، سيأتي بآخر ديمقراطي، أم أن الشعب هو الشعب الذي لم يستطع التغيير، والمصالح الغربية والمؤامرات الدولية هي من جاء بصدام سلفًا ويمكن أن تأتي به خلفًا حتى يكون شرطياً لمصالحها، ثم يسلط عليه الإعلام والدعاية ويخترع له من المواهب ما يرقى به إلى مصاف العظماء، أو يدعه هو يخترع لنفسه من الألقاب ما يعجز الوصف أو يفوق نزوات صدام الذي كان يطلق على نفسه حوالي مائة لقب، من أول المهيب إلى حامي حمى الأمة... إلخ... إلخ، ومن الشعارات ما يتعدى الخيال ويعجز عنه الوصف.
حتى تتعاظم عنده الأنا، وتبرز في عقله قرون الشياطين، وتنطلق من أفكاره فوضى المفاهيم فيتصدى لها بعض المخلصين، فيلجأ إلى المؤامرات والمظالم، ويسارع إليه الدجالون والمنافقون والأغرار، ويستعين بالجند والحراس ويجري الصراع وتنشغل الأمة بنفسها عن التنمية، وبالفتن عن استغلال مواردها البشرية والمادية، ويأتي الفقر والعوز والحاجة، وتركع الأمة تحت أقدام المستعمرين والمستغلين وتسود الكراهية للسلطات وتنفصل عن شعوبها وتلجأ هذه السلطات إلى من يحميها من شعوبها الثائرة وتعود الكرة كما بدأت ونحن بدورنا نقولها لأنفسنا وأمتنا وسلطاتنا: كونوا سندًا للشعوب تكن سندًا لكم، وعونًا لها تحوطكم وتحفظكم وترعاكم.
سأقول للحكام في أبراجها:
العدل أقوى صائن وضمين
والشعب أهلكم وأنتم أهله
ليس التراحم بيننا بظنين
لا تفرحوا بالمادحين فرُبَّما
قاد المديح لغرة وفتون
سأقول للمحكوم من يصبر على
ضيم يكن بالعز غير قمين
لا خير للأوطان في مستضعف
راضٍ بإهدار الحقوق مهين
ذهب صدام إلى غير رجعة وسيذهب غيره غير مأسوف عليه، وتبقى الشعوب تعاني من تداعيات ما أصابها من قتل وتدمير وإفساد للحياة والبيئة يعيدها إلى عصور خلت وإلى عهود بادت، ويبقى الاحتلال الذي جثم على صدر الأمة يملك زمام الأمر فيها ويصول ويجول ويولي ويعزل، ولا يعلم أحد إلا الله ماذا يخبئ من مفاجآت أو خطط للشعوب في المنطقة وحتى لحكامها ومقدراتها، فهل نأخذ من ذلك العبرة حكامًا ومحكومين؟ العبرة الصواب وليس العبرة الخطأ التي يريدها الاستعمار، حيث يريدها عبرة لمن يخالفه، ونحن نريدها عبرة لمن يركن إلى غير شعبه ويذل أمته، ويطغى عليها، ويتبع غير سبيل المؤمنين، فيخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. نريد توبة صادقة وعودة حميدة إلى الحق، فمن تولى فإننا لا نسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.