العنوان الدكتاتوريات المتبجحة وتحديث الاستبداد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 47
السبت 12-مايو-2001
كثير من الدول النامية تعيش اليوم عصر التبجح السياسي والاجتماعي، فكل ما تقوم به في عالم السياسة يصب في خانة الجهل والانحراف والعمى، ويصنف في جهة النزق والعته والبله، وكل يوم يزداد مرضى التبجح شرودًا وبرودًا، وتصعيرًا للخدود، وهذه حالات تظهر عند التدني والانحدار، كما كانت تظهر قديمًا في الأوساط الشعبية، فيسمى الحرامي «كسيب» والبلطجي «جدع»، والدجال «فُريجي»، واليوم يسمي الدكتاتور نفسه ديمقراطيًّا، والسلطوي حامي العدالة، والسفاح راعي الحريات، ويعرضون أنفسهم بلبوس ديمقراطية، وأقنعة ليبرالية، ويدَّعون أنهم يصنعون التاريخ، ويكتبون صحائف المجد، والحقيقة غير ذلك تمامًا، ويعرفها القاصي والداني، وأصبحت لا تخفى على الصغير أو الكبير، ولا المتعلم أو الجاهل، بل صارت اليوم أضحوكة مستغربة في وسط المثقفين الذين يقولون: لماذا نجد في الوطن العربي أن الذين يسمون أنفسهم «ديمقراطيين» يرتعدون من احتمال تولي السلطة من قبل آخرين، يكافحون من أجل الديمقراطية، حتى ولو كان هؤلاء من الليبراليين؟ لماذا يود هؤلاء السقوط لأحزاب ديمقراطية والتحالف مع دكتاتوريات عسكرية تقوم بقتل الديمقراطيين والإصلاحيين؟ ولماذا يلقون بأنفسهم في أحضان هذه الدكتاتوريات، وهي قاب قوسين أو أدنى من النفي والسقوط بدلًا من اتباع قواعد الديمقراطية في التعددية وحكم الأغلبية، لماذا لا يوجد ميثاق سياسي أو يسعى هؤلاء إلى ايجاده بين الإصلاحيين للوصول إلى حكم الشعب كما يقولون؟
إن من السهل جدًا إعطاء الجواب الواضح لهذا اللغز البسيط: إن الديمقراطيين في هذه البلاد ليسوا ديمقراطيين على الإطلاق، وإن طبيعتهم لا تحتوي على البنية الثقافية للديمقراطية، وإنما هم سلطويون دكتاتوريون في الحقيقة، أو تفعيون مصلحيون في طبيعتهم وثقافتهم.
ونستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا فنقول: إن أسوأ الأنظمة الاستبدادية وأعتاها في عدم الإنسانية في العصور الحديثة، هي التي قد بررت سلطتها- كلاميًّا على الأقل- بادعاء الرجوع إلى إرادة الشعب الذي لا يقدم ولا يؤخر، وكذلك استخدام مذهب الدستورية لتبرير السياسات الفاسدة، وقد جرى ويجري الآن التلاعب بالفكر والسلوك والتصرف، وهذا في الحقيقة شاهد أكيد على فساد المؤسسات التي تتبنى هذا الدجل، وتعمل على تسييس هذا التبجح العبثي المفضوح، وهذه الأنظمة دائمًا ما تستمد قوتها من دولة المخابرات، هذا المخلوق الضخم الديناصوري السائر بغير عقل، يزرع الاستقرار للدولة بالخوف والرعب لا بالشرعية والأمان والحب والاشباع النفسي والجوفي.
ويقرر بعض الباحثين أن الدول العربية اليوم تمتاز ببنية خاصة: سياسية واجتماعية، وصفت أنها الدكتاتورية الجديدة، التي تقوم بتحديث الاستبدادي وتطويره باقترانه بحداثة مشوهة، أما القابلة التي أشرفت على ولادة هذا السقوط المشوه، وهي السبب الحقيقي وراء هذه الانتكاسة الكبيرة فهي:
۱- التشرذم الاجتماعي: بمعنى فقدان الهدف الأساسي والغاية التي تجتمع عليها الأمة وتحرسها وتناضل في سبيلها، ويقودها مُثُل ترود الناس وتخوض غمار الكفاح.
٢- التنظيم الاستبدادي: حيث يجتمع حول الأنظمة الشمولية ثلة من الحريصين على إسكات الأصوات وتكميم الأفواه، وإدارة الأمور عن طريق الأزرار، أو كما تدار أمور الأطفال، وليس التعاون والاعتراف المتبادل والمساواة التي تحكم العلاقات ابتداء من الأسرة إلى الدولة.
٣- الاستنواق الحزبي: الأحزاب المدجنة التي تجري وراء المادة والنفع الآني، وليس عندها الرؤية الاستراتيجية للعمل الوطني، أو الصبر على الكفاح في سبيل الإصلاح والوصول إلى الغايات المرسومة، وفقدان الحس التنظيمي، سواء في تجنيد الأشخاص أو في الالتحام بالقوى الوطنية الآخرى.
٤- غياب المراقبة من صحافة وأهل الرأي وعدم وجود إعلام معارض يكشف الانحرافات، حيث تعمل السلطات على استيعاب وسائل الإعلام والإعلاميين، لتغييب الشعب وطمس الحقائق، ومداراة العفن الإداري والسياسي.
٥- غياب دور المثقف العربي، حيث استطاعت بعض الأنظمة استيعابهم وتجنيدهم لصالحه، وفتح المجال أمامهم وحجبه عن الآخرين الوطنيين، بل استئصالهم وكسر أقلامهم.
٦- غياب الدور الشعبي والوعي الشعبي أو العمل على إلغائه بالسيطرة على تكوين الأحزاب، وعلى النقابات والنوادي، وإغلاق كل نافذة يستطيع الشعب أن يتنفس من خلالها، بل في كثير من الدول منع الاجتماعات لأكثر من خمسة أشخاص.
٧- الاستهتار بالقانون، واستحداث قوانين تخدم توجهات السلطة وأغراضها المختلفة حتى يكون لأفعالها سند من القانون، واستخدام الأحكام العرفية سيفًا مصلتًا يستأصل كل ما يقف من قوانين أمام السلطة، يكاد يلغيها إذا لزم الأمر.
٨- شكلية الأنظمة الدستورية والتشريعية، ومحاولة السيطرة عليها، حتى أصبحت مجالس الأمة، ونواب الشعب، أداة في يد السلطة تنفذ بهم ما تريد، وتمرر من تحت أيديهم ما تحب.
ونتج عن ذلك عواقب وخيمة على تلك الأمم تمثلت في أشياء منها:
١- الجمود: ويعني استمرار الحال بدون تقدم، في الحالة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والعلمية، والأمة بهذا تزداد تخلفًا في كل جوانبها، وركودًا في جميع مؤسساتها.
٢- الانغلاق السياسي: الذي ينطوي على الفشل في كل جوانب الحياة السياسية واللجوء إلى قانون الطوارئ للمحافظة على النظام السائد، وتقليم أظفار الحزبية الورقية، وتزوير أوراق الانتخابات، ليظل التشرذم الحزبي قائمًا ومهمشًا، وتظل الأمة فاقدة لشرعية النظام، وتعم السلبية وعدم الاحترام للقيادات والمرجعيات المختلفة، فيختل النظام ويسير كسيحًا إلى لا غاية.
٣- الاضطرار إلى الدجل السياسي: والبحث عن تحديث الاستبداد لإعادة بث الحياة في الهياكل الخاوية والوجوه التي فقدت ماء الحياة.
ولكن.. هل سيظل هذا ممكنًا إلى الأبد، خاصة بعد أن كشرت الشعوب عن أنيابها، ولفظ الاستبداد أنفاسه الأخيرة في كثير من الشعوب والأمم، ولو حقت الدكتاتوريات في كل مكان، ونشرت صحائف الكثيرين، ونادت الأصوات من هنا وهناك؟.