; المجتمع الثقافي.. عدد 1651 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1651

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 83

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 50

السبت 14-مايو-2005

المجتمع الثقافي

إعداد: مبارك عبد الله

د. نهى قاطرجي (*)

nohakatergi@hotmail.com

تحت شعارات التحديث واللحاق بالعصر الإلكتروني

الدعوة إلى استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي.. خبيثة

تكثر في بعض الأوساط الشبابية الكتابة بالحرف اللاتيني عبر الحاسوب، وذلك إما بسبب كون جهازهم لا يحتوي على نظام يدعم اللغة العربية، أو لكون بعض مواقع الإنترنت لا تسمح بإدخال النصوص باللغة العربية، الأمر الذي يدفع المتحاورين إلى استخدام الحروف اللاتينية فيستخدمون الرقم 3 للدلالة على حرف العين، و7 للحاء، و6 للطاء، ويضعون إشارة بعدها، لتصبح 3 «غينًا، و7 «خاءً»، و6 «ظاءً».

لقد انعكست هذه الطريقة في الكتابة على كثير من الشباب، وانتشر استخدامها ليس فقط عبر الحاسوب ورسائل هاتف الخلوي، بل أيضًا عبر الرسائل العادية التي يكتبها الشباب فيما بينهم، الأمر الذي يزيد من المخاوف من تفاقم هذه العادة السيئة التي تخدم الأعداء بالدرجة الأولى، وتنفذ لهم برامجهم ومخططاتهم بيسر وسهولة.

أهداف هذه الدعوة

إن الوقفة التاريخية حول بدء الدعوة إلى إستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي تبين أن جذورها تعود إلى أواسط القرن الماضي، حيث نجحت هذه الدعوة في دفع أتاتورك في تركيا إلى تحويل الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، كما نجحت أيضًا في بعض الدول الإسلامية الأخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا اللتان كانتا تعتمدان الحروف العربية في الكتابة، ومثل ألبانيا والبوسنة ونيجيريا التي نجح الإنجليز في نقل حروف اللغات المحلية فيها من العربية إلى اللاتينية، وقطعت صلة هذه الدولة بتاريخها العربي عبر القضاء على آثارها العلمية القديمة.

لقد كان لنجاح الاحتلال الغربي في التخلص من الحرف العربي في كثير من الدول أثره في تزايد أطماعه في تمرير دعوته إلى داخل الدول العربية نفسها، وذلك تحت شعارات عديدة، لعل آخرها دعوات العولمة الثقافية ومحاربة الإرهاب وغير ذلك من الشعارات الأخرى.

إن القراءة الموضوعية الأهداف هذه الهجمة الشرسة على الحرف العربي تظهر بوضوح أن المستهدف من وراء هذه الهجمة هو الإسلام والمسلمون الذين يرتبطون باللغة ارتباطًا عقائديًا.

ومن الدلائل على ما نقول:

1- تخصيص اللغة العربية من دون سائر لغات العالم بهذه الدعوة، فلا نجد مثل هذه الدعوات عند الأمم الأخرى مثل التايلنديين والصينيين والهنود واليابانيين والفيتناميين والكوريين وغيرهم الذين رفضوا تبني الحرف اللاتيني وأصروا على حرفهم الذي كتب تراثهم، فلم يحدث قط أن اليابانيين أو الصينيين أو الكوريين أو اليهود اقترحوا تغيير حروف لغتهم من أجل اللحاق بما يسمى بالركب العالمي، مع أن المتتبع لبعض هذه اللغات يجدها أكثر تعقيدًا من اللغة العربية، ففيما تقتصر اللغة العربية على 28 حرفًا، تحتوي اللغة اليابانية على 880 «إيديوجرام» «شكلًا صينيًا» بالإضافة إلى 46 حرفًا أخرى.

2- رفع لواء هذه الدعوة الهدامة من قبل بعض المستشرقين من النصارى الغربيين والعرب بمشاركة بعض المستغربين من أبناء المسلمين ممن تربوا على منهجهم واستقوا من منابعهم، فكان على رأسهم المنصر «ماسينيون»، الذي نشر دعوته في المغرب ومصر وسوريا ولبنان، ثم تبعه كثير من العرب منهم أنيس فريحة وسعيد عقل من لبنان، وسلامة موسى وعبد العزيز فهمي من مصر، وكان مما قاله هذا الأخير في معرض دفاعه عن الحرف اللاتيني: «الواقع أن اقتراح الخط اللاتيني هو وثبة نحو المستقبل، ولو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التي أغلق عليها هذا الخط أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها».

- تحذير بعض المنصفين من الباحثين الغربيين من الأهداف المستترة لمثل هذه الدعوات، ومن هؤلاء «إدوارد بنسون»، مدير مدرسة اللغات الشرقية في لندن: «حذار من استعمال الحروف اللاتينية في كتابة اللغة العربية.. لأن الحروف العربية هي حروف لغة القرآن، وإذا مسستم الحروف العربية مسستم القرآن، بل هدمتم صرح وحدة الإسلام لأن الإسلام أساسه اللغة العربية، فإذا ضاعت ضاع الإسلام».

- الإعلان الصريح عن الأهداف والمخططات في الأبحاث والدراسات الغربية والتي تتستر بشعارات عديدة منها العلني مثل الادعاء بـ«محاربة الإرهاب» أو «تجفيف المنابع»، ومنها المستتر مثل رفع شعار «التيسير والتطوير» وشعار «مواكبة العصر الإلكتروني».

ولقد صدرت تحت هذه الشعارات قوانين ودراسات غربية عديدة دعت إلى اعتماد الحرف اللاتيني في الكتابة العربية، فأصدرت فرنسا في هذا الإطار قرارًا عام 2000م يلزم متعلمي العربية بكتابتها بالحرف اللاتيني.

كما كشفت الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروع خطير هدفه «تغيير شكل حروف اللغة العربية واستبدال اللغة اللاتينية بها» تحت زعم تحديث الثقافة العربية، واعتبر هذا المشروع جزءًا من خطة الإصلاح في المنطقة والتي تدخل ضمن إطار مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، ويهدف هذا المشروع إلى تعديل الحرف العربي كمقدمة لتعديل القرآن الكريم واستبدال کتاب جدید به أعد مؤخرًا اسمه «الفرقان الحق» أو الفرقان الأمريكي.

وقد ادعى واضعو المشروع أن في الحروف العربية كثيرًا من التعقيدات مثل الارتفاع في الحرف «ع»، أو الانخفاض في الحرف «ح»، والإقفال في حرف «هـ» أو «ة»، الهاء أو التاء المربوطتين، إضافة إلى التشابه في كثير من الحروف التي لا تتميز عن بعضها إلا بالتنقيط مثل «ب، ت،  ث»، «ج، ح، خ»، «د، ذ»،« ر، ز»، «س، ش»، «ص، ض»، «ط، ظ»،  «ع، غ»، «ف، ق» مما يزيد من صعوبة استيعاب وتعلم التلاميذ لهذه الحروف.

وقد جعل هذا المشروع الحروف اللاتينية الجديدة «تعتمد على عدد من الأشكال الهندسية المحاسبية الجديدة والتي تقتصر على 7 أشكال فقط حسبما أكد المشروع»، من هذه الأشكال المثلث والمستقيم والدائرة، وقد ادعى معدو المشروع من أجل إنجاح مشروعهم، أنهم استعانوا بعلماء النفس الذين أثبتوا أن استخدام هذه النماذج يدل على الشخصية السوية، بينما تدل بعض الأشكال القديمة على شخصية عدوانية!

أخطارها

لقد كان لتماسك المسلمين القوي عبر تاريخهم أثره في رد وإحباط الهجمات التي طالت لغتهم، ولكن ما يحدث الآن أن الهزيمة النفسية التي منوا بها جعلتهم، وخوفًا من أن يتهموا بالأصولية والإرهاب يتراجعون عن كثير من الأسس والثوابت، فعدلت بعض الدول العربية قوانينها إرضاءً للغرب، وغيرت دول أخرى برامجها الدراسية لتتناسب مع تطلعات الغرب، وحول البعض الآخر مدارسه وكلياته إلى منابر تدرس فيها لغات الغرب.. كل هذا بغفلة أو تغافل عن المؤامرات التي تحاك ضد لغة القرآن الكريم.

إن الأهداف التي يمكن رصدها حول أخطار الهجوم على الحرف العربي عديدة، منها تفريغ العرب والمسلمين من تراثهم الثقافي ومحو ذاكرتهم وخاصة الإسلامية منها تمهيدًا لاستبداله ثقافة وحضارة اللغة التي يعتمدونها بها، ومنها أيضًا التأثير على العديد من اللغات الأخرى التي تستخدم اللغة العربية في كتابتها، ومن هذه الدول أفغانستان وإيران ومالطا والهند وباكستان و كازاخستان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها، وكذلك ضياع اثني عشر حرفًا من حروف اللغة العربية لعدم وجود الحرف المقابل لها في الحرف اللاتيني، وهذه الحروف هي: الثاء والجيم والحاء والدال والذال والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف، لأنه لا يوجد في الحروف اللاتينية ما يقابلها بنصها، وسوف تدخل في حروف أخرى وتضيع الحروف الأصلية.

اللغة العربية من ثوابت الأمة

في الختام، إن ما تتعرض له الأمة الإسلامية من غزو عسكري وفكري وثقافي يستوجب توحيد الجهود من أجل الدفاع عن الثوابت الإسلامية، والتي تشكل اللغة إحدى مقوماتها الأساسية، لأنها بدونها ستفقد وجودها وتاريخها ولن تنال بالمقابل رضا من فعلت ذلك لأجلهم، فها هي تركيا تتخلى عن الحرف العربي، وتكتب لغتها بالحروف اللاتينية منذ خمسة وسبعين عامًا، وبرغم هذا فإن وزير خارجية فرنسا دومنيك دوفيليان قال بالأمس القريب: «إن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يهدد هوية أوروبا وحدودها».

إن الدفاع عن لغة القرآن الكريم يتطلب من كل مسلم غيور على دينه أن ينشر الوعي بين الناس حول الأهداف والمخططات الدولية التي تسعى إلى تحويل الخط العربي إلى فن من الفنون الجميلة التاريخية.

(*) كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية - بيروت

واحة الشعر

شعر: محمد أبو دية

أغار عليك

هذه القصيدة رسالة على لسان زوج محب إلى زوجة مخلصة باعت حليها وبذلت جهودها للمحافظة على بيتها:

أغار عليك صاحبتي                            فأنتِ أعز من أهوى

أغار عليك من ورد                           يعطر حولك الجوا

ومن كأس شربت بها                        فصار مرارها حلوا

ومن درب مشيت به                        فبارك ذلك الخطوا

                            ***

فأنتِ خفيفة الظل                        وأنتِ عفيفة النجوى

 فسبحان الذي سواك                   ما أحلاكِ يا حوا

 كأنكِ عشت في قصر                  توسط جنة المأوى

 موائده بها الرمان                         والتفاح والحلوى

تغرد في حدائقه                        طيور تحسن الشدوا

                          ***

أغار عليك من قمر                  أطل على الحمى عفوا

ومن شمس أشعتها                   تزور الحقل والمأوى

 أغار عليك من ثوب              عليه عباءة التقوى

                              ***

أخاف عليك من حسد              يعكر ذلك الصفوا

ولا أخشى من السحر            فسحر بيانك الأقوى

                            ***

صلاتك تحت سقف البيت    تحمينا من البلوى

 وصبرك يابنة الأحرار              أروع قصة تروى

 وأنتِ أمينة الأسرار            عنك السر لا يطوى

                         ***

إذا مالت بنا الأيام           أو صرحت الشكوى

 تواسينا وتسعفنا               وتبذل جهدها أروى

طعام البيت من يدها     بطعم المن والسلوى

 تبيع أساور العرس         تخفف حمل من تهوى

وتحمي فرقة الأطفال  من يحيى إلى فدوى

 أغار عليكِ صاحبتي          وأنتِ أعز من أهوى

 جمعت الحسن والإحسان            والإيمان والتقوى 

د. حلمي محمد القاعود

لغة عصام الغزالي الشعرية «1 من 5»

هذا شاعر من طراز خاص، درس الهندسة، وتخرج في جامعة القاهرة 1972م، ثم درس علوم الدين والشريعة الإسلامية، وتخرج في كلية أصول الدين بالرياض عام 1398هـ - 1978م، فهو يمزج في ثقافته بين العلم والدين، وبين التجربة والوحي، ويملك بهذا أفقًا عريضًا ومتسعًا للرؤية والتصور، وإذا أضيف إلى ذلك حس فني مرهف وموهبة شعرية ساطعة، أدركنا لماذا هو شاعر من طراز خاص.

وأحمد عصام الدين الغزالي خليل، أو عصام الغزالي، كما يعرف بين الأدباء والشعراء من شعراء السبعينيات في مصر، وينتمي إلى الشعراء الذين سميتهم «بالورد» في مقابل من سميتهم «بالهالوك»، وكان بودي أن أخصص له فصلًا في كتابي «الورد والهالوك»، صدرت منه طبعتان: 1993م، 1994م، لولا ظروف حالت دون أن تكون دواوينه تحت يدي.

وقد أنتج عصام الغزالي شعرًا كثيرًا ضمته خمس مجموعات طبعها جميعًا على نفقته الخاصة، وهو من المميزات التي تجعله طرازًا خاصًا – مع أن هناك من دور النشر - فيما أعلم – من يرحب بنشر إنتاجه، ولكنه آثر أن يوزع شعره من خلال دار الوفاء في المنصورة، وهي  المدينة التي ولد فيها عام 1945م، ويعيش فيها حتى الآن.

 ومجموعاته الخمس هي «الإنسان والحرمان» 1970م، «لو نقرأ أحداق الناس» 1978 م، «أهددكم بالسكوت» 1994م، «دمع في رمال» 1995م، «إصدار ثان» ثم «هوى الخمسين» 1999م.

وعصام الغزالي يأخذ موقفًا من الحركة الأدبية، أو تأخذ منه الحركة الأدبية موقفًا، فهو يعيش – مثلي – بعيدًا عن أضواء القاهرة وصحافتها ونقادها، ويستشعر تبعًا لذلك أنه مظلوم، ومعه حق، مع أن كاتبًا صحفيًا كبيرًا كتب عنه في عموده اليومي، ولكنه يحتاج مع ذلك إلى ناقد متخصص يغازل شعره أو يطارحه الدرس والنقد، ثم إن رؤيته الإسلامية التي تتضح في شعره تجعل الحركة الأدبية -  ومعظمها مشدود إلى تصورات مغايرة - تتجاهله ولا تحتفي بموهبته، وفي داخل هذه الحركة من لا يلتفت إلى التصورات أو القيمة الفنية أساسًا، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالعلاقات العامة وخاصة في مجال النشر والتعريف، وعصام الغزالي من النوع الذي ينفر من هذه العلاقات.. فهو يعتز بذاته اعتزازًا كبيرًا، يجعله يترفع عن استجداء الاهتمام بشعره وطلب التعريف به.. هذا وغيره من الأسباب جعل شعر عصام الغزالي بعيدًا عن قطاعات عديدة من الجمهور، وإن كانت القطاعات التي قرأته وعرفته قد تمسكت به شاعرًا مرموقًا له خصائصه الشعرية وسماته الفنية.

وبصفة عامة، فإن شعر عصام الغزالي يدور حول محاور عديدة، منها ما هو تقليدي مثل الغزل والرثاء والإخوانيات والتوبة والاستغاثة والهجاء والغربة، ومنها ما هو مستجد ومستحدث مثل المواجهات الثائرة الغاضبة الحالمة ضد عناصر القهر والاستبداد والطغيان ثم مطالبته بالعدالة الاجتماعية ورفض العنصرية و...

ولا ريب أن الشاعر يعالج محاوره معالجات متفاوتة، منها ما هو أقرب إلى الرصد والتسجيل، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى طرح الحلول والإجابات، ولكن الرؤية بشكل عام محكومة بالتصور الإسلامي، الذي يصل بالشاعر أحيانًا إلى حد الزهادة في الحياة.

ويصوغ الشاعر تصوره أحيانًا في إطار يذكرنا بشعراء الزهد في العصر العباسي، خاصة شعر أبي العتاهية، في قصيدته «قالت لي الريح» يقول:

لا شيء تحميه البيوت

 الكل: من يحيا يموت

المد يتبعه انحسار

                                   والبريق له خفوت

الحال ظل، يستحيل له

                                     دوام أو ثبوت

في آخر اللحن المفرد سكتة..

                                           قبر صموت

الرزق في بحر تصارع فيه

                                          ملاح وحوت

وكلاهما في البحر مبتلع

                                    وللأمواج قوت (1)

والرؤية الإسلامية في شعر عصام الغزالي تستوجب دائمًا الاستعانة بالحق سبحانه وتعالى، والتوبة والرجوع إليه، وما أكثر القصائد التي يبتهل فيها الشاعر إلى البارئ سبحانه أن يعينه ويلطف به، وأن يحميه من الفتنة، وأن يساعده على العفة، وأن يتمم له ومن معه النور:

غريبان طوبى لنا يا أبي

                                                     وفي عالم الظفر والمخلب

 تعبنا وجئنا نريح الخطى

ونستاف عطرًا بأرض النبي

فيا رب أتمم لنا نورنا

                                            بأيماننا ساطع الكوكب (2)

وفي قصيدته «في نور التوبة» يقف أمام ملك الملوك، ويهرول ملبيًا ويقول:

ملك الملوك أتيته ومهرولًا لبيته

من سار في طلب الهدى فالله هذا بيته

ألق توضأ بالجلال من المهابة سمته

إنا يبشرنا كتابك، والكتاب تلوته

ودنوت للحجر الذي لولاك ما قبلته

وغمرت صدري من تدفق زمزم وعمرته

فاقبله سعيًا في سبيلك دون ذنبي سقته

وانفحه نورًا مل قبر موحد.. لك موته

واجعله عونًا للضعيف على صراطك فوته (3)

ولا يعني ذلك أن الشاعر يعتزل الناس أو المجتمع، فزهده والتزامه باب الله، لا يمنعانه أن يغوص في أعماق الواقع غضبًا وسخطًا وتمردًا وثورة، ولعل مجموعته «لو نقرأ أحداق الناس» تعطينا دليلًا على هذا الغوص، فقد كانت قصائد المجموعة قبل حرب رمضان 1392هـ تضج بالرفض للهزيمة العسكرية في جبهات القتال والهزيمة الداخلية في الوطن، فضلًا عن هجاء المهزومين وتعرية سلبيتهم، وفضح تخاذلهم، ولنقرأ على سبيل المثال قصيدته «برقية إلى ربان سفينة تغرق» التي كتبها ضمن منشورات اتحاد طلاب هندسة القاهرة عام 1972م يقول فيها:

زميلك وسع شرخ القنوط

و«مات» وعقد كل الخيوط

وخلى الحمولة وشك السقوط!

إذا كان يمكن فتح الخطوط

توجه سريعًا لأدنى الشطوط

تماسك.. تحرك قبيل الهبوط

أخاف عليك من« الأخطبوط» (4)

وبالطبع، فإن الشاعر يعيش مثل جيله غربة زمانية حادة، قسوتها تفوق قسوة الغربة المكانية، ويزيدها قسوة غربة الشعر أيضًا في «زمان غريب»، فالشاعر يمزج بينه وبين الشعر حتى يصيرا كيانًا واحدًا:

 أنا الشعر، أرخوا علي الستارا

                                     فإن الزمان الجميل استدارا

غريب أنا، في زمان غريب

                                 كطفل رأى وجهه المستعارا

فبيني وبين المرايا قناع

                                      وبيني وبين العيون الحياري

                                         ***

فهذا زمان ، «الجناة الضحايا» وهذا زمان «البغايا العذارى»!! (5)، ولعل في النماذج السابقة واللاحقة، ما يكفي لبيان رؤية الشاعر وتصوره للعالم والكون من حوله، حيث يقدم لنا الشاعر القابض على الجمر الذي يدفع ثمن قبضه حريقًا وألمًا، ولكنه لا يتراجع في الوقت الذي نجد فيه من ينكرون شيئًا اسمه الوطن أو القيم، تفتح لهم أبواب النشر والمؤتمرات الخارجية والداخلية، ويحظون أيضًا بالدعاية الإعلامية!

الهوامش

(1)     أهددكم بالسكوت، ص 88.

(2)     دمع في رمال، ص 28.

(3)  السابق، ص 34 – 35.

(4)     لو نقرأ أحداق الناس، ص 70.

(5)     أهددكم بالسكوت، ص 56، 57.

=================================================================

من كنوز المكتبة الإسلامية

السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي

عندما يتوافر للكاتب القدرة على البحث العلمي وتتبع الأمور في مظانها، إلى جانب الغيرة الصادقة على دين الله، يكون كتابه صورة حية لهاتين المكرمتين.

وهذا ما تحقق لكتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» لمؤلفه الشيخ الدكتور مصطفى السباعي- يرحمه الله، فقد جمع بين غزارة العلم وقوة الحجة ووسائل الاستدلال، وبين الرغبة العارمة في نصرة الإسلام والذود عن حياضه، والحماسة الواضحة في رفع رايته وتبني قضايا.

السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي معروفة عند المسلمين، فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع، فما الداعي إلى تأكيد هذا المعنى والكتابة في هذا الموضوع؟

 لقد تعرضت السنة في القديم لهجمات بعض الفرق الإسلامية الخارجة على سنن الحق لشبهات طارئة لم تجد في نفوس أتباعها ما يدفعها، كما تعرضت في العصر الحاضر لهجمات بعض المستشرقين المتعصبين من دعاة التنصير والاستعمار، ابتغاء الفتنة وابتغاء هدم هذا الركن المتين من أركان التشريع الإسلامي الوارف الظلال، وتابعهم على ذلك بعض المؤلفين من أبناء أمتنا، اعتذارًا بما يضفيه أولئك المستشرقون على بحوثهم من زخارف علمية لا تثبت أمام النقد العلمي النزيه، أو اندفاعًا وراء ميول نفسية وشبهات فكرية لم يحاولوا تمحيصها، في ضوء ما بين أيديهم من تراث السلف وبحوث العلماء الراسخين، فصادف رأي المستشرقين في السنة هوى كامنًا في نفوس هؤلاء فضربوا على الوتر وغنوا بذلك الحداء.

ومن الملاحظ أن الذين ينخدعون بالمستشرقين أو الشعوبيين لا يوقعهم في الفخ الذي نصبه لهم هؤلاء إلا أحد أربعة أمور غالبًا :

1 – إما جهلهم بحقائق التراث الإسلامي وعدم الاطلاع عليه من ينابيعه الصافية.

 2 -  وإما انخداعهم بالأسلوب العلمي الذي يدعيه أولئك الخصوم.

3 –  وإما رغبتهم في الشهرة والتظاهر بالتحرر الفكري من ربقة التقليد كما يدعون.

4 – وإما وقوعهم تحت تأثير «أهواء» أو «انحرافات» فكرية لا يجدون مجالًا للتعبير عنها إلا بالتستر وراء أولئك المستشرقين والكاتبين.

في هذا الجو النفسي ظهر كتاب «أضواء على السنة المحمدية»، فقد نقل «أبورية» صاحب الكتاب عن «ابن قتيبة» ما ذكره من أقوال أئمة الاعتزال ضد الصحابة والمحدثين، لكن «أبا رية» لم ينقل تفنيد ابن قتيبة لهذه الأقوال ورده عليها، مما يدلل على درجة الأمانة العلمية عند أبي رية ومستوى التحقيق العلمي في كتابه.

كما ظهر كتاب أقل شهرة عن «أبي هريرة» نسب إليه الكثير مما يعجب المغتربين المسكونين بالكراهية للإسلام وحملة رسالته إلى العالمين وفي مقدمتهم صحابة رسول الله ﷺ،إذ كيف يطعنون في السنة من غير أن يشككوا في رواتها الذين نقلوها إلينا؟ وعندما يفترون الكذب على الصحابة الكرام وينسبون إليهم ما يشكك في صدقهم، فقد ألغوا المصدر الذي تتواصل من خلاله أجيال المسلمين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم، لكن هل تأثرت جماهير المسلمين بهذا الكيد؟ نحمد الله أن المسلمين ازدادت ثقتهم بصحابة رسول الله ﷺ ولا سيما وهم يشاهدون اللقاء المشبوه بين دعاة الكراهية في الداخل - وهم قلة على كل حال - والمستشرقين الذين يعمل كثير منهم لحساب الاستخبارات الأجنبية التي تمهد السبيل لاكتشاف بلادنا ونهب ثرواتنا والهيمنة على مقدراتنا .

من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي هو امتداد لجهود العلماء الحثيثة في الدفاع عن السنة وبيان مكانتها بأسلوب لم تغب عنه إشراقة الأديب وطلاوة عبارته وطلاقة أفكاره، بالإضافة إلى متانة سبكه، وهو ما تجلى في كل كتابات الدكتور مصطفى السباعي، عليه رحمة الله.

الكتاب: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي».

المؤلف: د. مصطفى السباعي.

الناشر: المكتب الإسلامي.

الرابط المختصر :