; الدعوة إلى الجهاد... في القرآن والسنة (الحلقة الثانية والأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان الدعوة إلى الجهاد... في القرآن والسنة (الحلقة الثانية والأخيرة)

الكاتب عبدالله بن حميد الخالدي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973

مشاهدات 13

نشر في العدد 159

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-يوليو-1973

ولست تجد نظامًا قديمًا أو حديثًا دينيًا أو مدنيًا عني بشأنه (الجهاد والجندية)، واستنفار الأمة وحشدها كلها صفًا واحدًا للجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا.. كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه..

فقد فصل الكتاب والسنة كل ما يتصل به تفصيلًا عجيبًا ووزع أعماله المختلفة ومسؤولياته الكثيرة على جهاتها المختصة توزيعًا دقيقًا يفوق كل التنظيمات الحديثة والدراسات العسكرية.. بل ما هي إلا قطرة منه..

وآيات القرآن وأحاديث الرسول (ص) فياضة بكل هذه المعاني السامية داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب.. فأمر المسلمين أن يأخذوا حذرهم من أعداء الله وأن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة.. لأن ذلك أول قواعد القتال وأعظمها شأنًا.. وأن الإعداد بجميع أنواعه وأقسامه المنطوية تحت كلمة قوة: أي برية وبحرية وجوية وأن الاهتمام بالقوات الثابتة والمرابطة كالاهتمام بالقوات المتحركة والاهتمام بالجيش في أيام السلم كالاهتمام به في أيام الحرب.. وأن أساس الروح العسكرية كما يقولون أمرين: الطاعة والنظام.. وقد جمع الله هذا الأساس في آيتين من كتابه..

فأما (الطاعة) ففي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (محمد: 20 - 21).

وأما (النظام) ففي سورة الصف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

كما حث الجيوش الإسلامية على المبايعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ (الفتح: 10).

ومدح الصادقين بالعهد الموفين بالوعد بقوله: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

وأمر بالثبات عند اللقاء وذكر الله عند الفزع: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةً فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45).

وشجع المجاهدين في سبيله على الإقدام الحازم والشجاعة الصادقة من أول اللقاء إلى آخره... ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: 4)، ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوْمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَ﴾ (النساء: 104)، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰاِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

كما أمر باستصحاب الطمأنينة وسكون الجوارح وطرد الأوهام والتخلص من الوهن والحزن.. ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوْنَ إِن كُنتُم مُُّؤۡمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

وأخبر بأن الله قد تكفل «بنصر من ينصر دينه»، وأنه لا عبرة بالعدد ولا بالعدة، وإنما هو الإيمان الصادق بأن النصر من عند الله: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي ينصُرُكُم مِّن بَعۡدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160)، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةً كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249)، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (محمد: 7)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171 - 173)، ﴿وَكَانَ حَقًّـا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الروم: 47).

كما أشار القرآن إلى الحقيقة المعروفة وهي: أن الحرب دواليك يوم لك ويوم عليك.. ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٌ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوْمَ قَرۡحٌ مِّثْلُهُۥ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).

وجعل المشاورة من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، لاسيما في الأمور الهامة كالجهاد ومعاملة الأعداء، ومدح عباده المؤمنين على هذه السنة بقوله: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ (الشورى: 38)، ومع كمال عقل الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتأييده بالوحي فقد أمره الله بقوله: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ (آل عمران: 159)، ولتقتدي به أمته من بعده...

كما حذر القرآن من ارتكاب المعاصي الباطنة والظاهرة صغيرها وكبيرها... وأخبر أن نصر الله لا يتنزل على العصاة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَانُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ﴾ (آل عمران: 155).

ونهى عن التنازع مطلقًا على أي أمر في القتال والاتفاق دائمًا، وأخبر أن النزاع سبب للفشل وذهاب الريح... ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّاِبرِينَ﴾ (الأنفال: 46).

وحذر من الفرار من العدو حين القتال وأنه كبيرة عظيمة، وتوعد الجبناء المخذلين بأنكى العقوبات... ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 15 - 16).

ونهى عن غلول الغنائم وحذر المسلمين منه غاية التحذير... وأنه يأتي بما غل حاملًا له على ظهره ورقبته معذبًا بحمله ونقله مرعوبًا بصوته موبخًا بخيانته على رؤوس الأشهاد: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَامَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ (آل عمران: 161).

كما حذر من القتال للرياء أو السمعة أو الشرف أو الحمية أو النعرات القومية والشعارات المزيفة، وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا...».

وكان يقول لأصحابه إذا أرادوا الغزو: «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأةً ولا تغلوا، وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين».

لذلك أبلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا معه بلاءً حسنًا في نصرة هذا الدين والدعوة إليه، فأمدهم الله بالنصر وأنزل عليهم السكينة، وأيدهم بالملائكة وألف بين قلوبهم وقذف في قلوب أعدائهم الرعب...

فقاتلوا في سبيل الله عن عقيدة وإخلاص ونصرة لدين الله حتى يظهره على الدين كله، ويخرجوا الناس من الظلمات إلى النور... ومن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام... وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر بالفتح فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله واستهانوا بالقلة والكثرة واستخفوا بالمخاوف والأخطار... وذكروا قول الله تعالى: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ﴾ (آل عمران: 160)... وأنهم جند الله وأنهم يقاتلون في سبيل الله وأن الله ناصرهم ومعينهم وخاذل لأعدائهم... لأنهم يقاتلون في سبيل الشيطان..

هذا عمر بن الخطاب استشار أصحابه في مسيرة إلى العراق بموقعة نهاوند، قال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهر... وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده...

وهذا خالد بن الوليد لما أقبل من العراق، قال رجل من نصارى العرب لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر براء من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد -وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق...

وكانوا يخاطرون بأنفسهم ويأتون بأعاجيب وأعمال خارقة للعادة ثقة بنصر الله واعتمادًا على موعوده كما حصل للجيوش الإسلامية بقيادة سعد بن أبي وقاص، فقد وقف أمام المدائن ولم يجد شيئًا من السفن وتعذر عليه تحصيل شيء منها بالكلية؛ وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسود ماؤها ورمت بالزبد من كثرة الماء بها...

فخطب سعد الناس على الشاطئ وقال: ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.. ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض.. فلما رأوهم الفرس قالوا: (ديوانه -ديوانه) يقولون: (مجانين -مجانين)، ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسًا بل تقاتلون جنًا، وجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه وليهزمن الله عدوه إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات.

نعم، كانوا يخافون من ذنوبهم ومن معاصي الله أكثر مما يخافون من عدوهم ومن كثرة عدده وضخامة عدته، نجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في كتابه لقائده سعد بن أبي وقاص لما أرسله إلى فتح فارس:

«أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل من العدة على العدو وأقوى المكيدة على الحرب.. وأمرك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم.. وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.. فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا.. فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا.. واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم.. أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم».

فتمسك المسلمون المجاهدون بما ذكر هذا الخليفة الراشد، وكانوا كما وصف رجل من الروم المسلمين لرجل من أمراء الروم فقال: «جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولًا عتاقًا، أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان.. لو حدثت جليسك حديثًا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر... فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به...».

وهذا عقبة بن نافع -أراد أن يتخذ مدينة في إفريقية يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد فقصد موقع القيروان.. وكانت أجمةً مشتبكة بها من أنواع الحيوان من السباع والحيات.. وغير ذلك.. فدعا الله وكان مستجاب الدعوة ثم نادى: «أيتها الحيات والسباع: إنا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتحلوا عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه، فنظر الناس ذلك اليوم إلى الدواب والحيات تحمل أولادها وتنتقل.. ورآه قبيل كثير من البربر.. فأسلموا».. وحينها طال على المسلمين الأمد وقست قلوبهم ونسوا وتناسوا ما لأجله بعثهم الله على كثرة من الناس وتوافر من بين أمم الأرض وهو قوله:

﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوْنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

وصاروا يعيشون حياة لاهية حياة من لا يعرف نبيًا ولا يؤمن برسالة ووحي، ولا يرجو حسابًا ولا يخشى معادًا وأشبهوا الأمم الجاهلية التي خرجوا يقاتلونها بالأمس فعادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها وسياساتها وأخلاقها ومناهج حياتها.. وفي كثير مما مقتهم الله لأجله وخذلها وابتُلِيَ المسلمون بتأثير الحضارة الغربية والدعايات الشرقية أصبحت بلادهم مالًا سائبًا لا مانع له.. وأصبحت دولهم فريسة لكل مفترس وطعمة لكل آكل.. وظهر معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم.. وليقذفن في قلوبكم الوهن..»، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت..».

ويقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم...».

فهم تركوا الجهاد وطلبوا المدد من الأعداء والحماية من الكفار والتكفُّف لديهم والالتجاء في مواقع الخطر إليهم.. فهانوا على الله مع أسمائهم الإسلامية ورغم وجود الصالحين فيهم وظهور بعض الشعائر الدينية والواجبات الشرعية في بلادهم..

يقول بعض المستشرقين: لما رغب المسلمون عن تعاليم دينهم وجهلوا حكمه وأحكامه وعدلوا إلى القوانين الوضعية المتناقضة المستمدة من آراء الرجال ففشا فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب والنفاق والتحاقد والتّباغض فتفرقت كلمتهم، وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة وغفلوا عما يضرهم وما ينفعهم، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة..

وهذا واقع مشاهد يحسه كل موقن ويلمسه كل غيور في كل أمة خلت عن الجهاد وانغمست في الترف، وعبادة المادة وحب الدنيا..

يحدثنا التاريخ: ماذا فعل بالمسلمين أشقى الأمم (المغول والتتار) مما يحزن القلب ويحرق الفؤاد وتبكي العين..

يقول ابن الأثير: لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها فأنا أقدم إليها رجلًا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين.. ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فيا ليت أمي لم تلدني.. ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا..

هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها.. عمت الخلائق وخصت المسلمين...

ثم ذكر من وهن المسلمين وتسلط أعدائهم عليهم.. فقال: دخلت امرأة من التتار دارًا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلًا.. ودخل واحد منهم دربًا فيه مائة رجل فما زال يقتلهم واحدًا حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه بسوء ووضعت الذلة على الناس.. فلا يدفعون عن نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا نعوذ بالله من الخذلان..

وحكي أن أحدهم أخذ رجلًا ولم يجد ما يقتله به فقال له ضع رأسَك على هذا الحجر ولا تبرح... فوضع رأسه وبقي إلى أن أتى التتري بسيف وقتله.. قال وأمثال ذلك كثير..

فالواجب على أهل الإسلام خصوصًا العلماء منهم وولاة الأمور أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم وأن يبينوا الدعوة لهذا الدين وينشروا محاسنه لنشئهم ليرغبوهم فيه ويرشدوا الأمة لأحكامه وحكمه كما فعل أوائلهم الأماجد.. فإنهم جاهدوا في الله حق جهاده وقاموا بالدعوة إلى الله فبينوا للأمم محاسن الإسلام وسماحته.. وبذلك امتد سلطانهم واتسعت ممالكهم وأخضعوا من سواهم لتعاليمه.. ولكن ما لبث أبناؤهم أن انحرفوا ونكصوا بعدما اجتمعوا واشتبه الحق عليهم بالباطل فتفرقت بهم السبل وأصبحوا شيعًا متفرقين في آرائهم متباينين في مقاصدهم.. وكيف يحصل لهم الرقي؟ وأنَّى يتسنى لهم التقدم وهم يقلدون الأمم الكافرة.. يجرون وراءهم وينهجون نهجهم، ويقلدونهم في الصغير والكبير والنقير والقطمير.. يحكمون بين شعوبهم بقوانين وضعية ويصادمون الشريعة الإسلامية التي هي مصدر عزهم وفخرهم وفيها راحتهم وطمأنينتهم..

﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَاهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمًا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).

نسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويوفق جميع المسلمين إلى ما فيه رضاه..

والسلام عليكم..

عبد الله بن محمد بن حميد

الرابط المختصر :