العنوان الدرس الأمريكي لكل ميلوسوفيتش
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 22
السبت 07-يوليو-2001
الحرب القذرة التي قادها ضد المسلمين في البوسنة وكوسوفا كانت بتأييد غربي روسي لإنهاء الوجود الإسلامي
الصفقة واضحة ويتم بمقتضاها إنقاذ يوغسلافيا من الانهيار مقابل التضحية بميلوسوفيتش والتخلي عن حلم صربيا الكبرى والاندماج في المنظومة الغربية كليًّا
الآن ترفع الشرعية الدولية والنظام الدولي وسدنة حقوق الإنسان أعناقهم مشرئبة إلى السماء، فقد تحقق لهم ما أرادوا... قُبض على المجرم ميلوسوفيتش تمهيدًا لمحاكمته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية بتهمة ارتكاب جرائم في البوسنة وكوسوفا بحق المسلمين!
ونحن أيضًا نرفع أعناقنا لنتنفس الصعداء لأن ما ارتكبه المجرم في حق المسلمين بالبوسنة وكوسوفا تشيب له الولدان.
لكننا نتوقف طويلًا أمام السيناريو بأكمله ونتأمل تفاصيله متسائلين: هل حقًا تتم محاكمته على انتهاكه لحقوق المسلمين في البوسنة وكوسوفا.. وهل أصبح دم المسلمين.. هكذا بين عشية وضحاها دمًا غالبًا عند الغرب لدرجة أن تعلن المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة عن مساعدة تقدر بمليار دولار بعد ساعات من وصول المجرم إلى لاهاي مكبلًا بقيود السجن؟! وهل أصبحت مقاييس ومعايير حقوق الإنسان واحدة لدى الغرب فلم تعد هناك انتقائية ولا ازدواجية كما عهدنا في الفترات الماضية؟!
لكن الواقع يجيبنا من البلقان نفسه... إذا كان انتهاك حقوق المدنيين جريمة هكذا، ويحاكم عليها ميلوسوفيتش.. فلماذا يقف النظام الدولي كله صامتًا أمام الحملة الوحشية التي تشنها الآلة العسكرية المقدونية ضد المسلمين هناك، بل إن الثابت أن الآلة العسكرية المقدونية كانت فاقدة الحراك حتى دبت فيها الروح بالمساعدات العسكرية والاقتصادية الأوروبية، لقد ساعدت أوروبا والولايات المتحدة مقدونيا على إعادة تسليح وتنظيم جيشها حتى يقوم بمهامه الخسيسة التي لم تتوقف حتى اليوم في التطهير العرقي ضد المسلمين الذين فر معظمهم إلى عالم الشتات، لينضموا إلى إخوانهم المسلمين القادمين من البوسنة وكوسوفا من خيام العراء! والذي عايناه فقط من الموقف الدولي هو تصريحات التنديد الإعلامية ذرًا للرماد.. بالضبط كما كان يحدث مع ميلوسوفيتش، وعصابته الصربية عندما كان يقوم بجريمته في البوسنة وكوسوفا، وبالضبط كما يحدث مع نظام الكرملين في جريمته ضد الشيشان التي ما زالت وقائعها دائرة هناك.
ونسأل هل هناك صربي واحد -بمن فيهم الرئيس الحالي وهو أشد تعصبًا لقوميته الصربية ضد المسلمين من ميلوسوفيتش- اعترض على ما فعله ميلوسوفيتش في البوسنة وكوسوفا.. العكس هو الصحيح، فقد التف الصرب جميعًا حوله للإجهاز على الوجود الإسلامي هناك في عمليات التطهير العرقي الشهيرة في البوسنة (۱۹۸۹م - ١٩٩٣) وكوسوفا عام ١٩٦٩م سعيًا لإقامة صربيا الكبرى التي تكون السيادة فيها للصرب على أراضي البوسنة وكوسوفا وأجزاء من كرواتيا إضافة لصربيا (يوغسلافيا) وما زال هذا الحلم يراود الشعب الصربي وفي مقدمتهم الرئيس اليوغسلافي الجديد.
وأين كان النظام الدولي منذ اثني عشر عامًا، عندما انفجرت مذابح الصرب ضد المسلمين على مرأى ومسمع من العالم أجمع، بل إننا نكاد نجزم أن قيادة ميلوسوفيتش لتلك المجازر كان يمثل رأس الرمح الغربي والروسي في مخطط القضاء على الوجود الإسلامي هناك ككيان سياسي ومجتمعي وكان يلقى من أجل ذلك الدعم العسكري والغطاء السياسي.
كل الوقائع مسجلة
لِنعُدْ إلى الوراء قليلًا ونفتح الملف فكل الوقائع مسجلة وهي تفضح التواطؤ الدولي مع الجيش الصربي في حربه ضد المسلمين وهناك شواهد عديدة على ذلك نختار منها ما يلي:
أولًا: الصمت الأوروبي المريب على ما كان يجري من مذابح بحق المسلمين، فرغم بشاعة ما كان يحدث لم تحرك دولة أوروبية واحدة ساكنًا ضد الصرب لا على المستوى السياسي أو حتى تهديد الصرب اقتصاديًّا أو مجرد توجيه اللوم، بل إن الذي حدث كان محاولة لالتماس العذر لما يقترفه الصرب.
كنت في البوسنة والهرسك عندما تفجرت الحرب، وهناك سمعت الشكاوى المريرة من مسؤولين بوسنيين ومن ضحايا هذه الحرب من المسلمين وهم يتحدثون عن الموقف الدولي المتواطئ مع الصرب وموقف الأمم المتحدة بقيادة بطرس غالي (الأمين العام في ذلك الوقت) الذي لا يقل تواطؤًا!
كما حضرت أول مؤتمر إغاثي دولي للبوسنة في العاصمة الكرواتية زغرب، وقد لاحظت أن غالبية الحضور في هذا المؤتمر هم ممثلو الكنائس في الدول الأوروبية، بينما تضاءل عدد السياسيين.. يومها قرروا مساعدات للبوسنة واللاجئين ولكن من خلال الكنيسة، والكنيسة فقط!؟.. المسألة كانت مكشوفة.. الصرب يُجهزون على المسلمين ذبحًا ومن يفر إلى مناطق اللجوء تلتقطه الكنيسة لتكمل السيناريو فمن لم يمت ذبحًا على أيدي الصرب (كان الصرب يتلذذون بذبح المسلمين كالشياه) يمت تنصيرًا بعد تذويب عقيدته.
ثانيًا: الزيارة المفاجئة التي قام بها أواخر عام ۱۹۹۰م الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت فرانسوا ميتران لسراييفو، العاصمة البوسنية التي كانت تعيش حصارًا لا يقل بشاعة عن حصار أهلنا في فلسطين، تلك الزيارة التي هلل لها الإعلام العالمي وجعلوا منها دليلًا على الاهتمام الأوروبي بما يجري لم تكن أبدًا لدعم المسلمين المحاصرين، وإنما للشد على أيدي الصرب، فلم يتولد عن تلك الزيارة يومها شيء يذكر، بل ظل الحصار كما هو، بل إن الأعمال الوحشية ضد المدنيين تزايدت وأشهرها مذبحة سوق سراييفو التي ارتكبتها الطائرات الصربية المقاتلة بأوامر من ميلوسوفيتش.
ثالثًا: عندما تحركت الأمم المتحدة بعد أن دمرت البوسنة وذهبت قوات منها هناك لحماية من تبقى من المسلمين أقامت ما سمي وقتها بالمناطق الآمنة أو «الملاذات الآمنة» سربرينتشا وتوزلا وسراييفو وغيرها من المدن البوسنية الكبرى، وأعلنت أن تلك المناطق تحت حماية الأمم المتحدة وحذرت الصرب من الاقتراب منها، وأعطت الأمان للمسلمين هناك للعيش في اطمئنان... يومها صدق العالم ما أعلنته الأمم المتحدة وصدق المسلمون في البوسنة حتى فوجئ الجميع بمذابح مروعة أشهرها مذبحة سربيرنيتسا، ارتكبها الصرب في تلك المناطق بعد أن غضت الأمم المتحدة الطرف وفتحت الطريق للمهاجمين، بل إن الصرب تجرؤوا واستهانوا بقوات الأمم المتحدة، واختطفوا بعض رجالها وربطوهم على أعمدة الكهرباء ولم يحرك مفوض الأمم المتحدة هناك يومها ساكنًا، بل التمس العذر للصرب!
هل يحق لنا بعد ذلك أن نقول: إن المجرم في البلقان أو البوسنة وكوسوفا ليس ميلوسوفيتش وحده، وإنما ينضم إليه الذين ساعدوه عسكريًّا ووفروا له الغطاء السياسي ووقفوا إلى جواره في المحافل الدولية؟!
لقد كان الجميع على قلب رجل واحد في القضاء على الوجود الإسلامي، فلما فشل السفاح في تحقيق الهدف وخرج عن الخط المرسوم وأعلن تمرده على سادته، وبدأ يحدث شغبًا ضد المصالح الغربية والأمريكية في البلقان ويقف حجر عثرة ضد انتشار قوات الأطلسي في البلقان لفرض الهيمنة الأمريكية الغربية عليها؛ كان لا بد من وقفة حازمة معه وتلقينه درسًا يكون عبرة لكل «ميلوسوفيتش» آخر يتمرد ويخرج عن حدود الطاعة للنظام الدولي الغاشم، فكانت المحاكمة على خطوات، وباتفاق تام مع الحكومة اليوغسلافية والرئيس اليوغسلافي الجديد مع الاحتفاظ بتوزيع الأدوار وفق نظام دقيق ووفق السيناريو الدرامي الذي شاهدناه.
الخطوة الأولى: الإمساك به من السلطات الصربية ووضعه في السجن لمحاكمته بتهمة الفساد المالي وإساءة استخدام السلطة. وقد برر ميلوسوفيش التهمة بأن الأموال المتهم بتنديدها تم تحويلها كمساعدات للصرب ولم يتم الإعلان عنها كسياسة دولة.
محطة لامتصاص الغضب
وظل ميلوسوفيتش في الزنزانة اليوغسلافية تمهيدًا لمحاكمته في وطنه وكان ذلك بمثابة محطة لامتصاص غضبة المؤيدين له الذين ظلوا يحذرون من محاكمته دوليًّا، بينما ساهم الرئيس اليوغسلافي فويسلاف كوشتونيتسا في تخدير الجماهير الغاضبة، مؤكدًا أكثر من مرة: «لن نسلم ميلوسوفيتش إلى محكمة لاهاي لأنها ليست محكمة حقًّا، بل تعمل بصورة انتقائية لأغراض سياسية».
الخطوة الثانية: ظهرت عدم مصداقية تصريحات کوستونيتسا وفوجئ العالم بميلوسوفيتش في أحد سجون لاهاي تمهيدًا لمحاكمته بينما تبادل الرئيس اليوغسلافي ورئيس وزرائه الاتهامات، وعلى الجانب الآخر، حيث موجة من الترحيب الغربي الدولي بما حدث على لسان وزير الخارجية الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني وأمين عام الأمم المتحدة للإيعاز بأن المجتمع الدولي كله مع المحاكمة!
المسألة كانت واضحة من البداية وهي صفقة بين الولايات المتحدة وأوروبا من جانب والنظام اليوغسلافي من جانب آخر لا يباع فيها ميلوسوفيتش أو يسلم لإذلاله ووضعه في السجن ليكون عبرة لكل من يفكر أن يقول لا! فقط وإنما يباع النظام كله، ويندمج في المنظومة الغربية.
وقد مرت تلك الصفقة بمراحل حصلت في آن واحد بالترغيب والإغراء والترهيب والتهديد.
في البداية عرض الغرب حزمة من المعونات تزيد على المليار دولار لإنقاذ يوغسلافيا من شبح الإفلاس وانهيار الدولة نهائيًّا، فقد وصل الانهيار الحاصل إلى درجة عجز الدولة عن دفع رواتب عمال مناجم الفحم الحجري الذين يوفرون الكهرباء للبلاد.
وتم التلاعب جيدًا بالنظام اليوغسلافي الواقع في مأزق صعب، ولم يجد جوزيف ليبرمان رئيس الوفد الأمريكي الذي التقى الرئيس اليوغسلافي الجديد في شهر فبراير الماضي، لم يجد حرجًا من الإعلان أمام وسائل الإعلام أنه حض المسؤولين اليوغسلاف على التعاون مع محكمة لاهاي إذا كانوا يریدون لبلادهم الاندماج الكامل في المجتمع الدولي، وقال: إن صرف المائة مليون دولار المخصصة لمساعدة يوغسلافيا مشروط بالاستجابة لطلب محكمة جرائم الحرب الدولية.
الترغيب والترهيب
ومنذ انتخاب كوستونيتشا رئيسًا ليوغسلافيا ومحاولات الترغيب مع النظام الجديد لم تتوقف، فقد استعادت يوغسلافيا مقعدها في الأمم المتحدة المجمد منذ ثمانية أعوام، واستعادت عضويتها في صندوق النقد الدولي، وتم إدخالها إلى بنك التنمية والتعاون الأوروبي، كما استأنفت عضويتها في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وسمح الغرب للقوات الصربية بالسيطرة على الحزام الأمني الفاصل بين كوسوفا ومقدونيا للحفاظ على ما يسمى بالأمن بين البلدين ولمزيد من القمع ضد المسلمين هناك، كما تم دعم الطلب الصربي بإقامة ندوة دولية للبلدان الدائنة، ووعدت واشنطن بلجراد بعدم الاعتراض على مشاكلها مع صندوق النقد والبنك الدوليين، إضافة إلى وعدها بمساعدات فورية تقدر بأكثر من مليار دولار.
وهكذا تمت إعادة يوغسلافيا إلى المسرح الدولي، وتم فك الحصار السياسي الدولي حولها ووعدها بحل كل مشاكلها ولكن ليس قبل أن تنهي علاقتها تمامًا بماضيها ونظامها الشيوعي القديم وتسلم رأس ذلك النظام ميلوسوفيتش للمحكمة الدولية، وتنسى تمامًا حلمها القديم في إقامة إمبراطورية صربيا الكبرى التي يمثل قيامها تحديًا للمصالح الدولية في المنطقة، ثم تندمج في المنظومة الأوروبية الغربية، وبهذا تكون الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية قد فرضت هيمنتها بالكامل على البلقان تمامًا لتقترب خطوات من أبواب الكرملين وتعد لسيناريو جديد بتوقيت وكيفية دق أبوابه.
اليوبيل الذهبي للأطلسي
الموعد الذي سُلّم فيه ميلوسوفيتش لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي يونيو ٢٠٠١م جاء في مناسبة اليوبيل الذهبي لإنشاء قيادة حلف الأطلسي في أوروبا عام ١٩٥١م، وكان الاحتفال بهذه المناسبة أريد به الاحتفال أيضًا بالقضاء على آخر الرؤساء الذين تصدوا، كما كان التدخل الأطلسي في كوسوفا في يونيه ١٩٩٩م جاء في مناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لإنشاء الأطلسي نفسه عام ١٩٤٩م.
إنها مناسبات تاريخية يعلن من خلالها النظام الدولي تزايد هيمنته واستحكام قوته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل