; الدرس الأمريكي لأوروبا في قمة مدريد.. من يدفع الثمن يملك القرار | مجلة المجتمع

العنوان الدرس الأمريكي لأوروبا في قمة مدريد.. من يدفع الثمن يملك القرار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1260

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-يوليو-1997

عندما سئل «خافيير سولانا» الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، عن توقعاته لنجاح قمة الأطلسي التي عقدت في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري في العاصمة الإسبانية مدريد، قال: إن نجاح القمة مرهون بتحقيق الأهداف المرجوة منها، وهي:

1- تبني إطار قيادي جديد يسمح بالاندماج الكامل لكل الدول الحليفة في هياكل الحلف العسكرية. 

2- وضع التصور النهائي الثابت لقضية الهوية الأوروبية لشؤون الدفاع. 

3- إنشاء مجلس الشراكة الأوروبية - الأطلسية. 

4- تكثيف حجم العلاقة الروسية - الأطلسية. 

5- تدعيم العلاقات مع أوكرانيا. 

6- أحياء الحوار بين الحلف ودول الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

فماذا حققت هذه القمة من أهداف؟ وهل كانت قمة تاريخية ناجحة، كما ردد «سولانا»؟ 

عقدت القمة فوق العادية في مدريد، بحضور رؤساء الدول والحكومات الستة عشر الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى ثمانية وعشرين آخرين يمثلون أعضاء الدول المتجمعة من أجل السلام، والتي يرجو أعضائها الانضمام إلى الحلف في المستقبل. 

إسبانيا والحلف

ولكن لماذا اختيرت مدريد مقرًا للقمة مادامت إسبانيا لم تندمج في الهياكل العسكرية للحزب؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب البحث عن سبب اختيار «خافيير سولانا» أمينًا عامًا للحلف عام 1996م، وهو الذي كان داعية سلام من الطراز الأول، وكان أحد كبار السياسيين الاشتراكيين الإسبان الذين ألبوا الشعب للتصويت ضد دخول إسبانيا في هياكل حلف شمال الأطلسي العسكرية، لدى الاستفتاء الشعبي الذي دعت إليه الحكومة عام 1986م، وقد صوت 68% من الإسبان ضد الحلف، واعتبر «فيليبه غونثاليث» رئيس الوزراء السابق الاستفتاء أكبر خطأ ارتكبته الحكومة، كما قال عنه رئيس الوزراء الحالي: إنه غلط تاريخية، لأنه من غير المقبول أن تستفتى الشعوب في هذه القضايا. 

خافيير سولانا، يحمل الدكتوراه في العلوم الفيزيائية من جامعات الولايات المتحدة، وهو اشتراك من مدريد، والرجل الوحيد الذي بقي ملازمًا لغونثالث طيلة الأعوام الثلاثة عشر التي قضاها في الحكم، ولم تعرف عنه قضايا فساد، أو تورط في الفضائح السياسية. 

ولقد كان اختياره مؤشرًا واضحًا، على نية الحلف في ثلاثة أمور رئيسية. 

1- تغيير طبيعة عمل الحلف. 

2- تغيير الأهداف الرئيسية للحلف.

3- تغيير الصورة العامة للحلف في أوروبا على وجه الخصوص. 

هذا التغيير استدعى اختيار عاصمة كمدريد، ودولة كإسبانيا، لتكون النقطة الأخيرة، التي مضت نحوها مشروعات التغيير التي مرت بهلنسكي، وباريس من قبل، والنقطة الأولى للشروع في وضع هذه المشروعات قيد التنفيذ. 

فإسبانيا دولة كانت محايدة، من دول عدم الانحياز، ولم تدخل الحرب العالمية الثانية، ولا تنتمي إلى معسكر المنهزمين، أو المنتصرين في تلك الحرب، واختيار مدريد، يعني اختيار المسرح المثالي، حيث سيتم فرض الإرادة والهيمنة الأمريكية على أوروبا، بصفتها المنتصر الوحيد في الحرب المسلحة، والحرب الباردة على قدم المساواة، ودون جرح مشاعر حلفائها. 

كما أن إسبانيا بوضعها الجغرافي - التاريخي، تسهل - دعائيًا - قضية تقبل العالم الخارجي لفكرة استمرار وجود الحلف، الذي فقد مبرر وجوده، وانتقاله من حلف دفاعي، إلى حلف يختص بإقرار الأمن، والسلام، والازدهار في أوروبا. 

وأخيرًا فإن اختيار مدريد يعني بصورة واضحة، انتقال مركز الاهتمام من الشرق إلى الجنوب في التطلعات الجديدة لهذا الحلف وقد تحدث عن هذه النقطة بالذات سولانا في مقابلة أجرتها معه القناة الخامسة الإسبانية فقال: إن من أهم أهدافنا المستقبلية الانفتاح من أجل الحوار مع الشعوب المجاورة.

وقال: إن حفظ السلام ليس وقف الحروب فحسب، ولكنه العمل على إعادة البناء السياسي والاجتماعي للدول التي قامت فيها الحروب كالبوسنة، أو التي تعتبر مراكز صراعات ونزاعات كجيراننا في الجنوب. 

الأهداف الأساسية والإعلان المقتضب

  • توسعة الحلف نحو المشرق.
  • تجديد هياكله العسكرية والقيادية.
  • تحديد طبيعة الهوية الأوروبية ضمن الإطار العام للحلف. 

          هذه هي الأهداف الرئيسية الثلاث التي عقدت القمة للتوصل إلى حل لها، إلا أن البيان الوحيد الذي صدر عن القمة في اليوم الأول من انعقادها قلص نتائج القمة إلى قرار التوسع نحو الشرق فقط، حيث رسمت حدود سياسية عسكرية جديدة لأوروبا الأطلسية، أو أوروبا الأمريكية. ذلك أنه تقرر دعوة الدول الثلاث التي كان أعضاء الحلف جميعًا قد وافقوا على ضمها إلى الحلف سلفًا، لبدء المفاوضات لإعلان انضمامها الكامل إلى هياكل الحلف عام 1999م وهي المجر وبولندا وتشيكيا.

ولم يستطع هذا البيان إيضاح السبب الحقيقي لامتناع الولايات المتحدة، عن ضم كل من رومانيا وسلوفينيا على الرغم من أن تسع دول أوروبية من أعضاء الحلف على رأسها فرنسا، وإيطاليا، كانت تبذل أقصى ما في وسعها لضمهما.

إلا أن الرئيس كلينتون الذي تهمه قضايا بلاده الداخلية أكثر من جميع أحداث العالم، رفض حتى مجرد البحث في هذه القضية، لأنه لا يريد إثارة حفيظة مجلس الشيوخ بسبب الارتفاع الباهظ لتكاليف ضم البلدان الثلاث.

وقد قدرت مصادر أمريكية تكاليف المشروع بـــ 2100 مليون دولار سنويًا، كما تتعالى في واشنطن الأصوات التي تطالب بإجراء حوار وطني حول قضية التوسيع، وكان كلينتون قد تسلم رسالتين، إحداهما من عشرين عضوًا من أعضاء مجلس الشيوخ، وأخرى من 40 خبيرًا في أمور الاقتصاد والسياسة العالمية، يطالبونه جميعًا بأن يبين للأمة بصورة واضحة الأسباب الجوهرية والأهداف الحقيقية الكامنة وراء مشروع التوسع هذا، وكلفته الواقعية. 

وقد أوجد ذلك الإعلان المقتضب حلًا مناسبًا للشقاق المستحكم بين الدول الأوروبية، بالإشارة إلى التوازن بين الشمال والجنوب ليمنح بعض الأمل لدول البلطيق الثلاث «استونيا، ليتوانيا، ليتونيا» التي قال عنها البيان إنها ستدخل حتمًا في أطر الحلف خلال القرن القادم. 

مهمة حلف الأطلسي القادمة حماية القيم الغربية

كما أكد أن «سولفينيا ورومانيا» سيتم ضمهما في المرحلة الثانية من مراحل توسيع الحلف وضم الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي. 

النتيجة الرئيسية والأساسية إذن للقمة، هي رسم الحدود السياسية والعسكرية الجديدة لقارة أوروبا، وفق الإرادة الأمريكية الكاملة، وبما يتناسب مع الإمكانات الاقتصادية للشعب الأمريكي، بما يسمح بنقل الحدود من مكانها الذي رسمت فيه، عام 1949م، لتصبح في مكان جديد يؤكد للولايات المتحدة نصرها المؤزر، وسلطتها المؤكدة على أوروبا وهي التي تركت عشرات الآلاف من جنودها في مقابر شواطئ نورماندي يوم تدخلت لإنقاذ أوروبا من هتلر، ولم يستغرب أحد عدم صدور بيان ختامي عن القمة، لأن الخلافات العميقة، والأهداف غير الواضحة، بل الغامضة، لا ينبغي أن تنعكس في بيان يتضارب مع الحملات الإعلامية الهائلة لتطبيع الرأي العام الأوروبي لقبول هذا الوضع المستجد، والبالغ الغرابة. 

المواقف المتضاربة والمضطربة

كانت المواقف داخل القمة متضاربة ومضطربة:

فالولايات المتحدة: تريد توسعة الحلف، وفرض هيمنتها على أوروبا، وإعلان النهاية المحتومة للحرب الباردة على أنها المنتصر الوحيد فيها، مع ضمان بقاء روسيا كحليف مؤقت لا يسمح له بتجاوز حدوده. 

وفرنسا: تطالب كشرط أساسي لانضمامها لهياكل الحلف العسكرية، أن تتسلم قيادة الجناح العسكري الجنوبي، وأن تكون قاعدته في أراضيها، ليستطيع «الحلف العسكري الغربي» الخاص بأوروبا، أن يتحرك في مهمات تحددها له قيادة الاتحاد الأوروبي، بشكل مستقل عن أمريكا، كما كانت تصر على ضم رومانيا، باعتبارها الدولة اللاتينية الوحيدة في أوروبا الشرقية، وسلوفينيا بعد ضم جمهورية التشيك «شريكتها السابقة» في جمهورية تشيكوسلوفاكيا. 

كلينتون وافق على انضمام جمهورية التشيك للناتو لأنها الموطن الأصلي لوزيرة خارجيته أولبرايت

إسبانيا: تصر على استلام قيادة جميع الإمارات الخاصة بأراضيها بما في ذلك مضيق جبل طارق، وأرخبيل جزر الكاناري الواقعة مقابل شواطئ المغرب وصحرائه، والمياه الممتدة ما بين المضيق إلى الجزر.

بريطانيا: مصرة على سيادتها على مستعمرة جبل طارق ولا تريد النقاش في هذا الأمر.

تركيا: تعارض مطالب إسبانيا بقيادة خاصة بالجناح العسكري في أراضيها لأن هذا يسبب خللًا خطيرًا في توازن قوى الحلف ما بين شرق وغرب المتوسط. 

البرتغال: تنازع إسبانيا موضوع السيادة على المياه الواقعة بين المضيق وجزر الكاناري. 

وقد تمخض هذا الوضع، عن الخروج من القمة دون المقررات ولا توصيات، ولم تتوصل هذه القمة إلى أكثر من النقاط الثلاث المتفق عليها سلفًا، وهي: 

1- قرار توسيع الحلف نحو الدول الثلاث المتفق عليها.

2- التوقيع على اتفاق للشراكة والتنسيق والتعاون السياسي والأمني مع أوكرانيا التي تعتبر اليوم رابع دولة نووية في العالم، وثاني دولة سلافية بعد روسيا، والتي يتجاوز عدد سكانها الخمسين مليون نسمة، وقد قال الرئيس التركي في خطابه الذي ألقاه عقب توقيع الاتفاق: إن أوكرانيا هي حجر أساسي في بناء الأمن والاستقرار في أوروبا الشرقية والوسطى. 

3- وضع الإطار النهائي لمجلس الشراكة الأطلسية الأوروبية الذي يضم: 

  • جميع دول حلف شمال الأطلسي الستة عشر.
  • جميع الدول الأوروبية التي لا ترتبط بعضوية تذكر مع الحلف.
  • جميع الدول الأوروبية، أو غير الأوروبية التي كانت تدور في فلك روسيا الشيوعية، وتشكل أعضاء في حلف وارسو أو الاتحاد السوفيتي، وتدخل في هذا التنظيم العديد من الجمهوريات الإسلامية التي كانت سوفييتية. 

          كما انكشفت القمة عن بقاء كل من فرنسا وإسبانيا، خارج الهيكل العسكرية لحلف شمال الأطلسي. 

قضايا مصيرية لم تذكر 

العديد من القضايا الرئيسية التي تشغل بال الشعوب الأوروبية نسيتها القمة وأشير إليها بشكل أو بآخر ومن ذلك:

  • الخلاف التركي - اليوناني حول جزيرة قبرص، حيث قيل إنه تم التوصل إلى صيغة للتفاهم بين رئيسي دولتين. 
  • الخلاف البريطاني - الإسباني حول جبل طارق فقد ألقي دلو من الماء البارد على التهديد البريطاني بالتصويت ضد دخول إسبانيا في الحلف عسكريًا، إذا لم تترك تحرشها بالمستعمرة البريطانية. 

          القنبلة الموقوتة في البوسنة، والتي حازت على أكبر عدد من أسئلة الصحفيين، وعلى أكبر قدر من الصمت والالتفاف على الإجابة من قبل خافيير سولانا الذي قال: سنعمل على تطبيق اتفاقيات دايتون حرفيًا، ولن نسمح لا الآن ولا في المستقبل بحل عسكري في المنطقة.

  • مخاوف الدول الشرقية التي رفض دخولها في الحلف، من استعادة روسيا لسيطرتها عليها وحاولت كلمات سولانا وحدة تهدئتها ولكن دون أي ضمانات أو اتفاقيات. 
  • علاقة الحلف بدول الضفة الجنوبية للمتوسط، لم يشر إليها إلا مرة خلال ما ذكر عن مهام مجلس الشراكة من أجل السلام، والذي أحيلت عليه مهمة تصعيد الحوار مع الجيران في الجنوب، واستثنيت من ذلك الجزائر التي تعتبر مفتاحًا من مفاتيح العلاقات مع أوروبا، وليبيا التي ترى فيها أوروبا تهديدًا مباشرًا، وسوريا التي يتم الحديث عنها ودائمًا بكثير من التحفظ والسرية.
  • قضية ألبانيا لم يشير إليها بأكثر من قول سولانا إن الأوضاع في ألبانيا خطيرة وينبغي العمل من أجل منع أي تدهور فيها. 
  • روسيا التي لم يشر إليها خلال القمة بأكثر من عبارة أو عبارتين، بقيت خارج هذه المسرحية الكبرى، وبرز سؤال خطير وملح ودون أن يوجد له جواب وهو: لماذا لا يتم ضم روسيا إلى الحلف وهي التي استوفت جميع الشروط اللازمة لدخول الحلف؟ وبذلك يتم اتقاء شرها بالفعل؟

وقد اعترف سولانا، بأن السبب الرئيسي لعدم حضور يلتسين قمة مدريد أنه دعي فقط لحضور اجتماعات مجلس الشراكة الأطلسية - الأوروبية من أجل السلام، خلال اليوم الثاني من أيام القمة دون حضور الاجتماع الأول للأطلسي، وقال سولانا: إن يلتسين قال له: «ينبغي أن تتفهم إن هذا الوضع غير مناسب بالنسبة لروسيا»، وكان يلتسين قد أعلن عن بدء عطلته الصيفية في اليوم الأول من أيام القمة ليبدي عدم اكتراثه بها، ويدعم بذلك موقفه أمام معارضيه وشعبه. 

عندما يذوب الثلج

انقضت القمة الأطلسية، كما تنتهي مسرحية عالمية ضخمة، ولكن دون أن يفهم الجمهور من العرض شيئًا أو يكشف عن الهدف الحقيقي الذي رمت إليه المسرحية. 

ولكن المسرحية ليست من النوع السهل، إنها مسرحية لا يتم الحديث عنها إلا بأرقام ذات ستة أصفار على الأقل، وتكاليف تصرف من ثروات الشعوب الأوروبية بدعوى الحفاظ على الأمن، ودعم السلام، وتثبيت الازدهار الإنساني والاقتصادي في أوروبا إلا أن هذه الأموال لو وزعت على بقية شعوب الأرض، لضمنت الأمن والسلام والازدهار لا في أوروبا فقط، بل في ربوع الكرة الأرضية جميعًا. 

الديمقراطية هل تنصف المسلمين وتخرج ليبيريا من النفق المظلم؟ 

فاز تشارل تايلور بأغلبية ساحقة في الانتخابات التي أدلي نحو 700 ألف ليبيري يوم 19 من شهر يوليو الحالي بأصواتهم في الدور الأول منها وهي الانتخابات الرئاسية والتشريعية جرت لانتخاب رئيس ونائب للرئيس و90 عضوًا في مجلسي الشيوخ والنواب (26 من أعضاء مجلس الشيوخ و64 نائبًا)، وبلغ عدد مكاتب الاقتراع نحو 1900 مكتب تولى مراقبتها نحو 500 مراقب أجنبي على رأسهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ورئيس جمهورية بنين السابق تسيفور سوجلو، ويبدو أن المسار العام للانتخابات اتسم بالجدية، ولم تسجل أعمال عنف تذكر خلال عمليات الاقتراع إلا أن بعض المرشحين أعلنوا تحفظاتهم على ممارسات اعتبروها غير نزيهة، وأعلنت زعيمة حزب «وحدة الشعب» ألين جنسون أنها ضبطت عمليات تزوير واسعة لصالح المرشح الأول شارلز تايلور، وقد تنافس في هذه الانتخابات 11 مرشحًا للرئاسة من بينهم امرأة، يمثلون ثلاثة عشر حزبًا سياسيًا، ثلاثة أحزاب منها على الأقل منبثقة عن الفصائل المسلحة الرئيسية التي خاضت على مدى السبع سنوات الماضية حربًا أهلية رهيبة راح ضحيتها عشرات الألوف من المدنيين، وشردت مئات الآلاف وخلفت دمارًا هائلًا في البنية الأساسية لدولة تعتبر من أقدم الدول التي نالت استقلالها، حيث أصبحت جمهورية مستقلة عام 1847م عندما أنشأها الغرب كدولة للرقيق الذين تم تحريرهم في محاولة للتكفير عن عقدة الذنب بسبب تمادي الغرب عدة قرون في هذه المعاملة اللاإنسانية للرقيق. 

وتقع ليبيريا في الغرب الإفريقي وتحدها شمالًا غينيا كوناكري ومن الجنوب والجنوب الغربي المحيط الأطلسي ومن الغرب سيراليون ومن الشرق والشمال الشرقي ساحل العاج، ويبلغ تعداد سكانها نحو 2.5  مليون نسمة يمثل المسلمون منهم زهاء 35%، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الإسلام دخل ليبيريا شأنها في ذلك شأن المناطق الإفريقية المجاورة في القرن الثامن عشر الميلادي، وتؤكد إحصائيات تقريبية أن ما يربو على 25 ألف مسلم قتلوا في الحرب الأهلية خلال السنوات الماضية، حيث تعرض المسلمون لمجازر شرسة وخصوصًا إثر مصادماتهم المتكررة مع ميليشيا الجبهة القومية بقيادة شارلز تايلور الذي وقف مواقف عدائية ضد المسلمين في ليبيريا وساهمت جبهته في تدمير العديد من المساجد ونهب كثير من الممتلكات وقتل آلاف الأبرياء. 

وقد تخاذل المجتمع الدولي في تعامله مع الفوضى العارمة والعنف الخارج على السيطرة الذي عم ليبيريا والذي بدأت بوادره مع أول انقلاب قاده العريف صامويل دو سنة 1980م ضد حكومة الرئيس وليام تولبير المنحدر من السود الأمريكيين الذين أقاموا أول حكومة في ليبيريا في نهاية القرن الماضي وهم لا يمثلون الآن سوى نسبة قليلة من السكان لا تتعدى 5%. 

واستمر التردي طيلة فترة حكم صامويل دو التي دامت تسع سنوات تواصلت خلالها حرب العصابات، وكانت أول مشاركة فعلية منظمة للمسلمين فيها عندما تم تشكيل جبهة إنقاذ ليبيريا التي رافقها تشكيل مجلس عسكري بقيادة الحاج جي لاي كروما في نهاية سنة 1990م، وهي السنة نفسها التي قتل فيها صامويل دو وبلغ فيها انفراط الأمور السياسية والأمنية ذروته وتفاقمت مشكلة اللاجئين الليبيريين، وكانت سفن بحرية محملة بآلاف اللاجئين تجوب البحر على غير هدى، بعد أن رفضت كل الحكومات استقبالها، وبدأت الوساطات الإفريقية تتحرك باتجاه إيجاد حل للأزمة من خلال جهود المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا التي تتكون من ست عشرة دولة والتي لعبت دورًا متزايد في محاولات لإحلال السلام في ليبيريا من خلال قوات حفظ السلام التي رابطت معظم سنوات الحرب في العاصمة منروفيا، وأشرفت على تنفيذ قرارات قمم المجموعة وخصوصًا قمة أبوجا الأولى في يوليو 1996م والقمة الثانية في أغسطس من العام نفسه، التي قررت تجريد جميع الفصائل من أسلحتها وهو توجه تبنته قمة منظمة الوحدة الإفريقية في ياوندي بالكاميرون عندما وجهت رسالة قوية لقادة الصراع تحذرهم من مغبة ثبوت إعاقتهم لعملية السلام في بلادهم مؤكدة في حالة حدوث ذلك، إن إفريقيا ستلجأ إلى مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على قادة الفصائل كافة وتطلب محاكمتهم أمام محاكم جرائم حرب ضد حقوق الإنسان. 

وعلى كل فهذه هي أول انتخابات علنية حرة ذات أطراف متعددة، وهي منافسة تجرى على قاعدة التمثيل النسبي مين يعني تمثيل معظم القوى الفاعلة في البرلمان، وإذا تمت الأمور على النحو المفروض، فإن المسلمين أيضًا الذين يمثلون ثلث السكان سيتاح لهم للمرة الأولى حضور سياسي منصف، وبذلك تكون ليبيريا قد خطت نحو الخروج من النفق المظلم ومستنقع الدماء والموت التي تمرغت فيه قرابة عقد كامل من الزمن.

محمد سالم الصوفي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

133

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال