العنوان الدبلوماسية العربية.. الواقع والمأمول قراءة من واقع المشهد في السنغال
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 82
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 32
السبت 02-مارس-2013
- مصر الثانية عالميًا والأولى عربيًا التي أقامت علاقات دبلوماسية مع السنغال عام ١٩٦١م
- عمق التدين لدى أغلبية الشعب السنغالي يدفع إلى شدة التعلق بالعرب والحرص على مصالحهم
- الجوهرة المفقودة في أداء الدبلوماسية العربية هي عدم توظيف الدبلوماسية الشعبية التي تتنافس الأمم القوية اليوم في بناء إستراتيجياتها على دعائمها
- الصورة السلبية المعكوسة عن السلوكيات غير الحميدة لبعض الدبلوماسيين العرب لا تمثل الروح الإسلامية
لأن ثمة علاقة جد وثيقة بين البحرين (الأدب والدبلوماسية) حيث الدبلوماسية في جوهرها فن كما الأدب في أصالته تواصل، ويقومان كلاهما على الحصافة في أصولهما وعلى الذوق الرفيع في فروعهما قبل أن يكونا وظيفة تمارس أو واجبا يؤدى أو عبارات ترص وتصف، على نحو من الأنحاء.
وعلى هذا المنحى الدقيق نتوق إلى تناول ما يعتبره الكثيرون من المهتمين بالشأن العربي الإسلامي في السنغال، معضلة تستحق منا العناية والرصد وصولا إلى محاولة تثقيف ما في الأمر من اعوجاج تتسع دائرة انعكاساته وهي المعضلة التي نستطيع التعبير عنها بالدبلوماسية العربية في السنغال والجوهرة المفقودة، وبعبارة أخرى مصاغة على شكل تساؤل قلق وما هي؟ وأين تلك الحلقة الضائعة؟
● خلفية إسلامية
قد يكون أفضل درس في الدبلوماسية الحضارية، هو ذلك الذي نهض به ربعي بن عامر من خلال ذلك التلخيص الرائع الذي قدمه عن رسالة الإسلام الحضارية، حين سأله قائد الفرس الشهير «رستم» عن مخرج العرب من جزيرتهم في موقف مهيب كثيرا ما يقفه السفراء وهم يؤدون رسالة أمتهم لدى الدول والشعوب: «لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
والمثال الآخر في الدبلوماسية الناجحة في خدمة المصالح العليا لأمته، يقدمه لنا الصحابي الجليل عبدالله ابن حذافة السهمي، الذي قال عنه الفاروق يوم فك ربقة جيش بكامله وعاد بهم من الأسر إلى دار الإسلام: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله ابن حذافة وأنا أبدأ بذلك. وفي هذا المقام تحضرني قصة المحامي الأمريكي «هيوستن» الذي تقول الرواية إنه استطاع فصل ولاية تكساس عن المكسيك ثم ضمها إلى الولايات المتحدة .
وكل رأسماله خطاب رئاسي في حقيبته، ثم اتكل على ما آتاه الله من حنكة مكنته من غزو العقول والعواطف وظروف الحرب التي كانت مواتية، حتى مال شعب بكامله إلى اتخاذ قرار مصيري بحجم الانفصال عن البلد الأم للانضمام لآخر دون أن يضطر إلى إطلاق طلقة نار واحدة.
● جذور وتطور
الدبلوماسية العربية في السنغال، ليست شأنا للدول التي تمثلها هذه البعثات في هذا البلد فحسب، لأننا معشر الشعب السنغالي نلمح وراء كل سفير عربي ملامح تلك الشعوب التي نكن لها كل الحب والتقدير ونشاطرها الآلام وتقاسمها الآمال، ويكاد العامة منا أن يضفوا هالة من القداسة على كل من لبس الجلباب الأبيض من العرب، وقد نلحق بهم الأتراك والفرس وعامة أهل آسيا من المسلمين. وحتمت قوة الترابط بين الأمة السنغالية التي تتجاوز نسبة المسلمين فيها ٩٥%، وبين أخواتها العربية، مسارعة الدول العربية التي كانت تتمتع بما يسمى في عرف القانون الدولي بالسيادة الدولية، إلى الاعتراف بالجمهورية الوليدة واحتضانها ما جعل بعضها يحث الخطى لفتح سفارات لها في السنغال، وكان من أوائل تلك الدول جمهورية مصر العربية التي فتحت أبوابها سنة ١٩٦١م أي بعيد استقلال السنغال بفترة وجيزة، وجاء ترتيبها الثاني بعد الجمهورية الفرنسية، ثم المملكة المغربية التي تلتها الجمهورية اللبنانية والتي جاءت بعدها المملكة العربية السعودية ثم توالى وصول البعثات الدبلوماسية العربية إلى دكار حتى أصبح عددها اليوم (۱۷)، من بينها (٦) تابعة للدول الخليجية، وآخر البعثات الدبلوماسية العربية وصولاً إلى دكار هي الإمارات العربية المتحدة التي تحمل رقم (۱۰۰) في قائمة السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الحكومة السنغالية، ولا ينقص القائمة كي يكتمل العدد سوى المملكة الأردنية الهاشمية ودولة البحرين.
● مكامن القصور
نستعرض على عجل بعض النقاط التي تشكل ما يراه البعض مواطن الضعف في أداء هذه الدبلوماسية:
1 - إهمال أو تجاهل أهمية الدبلوماسية الشعبية التي يجب أن ترتكز على التواصل النشط بما يمكن من الوصول إلى عمق المجتمع وبالتالي التفاعل مع كل القوى المجتمعية المنظمة، ثم أدى هذا التقصير إلى قيام آخرين باستقطاب تلك القوى الخدمة مشاريعها، وربما نجحوا في تأليبهم على العرب ولو من باب المعاكسة والمشاكسة.
٢ - القصور وربما التقصير، في استثمار كثير من العوامل التي يمكن أن تشكل جسورا قوية لإعطاء القضايا العربية رديفا قويا لا يمكن أن يحلم به أي تمثيل دبلوماسي آخر في السنغال، من أهمها وجود جاليات عربية كبيرة ونشطة ومؤثرة في الحياة الاقتصادية في السنغال، وعلى رأسها الجاليتان الشامية والمغربية.
٣- الغياب الثقافي، رغم انتشار اللغة العربية ورديفتها المتمثلة في الثقافة الإسلامية المتجذرة، ورغم تعلق الشعب السنغالي بأهداب اللغة العربية وثقافتها والاستماتة في الدفاع عنها، يلاحظ قصور بين لدى الدبلوماسية العربية في بعض الجوانب في احتضان هذه الجهود الجبارة التي يقوم بها الأهالي مؤسسات وأفرادًا في وجه مؤسسات ودول تستميت في خدمةلغاتها وثقافاتها رغم قلة الإقبال.
٤ - الصورة السلبية المنعكسة عن السلوكيات غير الحميدة التي تنسب إلى بعض الدبلوماسيين العرب، وهي صورة مركبة من الثنائية المدمرة لأي سمعة «الخمر المجون»؛ وبالتالي وقر لدى الكثيرين بأن بعض السفارات العربية لا تمثل الروح الإسلامية، وهذه نظرة جد مشوهة ومشوهة لرسالة الدبلوماسية العربية في وسط مجتمع مثل المجتمع السنغالي الذي يحمل ذلك الانطباع شبه المقدس عن العرب؛ لأنه توأم بين العرب وبين الإسلام.
5- الضعف الإعلامي، يبدو أنه ينتهي دور معظم السفارات عند مستوى وجود مترجم، قد يكون ضعيف الأداء سيئ النقل، يقوم بعمل يجوز أن ننعته بعملية غير متقنة لرصد أقوال الصحف، وفي هذا السياق تندرج شكاوى السفير الفلسطيني أثناء العدوان الصهيوني على غزة من الطريقة السلبية التي تعاطت بها الصحافة السنغالية مع القضية الفلسطينية.
٦ - ضعف سياسة الاستقطاب لدى معظم السفارات العربية فيدلا من البحث عن الكفاءات العالية والقدرات المتميزة التي يمكن التعويل عليها في بعض النقاط على المستويين السياسي والاجتماعي نلاحظ التركيز على العناصر الضعيفة من النوع الطفيلي، عند اختيار من يتعاملون معهم سواء بالتوظيف أم بالتواصل العام.
٧- نموذج الحفلات التي تنظمها بعض السفارات العربية في بعض المناسبات كالأعياد الوطنية، والتي تحولت في معظم الأحوال إلى مجرد ولائم لا يقصدها سوى من يبحثون عن أفضل ما ينتجه المطعم العربي.
٨-ثمة مأخذ آخر يتمثل أساسًا في التعامل الخشن الذي يلقاه المراجعون لبعض هذه السفارات فالتصور الذي كان ينطلق منه السنغالي إلى وقت قريب، وهو يقرع باب أي سفارة عربية في العاصمة السنغالية، هو أنه ذاهب إلى بيت يسكنه الأحبة ثم ينتظر أن يستقبل بالأحضان، لكن كثيرًا من هؤلاء يشكون اليوم من خيبة أمل بسبب خشونة المعاملة وجلافة بعض الموظفين فيها.
كي تتضح الصورة التي نريد رسمها فلنختتم هذه النقطة بعقد مقارنة سريعة وبسيطة بين سياسات وأداء التمثيليات الدبلوماسية العربية في السنغال وبين سفارتين تصنفان على أنهما من خصومها أفريقيا وهما السفارتان الصهيونية والإيرانية.
وفي هذه النقطة أخذ السفير الصهيوني في السنغال يسعى إلى كسر كثير من الحواجز بنجاح كبير نسبيا، بلغ حد المفارقة حين أشرف بنفسه على تنفيذ برنامج التوزيع الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى ومن الشاشة الفضية أطل على الشعب السنغالي وهو يخاطبه بلغة ولوفية مفهومة، ثم دفع الموضوع إلى مستوى التحدي حين قال: إنه ليس أمامه في السنغال مكان لا يستطيع الوصول إليه.
● في النهاية، يبدو لنا أن الجوهرة المفقودة في أداء الدبلوماسية العربية في السنغال، تتلخص في إهمالها، أو عدم التوظيف الكافي ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية التي تتنافس الأمم القوية اليوم في بناء إستراتيجياتها الدبلوماسية على دعائمها، والنموذج الأقرب إلينا في هذا الباب يتمثل في فيالق المتطوعين من الأمريكيين واليابانيين الذين دأبوا على إحياء سنة إرسال أولادهم إلى مجتمعات يفرق بينها وبينهم كل شيء تقريبا، لكن الإصرار على أداء رسالة الأممهم، قبل أن تكون وربما لن تكون في مصلحة أولئك الأهالي الذين يستضيفونهم في تلك القرى النائية بكل سخاء، حتى ينفذوا إلى أعماق تلك المجتمعات الصغيرة التي لم تكن منذ أعوام فقط قد سمعت باسم اليابان ولا كولورادو لكن حين تأتي لحظة الرحيل يذرف الجميع دموع ألم الفراق ويعانق بعضهم بعضًا.
● فرص سانحة
رغم القصور الذي نحن بصدده هنا، فإن الدبلوماسية العربية تملك في قلوب الشعب السنغالي رصيدًا ضخمًا من التعاطف ما لا يمكن أن تحلم به أي سفارة أخرى، مهما كان حجم ما تملكه من وسائل وفعالية ما تستخدمه من المهارات في مجال فنون التواصل، وفي هذا المجال الدبلوماسية الشعبية تمتلك الدبلوماسية العربية خمس قنوات لو أحسنت استثمارها من خلال قوة البث لحققت لدولها وللشعب السنغالي مكاسب فوق ما يمكن تصوره، ونجملها في النقاط التالية :
● البعد الديني يدفع عمق التدين لدى أغلبية الشعب السنغالي إلى شدة التعلق بالعرب والحرص على مصالحهم وبالتالي الاستعداد لتقديم كل ما يستطيع أو يملك في هذا السبيل، لكن شريطة أن يحسن العرب تفعيل هذا العنصر على غرار ما فعله جمال عبد الناصر في فترة من الفترات وأحسن منه دور الملك فيصل يرحمه الله ورضي عنه).
● العامل الاقتصادي: ويتمثل في حجم المساعدات التي تقدمها الدول العربية للدولة السنغالية، والتي تفوق أي مساعدة أخرى من حيث الحجم والشروط الضامنة للكرامة والمحققة للمصلحة، لكن غياب أو ضالة عامل الدعاية يجعلها لا تأخذ حجمها الطبيعي والمناسب لها، لا على المستوى الرسمي من حيث العائدات ولا على المستوى الجماهيري من حيث التفاعل والثناء الحسن
● العامل الجغرافي: مع أن وسائل الاتصال التكنولوجية الحديثة التي تزداد قوة وتأثيرًا لها وزنها في الحركة الدبلوماسية وتحريك خيوطها الخفية، سيبقى للحقائق الجغرافية ثقلها باعتبارها واقعًا لا يمكن التحكم فيها من حيث التواصل وتبادل المصالح بين الشعوب ومن هذه الزاوية تمثل حقائق الأرض والتاريخ والعنصر البشري، والتي تندرج كلها في خانة الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية عاملا مهما في جعل العلاقات العربية السنغالية باعتبار السنغال هذه النقطة المتقدمة بوابة واسعة للتوغل العربي باتجاه الجنوب بالمحاور الثلاثة ثقافة واقتصادًا وسياسة.
● العامل البشري المتمثل في الأجيال المتلاحقة من الكوادر العلمية التي تم تكوينها في مختلف المؤسسات الأكاديمية العربية منذ ما يربو اليوم على (۷۰) سنة وبشكل متواصل و متزايد : وهؤلاء يحتلون اليوم مساحة واسعة يستطيعون من خلالها التأثير بعمق في المجتمع السنغالي.
المؤسسات الإنسانية الإسلامية تؤدي هذه المؤسسات منذ أن بدأت أعمالها في السنغال في الثمانينيات، دورًا تنمويًا مقدرًا مع التركيز على المجتمعات الأساسية وفي قطاعات اجتماعية حيوية وتتميز بأن نشاطها لا يرتبط بأي شروط ليست في صالح المجتمعات التي تعمل في أوساطها كما تلجأ إلى ذلك مؤسسات أخرى، وتصل مباشرة إلى المحتاج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل