العنوان الداعم والمدعوم والشعوب المعذبة بينهما
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982
مشاهدات 96
نشر في العدد 574
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 08-يونيو-1982
حين أعلن عن اجتماع وزارة خارجية مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد في ٣٠ مايو الماضي، ذكرت بعض وكالات الأنباء نقلًا عن مسؤولين خليجيين أنه سيتخذ في الاجتماع المذكور قرارات وصفت بأنها خطيرة، وأن من الموضوعات التي ستتم مناقشتها في الاجتماع مسألة الدعم الذي تقدمه الدول العربية الغنية، لا سيما بعد أن تبين لهذه الدول أن الدعم لم يؤد الأهداف المتوخاة منه، خاصة هدف تحقيق المزيد من التقارب والتلاحم في الصف العربي.
ولقد تم انعقاد الاجتماع، وانتهى أيضًا، دون أن يعلن عن بعض تلك القرارات الموصوفة بالخطورة، وبقي السؤال مطروحًا : هل سيستمر الدعم على الرغم من أنه لم تتحقق الأهداف المرجوة منه؟ وربما كان السؤال الأهم الذي لم يطرح علينا، ولكن يتم التهامس به عادة هو: هل يستمر الدعم على الرغم من أنه يساعد على «تحطيم» تلك الأهداف المرادة منه؟
والحقيقة المؤسية هي أن مسألة الدعم ما تزال معلقة على الصعيد الرسمي مع أنها أصبحت قضية تتسم بالخطورة الكبيرة، نظرًا لما تلمسه وتعانيه شعوب المنطقة كل يوم من جراء السياسة الداخلية والخارجية لبعض الدول المدعومة في المنطقة، وذلك بأن الشعوب وحدها هي التي تدفع - في نهاية الأمر - الثمن الباهظ الذي يترتب على استمرار الدعم، في الوقت الذي كان المأمول فيه أن تعود سياسة الدعم على تلك الشعوب بالأمن والبناء والتقدم.
بيد أن ما هو أخطر من ذلك : أن مسألة الدعم لم تعد مجرد موضوع يمكن الاكتفاء فيه بالمناقشات المنطقية، ثم تعليقه ثانية، ريثما تندفع الأحداث من جديد لتلهم المتناقشين - أو تفرض عليهم - ألوانًا جديدة من الاقتناع، بل إن مسألة الدعم قد استحالت قضية تنطوي على خطورة كبيرة تهدد شعوب المنطقة من جهة، وتهدد أيضًا بعض دول المنطقة من جهة أخرى:
فمن غير شك يعبر استمرار الدعم - في أحد جوانبه -عن أن الدول الداعمة لا تتخذ موقفًا حاسمًا من سياسة بعض الدول المدعومة، تلك السياسة التي ثبت أنها «تتغذى» بشكل أساسي من أموال الدعم، مع أن من الأمور المسلمة أن ردع تلك الدول المدعومة عن المضي في سياساتها التخريبية على الصعيدين الداخلي والخارجي... مرهون بقطع الدعم عنها. وهذا - في الواقع - أمر يثير في نفس المواطن المنكوب ببعض الأنظمة المدعومة كثيرًا من الاستغراب والدهشة.
واستمرار الدعم يعني- من جانب آخر - نوعًا من «المسايرة» لضروب الابتزاز التي تعمد إليها بعض الدول المدعومة مستغلة أوضاع الصراع الدائر في المنطقة. ولكن ما هو أخطر من «المسايرة» - في الحقيقة - هو ما يترتب عليها في المستقبل الذي قد لا يكون بعيدًا. إذ إن التمكين للابتزاز السياسي يمهد لبعض الدول المدعومة أن تمضي أبعد مما تستطيع الحصول عليه الآن، وبالتالي أن تمعن في سياستها التي ثبت - للدول الداعمة أولاً .. أنها لا تنسجم مع مصالح شعوب المنطقة، ولا تحافظ على أمنها ومستقبلها، ولا ريب في أن الدول الداعمة قد تتعرض المزيد من ضروب الابتزاز إذا استمرت في اتباع سياسة المسايرة. إلى حد تعريض أمن المنطقة للخطر، وهذا سيؤدي من ثمة إلى مزيد من الاضطراب والقلاقل في هذا الجزء الحساس من العالم، لا سيما إذا شجعت سياسة «المسايرة» أطرافًا آخرين على الانضمام إلى صف الابتزاز المدعوم.
وتظل - بعد هذا كله - قضية رئيسة تعلو على كل التقديرات والحسابات، تلك هي مأساة الشعوب التي تتعرض لبأس النار والحديد من بعض الأنظمة المدعومة، وهذه الشعوب تجاوزت الآن معاني الدهشة والاستغراب من سياسة «المسايرة»، إلى معاني أخرى من التحسر والألم، بعد أن نكبت بسلسلة من حملات القمع والإرهاب الدموي والعدوان اللاأخلاقي على الحرمات والمقدسات.
وهذه الشعوب المنكوبة تعيش الحقائق المرة بدمائها وأشلائها ودموعها.. ولذلك فمن البعيد جدًا أن تقتنع بموقف المسايرة هذا، ولكن ليس من الصعب أن نتنبأ بما يهجس في بالها من خواطر تنطوي على كثير من الأسف وكثير من الشكوك.
وهل هناك من يستطيع أن يمنع الشعوب المنكوبة «من أن تتساءل - وهي غضبي:
- ألهدم المساجد على رؤوس المصلين يقدم الدعم؟!
- ألقصف المدن بالمدافع والطائرات وتهديم أحياء بكاملها يقدم الدعم؟!
- ألهتك أعراض الحرائر من بنات المسلمين - يا ضيعة المسلمين - يقدم الدعم؟!
- ألقتل الأبرياء - شيوخًا وشبابًا نساء وأطفالًا – يقدم الدعم؟!
- ألزرع الفتن بين العرب والمسلمين وإذكاء نار الصراعات في المنطقة يقدم الدعم؟!
- ألخيانة الأمة والعبث بمصيرها ومستقبلها والتآمر عليها مع الأعداء يقدم الدعم؟!
- أللسجون المظلمة والتعذيب الوحشي والإعدامات الجماعية.. يقدم الدعم؟
وما يزال في أذهان الشعوب المنكوبة أسئلة كثيرة، أصبح العالم كله على معرفة واضحة بها.
أوليس من حق الشعوب - بعد هذا كله - أن تغضب؟!
ومن الملوم في ذلك؟!
وبعد، فإن حسابات التاريخ - على هذه الأرض – قد تبدو على جسامتها، يسيرة. إذا قيست بالحساب العسير الذي ينتظر الذين لا يعبؤون بآلام الشعوب، ومستقبلها بين يدي قوي عزيز، ﴿فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52).