; الخوف من مصر .. الخوف على مصر | مجلة المجتمع

العنوان الخوف من مصر .. الخوف على مصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1977

مشاهدات 74

نشر في العدد 380

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 27-ديسمبر-1977

كل شيء من أجل العدو.. ولمصلحته.. وفي خدمته.

هذا هو منطق الأحداث منذ بدأت -بشكل علني- خطوات التدحرج إلى القاع.

نعم، كل شيء للعدو، ولا شيء لمصر.. لا شيء للمصريين..

الحملة المخبولة المقصود بها عزل مصر عن أمتها العربية- الإسلامية. هذه الحملة إنما تخدم العدو، وتحقق أهدافه.

هناك قاعدة استراتيجية تشمل المجالين العسكري والسياسي، تقول: خذل صف عدوك سياسيًّا. وقلل -قدر الإمكان- من الجبهات المعادية عسكريًّا، حتى لا تضطر إلى توزيع قواتك على أكثر من جبهة في وقت واحد.

هذه القاعدة يستخدمها العدو في هذه الأيام أحسن استخدام بواسطة أدوات تسيطر عليها لحظات غيبوبة صناعية..

إن عزل مصر خدمة كبرى تقدم للعدو، فهو يريدها وحدها لتحقيق هدفين بضربة واحدة: يريد أن يحرمها من قوة العالم العربي، ويريد أن يحرم العالم العربي من قوتها. وفي الحالتين هو الرابح.

ويستفيد العدو -في خطته هذه- من الاستراتيجية المتدرجة التي استخدمت ضد الإسلام والعروبة منذ مطلع هذا القرن، والتي يكتمل طوقها اليوم. فقد ضربوا الإسلام بالقومية العربية، ثم ضربوا القومية العربية بالنزعات الوطنية العامة، وهم الآن في طور ضرب النزعات الوطنية العامة بنزعات أشد ضيقًا؛ كالفرعونية مثلًا. ومن مظاهر هذا الاتجاه: القفز إلى الوراء فوق التاريخ العربي الإسلامي، والاحتماء بتاريخ ٧ سبعة آلاف عام.

ولا تزال هذه النظرية تضيق الدائرة، وتقوم بعملية الغربلة والانتخاب التاريخي حتى تنتهي بإبراز دور أقلية ضئيلة، هم الأقباط، وفق الزعم القائل بأنهم هم أصحاب البلاد الأصليون، ولعل هذه النظرية مستمدة من استراتيجية اليهود في النضال من أجل الحصول على الحق التاريخي الأول. فمن الهدايا التي قدموها لزائرهم: ثلاث شموع، ترمز الأولى منها إلى أسبقية اليهود في القدس..

وكل ذلك في مصلحة اليهود، لا في مصلحة مصر.

والمظاهرات الإعلامية والسياسية -على المستوى العالمي- خدمت مناحيم بيغن خدمة لم يحلم بها، فالعالم يعرف تاريخ هذا اليهودي، وحين تولى رئاسة الوزارة الصهيونية قوبل بحملة انتقاد واسعة النطاق حتى من أجهزة الإعلام الأمريكية نفسها؛ نظرًا لتاريخه الإرهابي الطويل.

ومن هنا فقد كان في أشد الحاجة إلـى مكياج يحوله من صهيوني إرهابي إلى بطل سلام، أو إلى مناضل شريف، كما تقول الأهرام.

وحملة الكراهية الشديدة التي تصبها أجهزة الإعلام المصرية ضد الفلسطينيين، إنما هي في مصلحة اليهود؛ ذلك أن اليهود يعملون -منذ عشرات السنين- على زرع الكراهية في قلب العالم كله ضد الفلسطينيين. وحين يشتم أنيس منصور، ومصطفى أمين، وموسى صبرى، والتلفزيون والإذاعة.. حين يشتمون الفلسطينيين ويلعنونهم، يكون اليهود قد كسبوا هؤلاء الأشخاص وهذه الأجهزة، وجندوهم لخدمة أهدافهم، بل لتحقيق أهداف لم يحلم بها أساطين الصهيونية، وهذا كله من مصلحة اليهود.

والهجوم الرسمي أولًا، والإعلامي ثانيًا، على العرب واتهامهم بأنهم غير متحضرين، وليس لديهم القدرة على النظر إلى المستقبل، وأنهم لا يملكون غير المال، وأنهم.. وأنهم.. هذا الهجوم البليد، إنما يخدم اليهود ويحقق أهدافهم في تشويه العرب.

إن اليهود نظموا حملات إعلامية ضخمة ومتتالية لتشويه العرب وتصويرهم أمام العالم في نفس الصورة التي يرسمها الإعلام المصري في هذه الأيام؛ فعشرات الكتب ألفها اليهود، وعشرات الأفلام ألفها وأنتجها وأخرجها اليهود، ومئات التحقيقات الصحفية كتبها أو مولها اليهود، وتستهدف كلها تصوير العرب في صورة الهمج غير المتحضرين، وصورة قاصر النظر الذي لا يستطيع رؤية المستقبل، وصورة الذي لا يملك غير المال.

إن تبني وجهة نظر اليهود في النظرة إلى العرب ليس فيه ذرة واحدة تعبر عن مصلحة مصر؛ ولكن هذا التبني يخدم -بطريقة مباشرة وعميقة- مصالح اليهود وأهدافهم.

حتى الأكاذيب تصنع وتطبخ خدمة لليهود.. نشرت الأهرام أن الذي قتل الصحفي البريطاني -مراسل الصنداي تايمز- هم الفلسطينيون؛ بينما التهمة غريبة جدًّا لسبب بسيط وهو: أن هذا الصحفي نشر عدة تحقيقات عن التعذيب الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني ضد المواطنين العرب في المعتقلات والسجون. وصحفي كهذا يكرم من قبل الفلسطينيين؛ لا أن يقتل بأيديهم.

ولقد نشرت تحقيقات بعد ذلك تؤكد أن المخابرات اليهودية هى التى قتلت الصحفي البريطاني، وهذا أقرب إلى العقل؛ ولكن الأهرام تكذب من أجل اليهود..

ونشرت الأهرام خبرًا يقول: إن الحكومة الصهيونية أفرجت عن جميع المعتقلين العرب في المعتقلات الصهيونية، ولكن وزير داخلية العدو سارع بنفي هذه الأخبار جملة وتفصيلًا.

وبهذا السلوك تكون الأهرام قد كذبت من أجل العدو، وحاولت -افتراء- أن تظهره في مظهر إنساني، لم يستطع هو نفسه أن يقبله..

التبرير الديني للانفتاح على الكيان الصهيوني إنما هو في مصلحة اليهود، فتسخير نصوص الإسلام وتعاليمه يحقق لليهود عدة أهداف، منها:

- إخضاع الإسلام ذاته للعبة السياسية.

- بهذا الإخضاع يتخلص اليهود من أقوى طرف في الصراع وهو: الإسلام.

- تخدير الأمة وتنويم وعيها بواسطة الدين.

- تجميل -مودة- اليهود بطلاء ديني.

- إحداث خلل ضخم في التوازن العقائدي، حيث يحتفظ اليهود بعقيدتهم كمعيار للصراع وكوقود له؛ بينما تفرغ المنطقة من عقيدة الإسلام، بل توظف عقيدة الإسلام لخدمةالعقيدة اليهودية.

كل ذلك لمصلحة اليهود؛ لا لمصلحة مصر.

الحملة الإعلامية المكثفة التي تستهدف تجميل اليهود، وتهيئ ضمير الأمة لمحبتهم وعشقهم، هذه الحملة إنما تخدم الصهيونية خدمة عظمى.

إن اليهود يعتقدون أنهم هم شعب الله المختار، وفي مصر اليوم اتجاه إعلامي وفكري وثقافي يحقق أحلام اليهود في اعتقادهم هذا.

كاتبة -في جريدة أكتوبر- تكتب مقالًا عن عبقرية اليهود الثقافية وفضلهم على الثقافة المصرية، وتبدي بهجتها بقرب تصوير فيلم عن علاقة الحب بين شعب مصر، وبين الصهيونية، وتقدم نظرية جديدة في علم النفس فتقول: الحلم في أعماق اليهود هو أن يتحقق السلام.

وتوجيهات عليا تصدر إلى كافة أجهزة الإعلام تلزمها بعدم نشر أي كلام، وأي صورة تسيء إلى اليهود.

ومقدمة برنامج أطفال -في الإذاعة المصرية- تربي أطفال مصر على حب اليهود، فتقول لهم: إن القلب الذي يعرف الحب لا يعرف الكراهية، ولا يجوز له أن يكره.

وهذا تبسيط -يتناسب مع عقلية الأطفال -للصفقة السياسية التي تجري في المنطقة.

ففي هذه الصفقة نص عن السلام الدائم خدمته مقدمة برنامج الأطفال بأسلوب تربوي، يلقن أطفال مصر الحب الدائم لليهود.. وهذا كله في مصلحة اليهود.

وإمعانًا في الخطأ وإنقاذًا لماء الوجه، يصور التصلب اليهودي الجديد، أو الإخراج الفني للمطالب اليهودية القديمة، يصور في شكل تنازلات ومرونة، قدمها الإرهابي مناحيم بيغن کرد ودي على الزيارة إياها.

وهذا تضخيم مفتعل يريد أن يجعل من الحبة قبة، ومن رجل نملة مكاسب في ضخامة كوكبنا هذا.. إن صح أن هناك حبة، أو رجل نملة.

ولكن لماذا التضخيم والتهويل؟

لكي ينسد الطريق أمام الكلام عن: الخيبة الكبرى، والفشل القاتل، والتيه الجديد.

وهكذا تسلك نزعة الدفاع عن النفس طريقًا يؤدي إلى خلع صفات العدالة والإنصاف على اليهود.

وبعد؛ فإن هذه السلسلة من التصرفات والمواقف تجعل الناس يخافون من مصر. ولكن ينبغي أن يقترن الخوف من مصر بالخوف عليها، فمن المؤكد أن خسارة مصر إنما هي خسارة عربية إسلامية.

ولكي لا يظل الأمر في نطاق الأماني ينبغي أن يجدد الاتصال بمصر، ليس من أجل التضامن العربي بمعناه الهش العائم المائع، وليس من أجل الدخول في ورطة الانتحار.. الاتصال يجب أن يكون لهدف واحد هو: بذل محاولة للكف عن التدحرج، وللعدول عن طريق الهاوية والموت.

ونحن نعلم أن الأمر ليس سهلًا، ولكن خطورة الموقف تستحق المحاولة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل